الرحلة من الدين


ايفان الدراجي
"النظر إلى ما يسمى بالدين ، و اعني أَيْ ظاهرة تدين منظمة، ليس فقط في الهند ، بل في كل مكان ، تملأني بالرعب و أنا اعترض عليها كثيراً و أتمنى أن تختفي من الوجود. غالبا ما تكون عبارة عن إيمان اعمي و ردود أفعال بدون معنى و عقيدة و تعصب و غيبيات لتحقيق مصالح شخصيه .. " / نهرو

هذا المقال...
هو ليس دعوة لأي شيء مهما كان تفسيرك عزيزي القارئ، بقدر ما هو سرد لرحلة عبر أغلال ودهاليز ذاتي نحو فضاءٍ تمكنّت فيه من أن أبسط جناحيّ وأطير تحت الشمس وعبر العتمة بنقاءٍ وسلامٍ روحيّ وصحةٍ عقلية.
بسنين عمري المبكرة ومنذ أن نطقت أول حرفٍ بعد كلمتي ماما وبابا ابتدأ التلقين ! لن أتحدث هنا عن أناشيد المجتمع والسياسة فهي جزء من البرنامج الذي يتم تنصيبه في أدمغتنا وحمايته بـ (firewall) متطور لا يمكن اختراقه بسهولة.
بل سأتحدث عن التلقين باسم الدين والعبادة، ما يتم برمجتنا وفقه لنكون تابعين وخاضعين لأنظمة تشريعية تبدو للولهة الأولى ثابتة صحيحة مُنصفة آلهية لا يُسمح النقاش بشأنها أو التفّكر بها، لكنها بالحقيقة ثابتة من حيث صرامة إتباعها وتنفيذها متغيرة حسب أهواء ومصالح المستفيدين منها وواضعيها. }وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} 1.
آمــين
ترعرعت بأسرة معتدلة نوعاً ما وكان هذا ناشئاً عن التناقض بين قطبيها، أضف إلى أن الظروف والبيئة التي واكبت نمويّ وتكوين شخصيّتي لم تكن بتلك الفترة متشددة دينيا أو متعصبة طائفيا بل على العكس وفقاً للنظام الحاكم آنذاك. لكن هذا لم يجعلني أبتعد عن البيئة التي تطغى عليها الصبغة الدينية بالأساس فنحن العرب الشرقيون معروفون بأننا دول إسلامية، شعوبها روحانيون تتخذ فيها الحكومات التشريعات الإسلامية بالتحديد كأساس لسّن قوانين الدولة والدستور والنظم، مما يجعل أي فرد من المجتمع بوضعية (لبيك لبيك) و (سمعاً وطاعة) في أي أمرٍ كان دون محاولة التفكّر والنظر للأمور من زاوية أكثر انفراجا من تلك الضيقة التي صُبّ فيها منذ البدء.
}إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } 2 ، }لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ{ 3

ببداية حياتي لم تُرغمني أسرتي على التديّن أو الالتزام بالدين لكن ما كان (يشجعني) على ذلك هو محيطي المتكون من المدرسة والجيران والبقية أجمع، كان كل شيء بمثابة خيار فيما يتعلق بذلك، وحين قررت خوض التجربة والنهل من ينبوع الدين من أعماقه فوجئت بردة فعل (بعض) من أفراد أسرتي بالرفض القاطع! كان السبب هو الخوف من السلطات فهي مُرعبة بالنسبة لهم أكثر من ربهم. وكان معروفاً آنذاك أن من يخوض هذا الغمار؛ خصوصا بما يتعلق بمعتقدات الطائفة التي قيل إنني يجب أن انتمي لها وعلي أتباعها، فهو يُتهم بأنه تابع لجهة معادية أو جاسوس ويُحاكم بتهمة الخيانة الوطنية. لكنني رغم هذا ركبت الموجة بالاستعانة بالفريق الثاني من أسرتي وآخرين رغبة مني بعيش الدور واكتشاف ماهية وسرّ هذه العقيدة التي وجدت الكثيرين يُفنون دونه ويبذلون فيه كل نفيس. عندها فقط أقرر وأطلق أحكامي بهذا الخصوص .
كنت من المدافعين عن الدين حيث كرسّت له قلمي ونددت وحاربت من تطاول عليه، امتزجت فيّ الشخصية التي دُربنا عليها بحذافيرها والتي تتميز بأن آرائها غير قابلة للنقاش، قمعية، مظلمة، مُسيّرة ولا يمكنها اتخاذ أي قرار إلا بالرجوع إلى الأسياد والمراجع. الشخصية التي كانت تُفسر الدين بما تشتهي وتدعّي أن التناقضات واللاعدالة واللامساواة والظلم والكبت والتعصبيّة والانغلاق والتبويب على أساس الطبقات والأصول ووو غيرها من المظاهر البعيدة عن الإنسانية هي بفعل سماسرة يحاولون تشويه صورة الدين وجعلوا منه شمّاعة لأخطائهم وتعليلاً لكل رغباتهم وسلوكياتهم.. أوليس كذلك؟
مرت بضعة سنين انغرست فيها بالدين والعقيدة بشكل عميقٍ جدا ومخيف حتى إنني لم اعد أشعر بذاتي؛ وهذا يعني انعدام الذات والاستقلال، الابتعاد عن التفكير والتحليل والبحث، والاعتكاف على الطاعة العمياء فقط والانقياد لمتناقضات بدأت تبعاتها تزعجني جداً لا بل وتخنقني لدرجة إني حين أفتح النور بأحد الغرف التي باتت مظلمة في رأسي أتفاجأ مما أرى وأكتشف وأبدأ بالضحك على نفسي أولاً وأخيرا.
كانت البداية لا للشعور بالندم بل بالارتياح لما توصلت إليه وخضته وتوغلت فيه، فمنحت نفسي شهادة تقديرية على صبري بخوض تلك المهمة الصعبة التي تتناقض وشخصيتي ومبادئي التي كادت براعمها أن تُستأصل وأتحول إلى شاةٍ بدوري.
"عندما كنا ندرس سلوك القردة كنا نشعر بالإحباط من النقطة التي توقف عندها تفكير هذا الكائن ..وإنني أخشى أن يكون هناك من ينظر إلينا ، نحن البشر، من "البعد الرابع" ويشعر بالإحباط من النقطة التي توقف عندها تفكيرنا !!!! " 4

البديل
الخطأ الذي أوقعت نفسي فيه هو البحث عن بديل، ربما كان السبب هو عدم نضجي فكريا حينذاك والحاجة لإجابات على الأسئلة التي زرعت بذهني كجزء من ميكانزمية إلزامية تجعلنا جميعا بحاجة لدين ولأن نكون توابع خاضعة لجهة مجهولة خفيّة لاهوتية تُقاد على الأرض من قبل أسياد ليس من حقنا أبداً مناقشتهم فكيف بنا ومعارضتهم ؟!
برحلة البحث عن بديل بالمخالطة مع طوائف عقائدية أخرى كُنت كمن اختار اللهث بدائرة مغلقة ليس لها نهاية. سأختصر عليكم الرحلة وأصل للمفترق الذي ابتدعته بنفسي من خلال شخصٍ أحببته حين اتجهتُ لدينٍ آخر، بعد قراءاتي المكثفة لجميع الأديان السماوية وغير السماوية التي وجدت إنها جميعا تُبنى على ذات المرتكزات اللاعقلانية كفكرة المُخلص أو المنتظر ومبدأي الثواب والعقاب والعقوبات الصارمة بحق من يترك تلك الملّة أو الدين والتي من شانها جميعا أن تُحكم إغلاق العقل المنفتح المتفكّر وتُشّل إرادته وتمنعه من المضي قدما بعيش واكتشاف الحياة إذ إنها جميعا تمنحك شعور بالذنب وكأن هناك من يركض خلفك وعليك سداد دين أفعال ارتكبها من سبقوك: أي تدجين على الماسوشية من جهة والتبعيّة من جهة أخرى بيد أن الكثير من الأحيان نكون نحنُ الساديون الجلادون بذات الوقت!
الخلاصة إني كنتُ كالمستجير من الرمضاءِ بالنارِ.... بحت تناقضات.
" ليس هناك عاقل يدعو إلى الاستغناء عن الدين. لكن مشكلة الخطاب الديني أنه لا يزال - في غياب إصلاح ديني ولاهوتي جذري - ينتمي إلى العالم القديم، عالم البيعة والطاعة والشورى ونحو ذلك. في حين أن السياسة أصبحت، منذ ما يقارب قرنين من الزمن، تنتمي إلى العالم الجديد، عالم الانتخابات والديمقراطية، والتعددية، والعقد الاجتماعي، وفصل السلطات، والتداول على السلطة، ونحو ذلك." 5
بغض النظر عن وجود الخالق أو لا فنحن نتعامل مع معطيات ملموسة على الأرض باسم الأديان التي هي من تتحكم بحياتنا وتُسير تفكيرنا وتستبيح حرياتنا باسم الخالق ! " إذا كانت الغاية تبرر الوسيلة ، فما الذي يبرر الوسيلة ذاتها؟ "/ كامو.
شيزوفرينيا !

"أما فيما يخصّ البشر العاديّين، أي السواد الأعظم المَوجود للخدمة والمصلحة العامة والمسموح له بالوجود لهذه الغاية فحسب، فإنّ الدين يَمدّهم بِرِضَى عن وضعهم ونوعهم لا يُقدَّر بثمن، بسلام مضاعف في القلب، بإعلاء لشأن انصياعهم، بسعادة وآلام جديدة يشاطرونها أمثالهم، بنوع من التسامي والتزيين، بنوع من التبرير لكلّ الحياة اليومية، لكلّ الوضاعة (Niedrigkeit)، لكلّ البؤس نصف البهيمي الذي في نفوسهم (Halbthier-Armuth ihrer Seele). إن الدين وأهمية الحياة الدينية يُضفيان بريقا نيّرا على أولئك البشر المعذبين أبدا ويمكنهم من تحمّل مَنظرهم الخاصّ، وتأثيرهما أشبه بالتأثير الذي خلفته الفلسفة الأبيقورية، عادة، على متألمين من رتبة أعلى. إنه يُنعش ويُصقل ويَستغلّ الآلام، إن صحّ التعبير، بل إنه يقدّسها ويبرّرها آخر الأمر أيضا" 6. وهذا يؤكد مقولة ماركس بان : "الدين أفيون الشعوب" إذا ما خلعنا على الدين هالته الأسطورية فهو تعبير عن بؤس حقيقي، ولكنه في نفس الوقت احتجاج ضد بؤس حقيقي. يُستخدم لتخدير البسطاء المُعذبين المهمشين في الحياة الذين يشكلون دائما الطبقة السفلى من المجتمع إذا ما أخذنا الجانب الطبقي للمجتمعات، وجعلها أي تلك الطبقة الكادحة الطبقة الوديعة الصابرة على همومها اليومية وصعوبة بل واستحالة توفير العيش الكريم الحرّ راضية باستغلالها تحت ذريعة الاختبار الإلهي والرضوان والمفاز الأخير بفسيح الجنان وعظيم الشأن والمكان، هنا تكمن عظمة و قوة الأديان وبذات الوقت ضعفها فإن المسافة بينهما قيد شعرة، لأن كل شيء هنا مبني على الغيبيات حيث إن الدلائل والحجج والبراهين التي يستندون عليها والتي تقود لليقين والإقناع العقلي والتحكم الذهني بالآخر متناقضة بشكل واضح ومثيرة للشك لمن يتفكر حتى أبسط التفكير. لن أتطرق لعرض التناقضات ودحضها والرجوع للمراجع والكتب، وهذا يقودنا منطقيا للحاجة إلى الدين بالنسبة للشعوب ولسماسرته.
" إذن، الدين دينان ولكل واحد منهما دوره ومهمّته: الدين الأوّل هو دين الأقوياء الذين يمسكون بمقاليد الحكم، أو أولئك الذين يرغبون في المحافظة على نقاوة نفوسهم عن طريق التأمل والخلوة حيث يقدّم الدين لهم حوافز وإغراءات عديدة لانتهاج الدروب المؤدية إلى روحية عليا ولاختيار مشاعر الصمت والوحدة والتجاوز الكبير للذات؛ أما الدين الثاني فهو الدّين الذي يستعمله الحاكم عن قصد كأفيون للعامّة، ذلك الصنف من الناس التي تقتصر مهمته على الانصياع لأوامر الأقوى، هنا يتدخّل الدين لتكريس عبودية أولئك الضعفاء وإشعارهم بوضاعتهم وتبرير البؤس في نفوسهم التي لا ترقى إلى درجة الإنسانية لأنهم أنصاف بهائم. إن نقد الدين عند نيتشه ينطبق عليه قول ماركس من أنه تقطيع للأزهار الكاذبة بغاية تبرير أغلال العبودية وتكريس وحشية علاقات الإنتاج السائدة في المجتمع الرأسمالي." 7
بدأت النوافذ تنفتح في ذهني نحو العالم الحقيقي الخارجي لا الكاذب المزيف المحصور في علبة فارغة والتي اسمها (الدين)، إن جميع الدول التي تعاني من مشاكل حقيقية وبؤس وتدهور على جميع الأصعدة كان الدين فيها حاكما مُهيمنا وفتيلاً نشطاً، جميع الشعوب التي تعاني انحسار ثقافي وتراجع حضاري تكون فيها لغة الدم هي السليطة تحت مسميات التطهير أو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كل هذه الدول بكل ما تعاني مما ذكرت وأكثر يقسم الدين فيها الناس إلى ثلاثة: القسم الأول؛ المتحدث باسمه أي (الريموت كنترول) وهم المستفيدون وعلى الأغلب الواضعون له أو المحافظون عليه، والقسم الثاني هم آلات القتل والإبادة المدججة بالأفكار السوداوية الحمقاء كونكريتية العقل والمُتحكم بها عن طريق (الريموت كنترول) تماماً وهم أيضاً المستفيدون من ناحية تعزيز المكانة التي يتبوءونها وتغذية أوهامهم بالنجاة والإصلاح الذي سيتم على أيديهم كجنود للرب والمنفعة التي تعود عليهم من تبعية أسيادهم ، أما القسم الثالث فهم المسحوقون بين عجلتي القسم الأول والثاني، والوقود الفعلي للدين ولعناصره ، الذين يشكلون القواعد والطبقات الأساسية للهرم الديني-الرأسمالي أو ما تحول إليه بوقتنا الآن الهرم الديني-السياسي.
" لا يمكنك إقناع المؤمنين بأي شيء لأن عقائدهم لم تبن على دليل . إنه مبنى على رغبة عميقة لديهم للإيمان." / كارل ساغان

نهضة أوربا
قبل الخوض بنهضة الدول التي وجدت الحل أخيرا بفصل شؤون الدولة والحياة المدنية عن الدين ومشاكله وتناقضاته التي لا تُرضي أحد ولن تفعل، سأنوه عن البارانويا التي نمتلكها والتي كانت من ضمن الأنظمة البرامجية التي تم تنصيبها بتفكيرنا وأذهاننا على أن تلك الدول دائمة التخطيط للنيل والإطاحة بنا والطعن بديننا (الإسلام) لتدميرنا واستغلالنا، إنها مجددا نظرية المؤامرة التي تُعد شماعة نعلق عليها فشلنا وتخلفنا والحروب المستمرة الطاحنة التي استهلكتنا على مدى عصور طويلة بسبب عدم الاتفاق على (الشهادة) أو (مصداقية ظهور المُخلص) بنهاية الزمان .
" رجال الدين من مختلف الطوائف..يعانون من تقدم العلم, كما يعاني السحرة من موعد شروق الشمس, ويعبسون في وجه تلك الإطلالة التي تعلنهم بأن تلك الأوهام التي يعتاشون عليها في طريقها للزوال .." / توماس جفرسون

ولتكريس وتعميق هذه المفاهيم والعقلية اللامنطقية ما ينفك مُنظرّوا المنابر و الفضائيات بالإفتاء حيث يُفصّلون ويتفننون في أشكال التعذيب وأهوال القبور وما بعد الموت والقصاص وما إلى ذلك، ومن ثمة إشاعة وتفعيل ثقافة الترهيب والتخويف من الله وغضبه، وغاية هذا النهج إرهاب الناس و مصادرة عقولهم باسم العقاب وواجب الطاعة إلى درجة يبدو معها كما لو أن هناك نوعا من التوجه نحو تجريم الحياة والدعوة إلى الظلامية، } وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ .... وَمِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ { 8. أين التسامح الديني؟ أين ذهبت الرحمة الإلهية، } قُـلْ يَا عِبَـادِيَ الَّذِيــنَ أَسْــرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِــمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُـورُ الرَّحِيــمُ ، وَأَنِيبُــوا إلى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْــلِ أَن يَأْتِيَكُـــمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ، وَاتَّبِعـُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ..{ 9
يمكننا تلخيص نتيجة نهضة أوربا بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وتحول نظام الحكم فيها إلى مدني بالنص المقتبس: " إن الإستبدادين: السياسي والديني مقارنة لا تنفك متى وُجد احدهما في امة جرّ الآخر إليه، أو متى زال، زال رفيقه، وان صلح، أي ضعف الأول، صلح، أي ضعف الثاني. ويقولون: إن شواهد ذلك كثيرة جدا لا يخلو منها زمان ولا مكان. ويُبرهنون على إن الدين أقوى تأثيرا من السياسة إصلاحا وإفسادا، ويُمثلون بالسكسون؛ أي الانكليز والهولنديين والأمريكان والألمان الذين قبلوا البروتستنتية، فأثر التحرر الديني في الإصلاح السياسي والأخلاق أكثر من تأثر الحرية المطلقة في جمهور اللاتين، أي الفرنسيين والطليّان والاسبانيول والبرتغال. وقد اجمع الكتاب السياسيون المدققون، بالاستناد على التاريخ والاستقراء، ما من امة أو عائلة أو شخص تنّطع في أي تشدد فيه إلا واختل نظام دنياه وخسر أولاده وعقباه..... ويعتبرون إن إصلاح الدين هو أسهل وأقوى واقرب طريق للإصلاح السياسي." 10
دولنا وحكوماتنا ومجتمعاتنا للأسف قائمة على الدوغمة التي توجد في كثير من الأديان (على جميع المستويات) مثل، المسيحية، الإسلام، و اليهودية، و التي تلزم فيها الأديان أتباعها باعتناق أركان أو مبادئ بشكل دوغماتي. الدوغماتيات في الأديان يمكن أن يتم توضيحها وتبيينها من قبل المستفيدين والذين يدعون بالمراجع أو الأولياء الذين يتم إتباعهم وتقليدهم من قبل الناس ولكن لا يسمح بمناقضة الدوغمة او حتى نقاشهم. ويعتبر رفض الدوغماتية (هرطقة) في بعض الأديان، و قد يقود إلى ) التكفير) أو (إهدار الدم ( من لدن معتنقي تلك الديانة.
نعود لنهضة أوربا والكيفية والخطوات التي قادت المجتمع بنسبة عالية للتخلص من هيمنة الدين والتسلم له أو وهم الإله حتى ، بالأساس فلفهم ولو بشكل مختصر أسباب نشوء الدين وتسليم الناس له ولفكرة الرب؛ في القرون الماضية الساحقة ومنذ فجر البشرية كانت الإمكانيات العلمية لدى البشر محدودة لدرجة عجزه عن فهم واستيعاب وتحليل الظواهر الطبيعية حوله وكذلك إيجاد الحلول للمشاكل التي واجهته كالأمراض واحتياجات ومتطلبات حياته البسيطة لذا كان يعزي كل شيء لقوى غيبية لاهوتيه ، وكان ذلك قبل ظهور الأذكياء والطموحين الدجالين الذين يدعون بالأنبياء. ان الدين او الرب نشأوا فكرة بين واحد نصاب وذكي وآخر غبي ومحتاج لذا تعززت مكانته على مر القرون وصار الإنسان يوكِل إليه كل شيء ويعتمد على الوعود والغيبيات الكاذبة ، حتى ارتفع صوت العلم واستطاع أن يتغلب ويدحض ما جاءت به خرافات الأولين وأديانهم وافتراضاتهم وادعاءاتهم بان الكتب السماوية –كما يسمونها- هي الوحيدة التي وضعت لتنظيم حياة الإنسان وفيه يجد ضالته بكل ما يبحث ويحتاج!! متناسين وجود بشر آخرين بمناطق مختلفة ونائية من العالم لم تصل إليهم كتبهم هذه ولم يسمعوا بدينهم حتى ! وهكذا أصبح بإمكاننا بالعلم والعقول الواعية المنفتحة أن نفهم الكثير ونجد له التفسيرات المنطقية العلمية المدروسة والتي تم إثباتها حقا.
" العقل الغربي أصبح مهيمنا على العالم بسبب نجاحاته التكنولوجية والاقتصادية السياسية الصارخة. لقد وصل من القوة والعنجهية إلى حد انه نافس الدين، بل وانتزع منه تلك الذروة العليا التي تعلو ولا يعلى عليها: اقصد ذروة الهيبة والمشروعية. ومن المعلوم انها كانت من اختصاص الدين لفترة طويلة من الزمن. اصبح العقل العلمي هو الذي يحدد المشروعية وليس الدين. وعندئذ انتقلت البشرية الاوربية من الفضاء العقلي القروسطي إلى الفضاء العقلي الحديث. واصبح علماء الطب والبيولوجيا والقانون هم الذين يحددون السلوك الاخلاقي المستقيم وليس رجال الدين. وحشر العقل الغربي الدين في منطقة ضيقة وحدد له وظائف ثانوية بعد ان كان يتحكم بحياة البشرية الاوربية في كل كل شاردة وواردة طيلة قرون وقرون . وهنا يكمن لبّ الصراع الذي دار بين العقل المسيحي وعقل التنوير منذ القرن الثامن عشر. فالرهان الاكبر كان: السيطرة على ذروة المشروعية العليا التي تعلو ولا يعلى عليها. .... وهكذا حرمت الدولة الحديثة الدين من كل الوظائف الاساسية التي كان يمارسها طيلة العصور السابقة. لقد انتزعت منه حتى الامل الاخروي الذي كان يعزى به البشر بسبب آلامهم وحرمانهم في هذه الحياة الدنيا." 11

التسييس الديني أو الأديان السياسية
كلنا نعرف وعلى مدى العصور الطويلة كيف إن للسياسة شكل الزئبق الذي لا شكل له ولا يمكن تحديده وتأطير ماهيته، فهي ليست بثابتة الفكر أو الوسيلة أو الأساليب المتبعة للوصول إلى الغايات والأهداف فتشكلت وتلونت وتنوعت حسب أفكار الناس السائدة بما يمكنها من الولوج لأنظمتهم الدفاعية العقلية والهيمنة عليها وإطفاء جميع منبهات الخطر فتحولت من الأحمر إلى الأخضر بفعل تلويّها هذا فتارة اتخذت القوة كوسيلة لها وتارة استغلت الفقر والحرمان بينما صعد الآخر على أكتاف بل ورؤوس العمال الكادحين فبنوا لأنفسهم هرما اعتلوه، أما الدين فكان الورقة الرابحة على الدوام وما زالت بالنسبة للسياسيين والعكس هو الصحيح .
" عندما وفرت لهم الدولة كل ما يريدون على هذه الأرض لم يعودوا بحاجة إلى هذا العزاء. كما وانتزعت الدولة الأوربية الحديثة من الدين ذروة القيم الاخلاقية التي تؤمن المحافظة على التماسك الاجتماعي للشعب، وترسخ التضامنات الحيوية اللازمة لحياة المجتمع، وتكفل المعاملات والصفقات المعقودة بين البشر، وتؤمن المشروعية...الخ، كل هذه الاشياء انتزعت من ايدي الدين وسلمت إلى ايدي الدولة وعنايتها. وبالتالي فلم يعد للدين من وجود يذكر في الحياة العامة للمجتمع. واما أنظمة العالم الثالث القائمة على الحزب الواحد فقد فشلت في توفير هذه الاشياء لمواطنيها بعد انهيار قانون العرف والتضامنات التقليدية. ولهذا السبب بالذات فان الحركات الاسلاموية الاصولية قد شهدت نجاحا سريعا ومنقطع النظير. واستطاعت ان تحتل الساحة الخالية بكل سهولة ويسر. وهكذا استعاد الدين وظائفه بصفته ملجأ للبشر المسحوقين وملاذا للمستضعفين. واصبح هو المرجعية الاساسية التي يعتصم بها الناس في اوقات الشدة والضيق وهو الوسيلة للتوصل إلى بعض الطمانينة في عالم ساحق ماحق لا يرحم. فالدولة تختلت عن المواطن، والمواطن لم يعد يعرف اين يذهب ، فالقى بنفسه في احضان الحركات الاصولية.... ان هذه الانظمة ولد عددا كبيرا من الخاسرين والهامشيين والخائبين والمتمردين والمنبوذين والعاطلين عن العمل. وبالتالي فان الحركات التي تستخدم وعود العدالة والأخوة والحماية الاجتماعية والكرامة وتجييشها من جديد. " 12

هوامش:
1-أل عمران 64
2-آل عمران 19
3- البقرة 256
4- عالم الأعصاب الألماني "هويمارفون ديتفورت - من كتاب "تاريخ النشوء
5- سعيد ناشيد: أي مشروع رافض لقيم الحداثة والتنوير لن ينتج غير الهمجية
6- ف. نيتشه، ما وراء الخير والشرّ، ترجمة جيزيلا فالور حجار. مراجعة موسى وهبة، دار الفارابي، بيروت ـ لبنان 2003، 258. 3- F. NIETZSCHE, Gِtzen-Dنmmerung, oder wie man mit dem Hammer philosophiert, in Friedrich Nietzsches Gesamtausgabe, von Giorgio Colli und Mazzino Montanari, De Gruyter/New York 1999, Bd, VI, p. 150
7- نفس المصدر السابق
8- الانعام 141-142
9- الزمر 53
10- طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد- عبد الرحمن الكواكبي
11- الاسلام، اوربا، الغرب – محمد اراكون
12- نفس المصدر السابق
Share:

بطل فلم هندي



روان يونس

حاليا؛ متخيّلة حالي (بطل مش بطلة) بشي فلم هندي تحديدا (لانو يطغى عليها عنصر المبالغة كتير مثل حياتي). بطل مش بطلة لانو ولا مرة وفقا للثقافة الهندية الشرقية ايضا في امرأة تحرر قريتها وتضرب الاشرار وتنقذ حبيبها من زواج قسري بشي وحدة غنية وتطير فوق السيارات والبوكس تبعها يطير شي خمس رجال ضخمين.. دور المرأة بالافلام الهندية دايما هو محفّز للبطل انو يعمل كل هاد مشانها وانو ترقص وتغني ويمكن يغتصبوها باحد المشاهد او يخطفوها وبالاخير تطلع اختو او تموت.. بطل مش بطلة مو لاني بدي اتشبّه برجل لا ابدا طالما الدور التخيّلي يله عم العبوا ما الو علاقة باللي بين رجلين الشخصية.
المهم... انا حاليا بطل بالفلم الهندي يلي يحرقولي فيه قريتي ويذبحوا اهلي واتخلوا عني صحابي وباعوني لرئيس العصابة خوفا منو وطمعا باللي رح يقدموا الهن، الفلم يلي حبيبتي ابوها عم يغصبها تتزوج واحد غني وشرير وقبيح اغتصبها باحد المشاهد الاولى للفلم وما قدرت ساوي شي، وعمي هو الوحيد يلي بيشجعني صير ثوريه وانتقم ع الظلم وجيب حق المظلومين وروح حارب العصابة وانزل فيهن ضرب وفوت ع قصر الشرير وبرقبتي طوق من الديناميت وهدد اني فجّر حالي اذا ضربوا علي اي رصاصة -بديهي انو رح انفجر ما اهبل الافلام الهندية!!- عموما... وبهاي الاثناء تجي الشرطة يلي كمان متواطئة مع الشرير وتاخدني وتخليني بالحبس كذا سنة، بسمع فيها انو حبيبتي ولدت ابن هداك الشرير الي اغتصبها وبالاخر ما اتزوجها هيك جكر فيني. وبعدين اطلع من السجن لانو خلصت فترة حكمي ولسه قرار الانتقام بداخلي لانو ما عاد عندي شي اخسروا والبس واتسلح مثل رامبو وارجع ع قصرو ناويه اقتلو انفذ عملية اقتحام كلها اكشن باكشن وبالاخر لما اوصل للشرير يطلع هو عمي ذاتو..!!!!
تعرفو شو ساويت؟
.
.
.
.
.
.
رح ارجع اعكس المشهد هلأ على حياتي الفعلية:
ضحكت ضحكا مبرحا واخذت عمي بحضني قلتوا وينك يا زلمة ما زرتني بالحبس؟ واطلع من قصرو لكفّي حياتي وانا مقتنعة انو طز بالمباديء والقضية والمظلومين وقريتي وصحابي وحبيبتي وابنها... وعلّق الصدمة شهادة تخرج على حايط غرفتي.
وشكرا
Share:

شو يعني انك تكتشف حالك (ذاتك) او الحياة؟



روان يونس

سؤال طرح نفسه من خلال حديث مع رفيقة الي عايشة بامريكا تذمرت من غياب او انقطاع التواصل المستمر مع حبيبتها وعدم استقرار حبيبتها بعمل او سكن، فقلتلها اتركيها للبنت تكتشف. (نقطة على السطر)، قالتلي شو بدها تكتشف وهي عندا 24 سنة؟ قلتلها شو يعني ما انا عندي 31 سنة ولسة جوعانة للاكتشاف.. قالتلي اي ما انتِ كنتِ عايشة بالعراق! بس حبيبتي عاملة تاتو وبيرسنك بكذا وكذا مكان و.. قبل ما تكمل قاطعتها: الاكتشاف مش انك تبرمي بقطعة جغرافية محددة، اكتشاف الحياة منو اكتشاف الارض، اكتشاف الذات منو ساوي بيرسنك او تاتو او غير ستايلي! المهم انا نهيت الحوار لان شكلها اصلا معصبة من موضوع حبيبتها وخلاص مافيها تستوعب يلي بحكيه منو وقت فلسفة بالنسبة لألها.
الانسان ابدا ما بيبطل يتعلم اشيا جديدة بحياته ويتحدى ذاته. انا مثلا كان تفكيري محصور باني لازم كون شي ممثلة او اشتغل بمجال الفن والصحافة وبس، اهلي كان بدهنياني كون طبيبة، قمت جبت معدل متدني مشان اجبرهن فوت فن وكمان ما زبطت.. لما انخرطت بالحياة العملية وبديت كون مسؤولة عن نفسي واهلي كمان تغيرت كل مفاهيمي، بلشت اشتغل بمجال عمري ما تخيلت حالي فيه (البزنز)، كنت بكرهوا لاني مثل كتير شباب عراقيين تربوا على مباديء الاشتراكية والبطيخ كنت بعتبر حالي رح خون مبادئي واشتغل لصالح الرأسمالية، اي شئنا ام ابينا الرأسمالية هي يلي العالم متمحور عليها. بعدين لما طورت حالي بالشغل ودرست هلاختصاص حبيتوا كتير، كنت بكره شي اسمو ارقام ورياضيات صرت بحبهن، مع انو شخصيتي قيادية بس كنت بكره امسك شغل وكون مسؤولة عنو، وقت لما تركت العراق كنت مديرة قسم كبير بالشركة ومسؤولة عن اكثر من 20 مشروع انا لحالي بديرهن ودير فريق العمل معي. تركي للعراق بحد ثاته هو تحدي الي.. بلشت من الصفر، سألني صديقي قبل كم يوم لو تقارني حياتك قبل وهلأ ايا احسن؟ قلتلوا قبل كانت عندي وظيفة منيحة وراتب منيح واهل وبيت مستقر وصحاب وزملاء ومكانة اجتماعية، كانت عندي حياتي ببلدي، كنت بعرف شو بكره رح ساوي وكيف ومن وين رح بلش، بس ما كان عندي لا حرية ولا استقلال.. هلأ نوعا ما صارت عندي حرية واستقلال بس فقدت كلشي تاني ذكرتوا.. لان الموضوع منو موضوع مقارنة، هي معادلة (اذا بدك شي لازم تترك شي) لازم تضحي، وانا تركت اشيا كتير وتحديت حالي واهلي ومجتمعي وبلشت من الصفر لانو بدي اكتشف حياة جديدة وحالي مع معطيات الحياة الجديدة كيف رح تصير. 
التاتو والبيرسنك والتدخين والشرب وغيرها هاي مجرد ممارسات فيك انت تحولها لعادات وادمان او تخليها مجرد ادوات تسلية واحيانا اخرى رسائل تمرد لمجتمع يرفض انك تمارسها ويعتبرك شخص مشين وعار خاصة للبنت. الاكتشاف فلسفة اكبر بكتير من هاي الممارسات محورها التحدي.. احيانا في عالم من خلال علاقتك معهن تكتشف صفات فيك ما كنت لامسها من قبل، واحيانا مواقف ئدية صغيره وتافهه تخليك تكتشف عالم لا وتنصدم فيهن كمان.
وشكرا.
Share:

ما هي اسباب الغيرية الجنسية (السترايت)

روان يونس



 مجتمعاتنا متقولبة ومغلقة تجعل من الانسان معادلة من متغيرين تقبل اما الصواب او الخطأ فقط، او معطيات ثابتة منذ الازل تخرج لهم بما هو مطلوب من قبلهم وسائد. الانسان لم يمكن ابدا شكلا ثلاثي الابعاد اعزائي ولو كان كذلك لم اكن لاخاطبكم من خلف شاشة وتصلكم حروفي اينما كنتم في العالم.
لا يمكن ان يرتبط الانسان مع اقرانه وفق نظرية السبب والنتيجة وعلى اساسه تتم بلورة كل حياته وسلوكياته، لاننا بهذا همشّنا جميع المشاعر والاواصر الانسانية التي لا تنتظر مقابلا وليست لها سببا كالحب مثلا والعطاء. لكن ومجاراة مع قوالبكم ومفاهيمكم المتحجرة ارتأيت ان العب بذات اوراقكم.
الغيرية: هي الانجذاب العاطفي والجنسي بين شخصين مختلفين في الجندر (الجنس) اي رجل وامرأة. لكن هل تأملنا يوما في اسبابها؟
اسباب سياسية: احد اهم اسباب الغيرية هي الفاشية، وهو وصف لشكل راديكالي من السلطوية. حيث نرى الكثير من السلوكيات البشرية واساليب الحياة قد نهجت هذا النهج لغرض للسيطرة والهمينة على سلوكيات اخرى لا تتعادل معها من حيث العدد وفرضت قوتها وقولبتها عليها، الفاشيون السترايت يظنون ان لهم كامل الحق في فرض ستايل حياتهم على الاخرين مهما اختلفوا وازاحتهم حتى. وان لهذا ارتباطا وثيقا باسباب اخرى تاريخية واجتماعية سآتي على ذكرها.
اسباب تاريخية: منذ انقلبت سيادة العالم دينيا وسلطويا لصالح الرجل وغدى المجتمع بطريركي متسلط عنيف تسيطر وتدمر فيه الامم الاقوى على الاضعف، تصاعدت الحاجة للتكاثر فصارت واجبا والزاما ان تخضع المرأة وتلبي نداء الاخصاب والتكاثر. واتخذ الرجل من شكل العلاقة بينه وبين المرأة الاستتراتيجية الامثل لفرض سيطرته على اكثر من نصف المجتمع واخضاعه وتربية وتنشئة الاجيال اللاحقة وفقا لشعار الرجل رب الاسرة والسيد في المجتمع والمحارب على الارض.
اسباب دينية: كما انقلبت سيادة العالم تاريخيا وسياسيا لصالح الرجل تهدمت معها صروح الآلهه الانثى وصار الرب ذكرا، رب الاديان الابراهيمية وما سبقها. ولعل اول اسس تثبيت هذه الاديان وترسيخها في المجتمع هو اخضاع المرأة من قبل الرجل الكائن النقيض وحصرها وظيفيا على خدمته وطاعته والتفريخ فقط. ولعل من اوضح احاديث نبي الاسلام محمد هو"تناكحوا تناسلوا تكاثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة" يؤكد السببين الذين ذكرتهما سابقا التاريخي والديني. من المعروف انك اذا اردت ان تهدم نظاما ايدلوجيا ما كهذا الذي نعيشة فانك تحتاج الى ثلاثا: امراة حرة، ارادة حرة وحرية تعبير.
اسباب اجتماعية: ان هذه الاسباب جميعا بلا ريب متصلة مع بعضها مشكلة اسسا لمجتمعاتنا المتقولبة المغلقة كما اسلفت. كل ذلك كون نظاما ومفاهيما نمطية للعيش وايدلوجية فاشية ترفض اي مختلف بعد ان سادت وصارت قاعدة. فنجد اليوم الاجيال البشرية تتناقل عبر الDNA قاعدة ان العلاقات يجب ان تكون بين زوجين مختلفين بالجنس متشابهين بالدين الغرض منه ارضاء المفاهيم الكونكريتية هذه والتكاثر فحسب حتى لو كانت على حساب سعادة افراد هذه المنظومة. وهي ترفض وتعزل اي شخص يحاول التفكير خارج هذا الصندوق او حتى العيش متظاهرا بعدم وجوده من الاساس.
اسباب نفسية: في مجتمعاتنا المريضة بدوري السجان والسجين، المسيطر والمسيطر عليه، من البديهي ان نجد الشخص السترايت يعاني الكثير من العقد النفسية كان تكون بسبب نشاته في بيت ذكوري متسلط فتطورت شخصيته حسب جنسه لاحد القطبين اما المسيطر (الرجل) او المسيطر عليه (المرأة)، او قد تكون عقدة انعدام ثقة وضعف شخصية وشعورا بالنقص، فتبرز هنا شخصية سي السيد الذي يحاول تعزيز ثقته بنفسه بالسيطرة على المرأة وتعنيفها او لغرض سد فجوة ما برجوليته يعوضها بلعب دور السجان على امرأته، وهنا تعتاد الضحية التي تدجّنت منذ الصغر على ان تكون تابعه له ومطيعه، لا حول لها ولا قوة. ويتدخل الدين مجددا بجعل الرجل قوّاما على المرأة من جميع نواحي الحياة، فنجدها تستسهل الامر ولا تستقل اقتصاديا عنه وترضى بمعيشه الذل تحت وطأته فقط لانها تبرمجت على هذا الدور دينيا ونفسيا واجتماعيا.
بعيدا عن كل الاسباب اعلاه ولكوني انسانه اعيش بدون اي صناديق اود بان اقول بان قاعدة التكاثر ثابته علميا -حتى الان- اذ تتم عن طريق الاتصال الجنسي بين رجل وامرأة. لكن هذه القاعدة لا يمكن ان تنطبق على العلاقات والحب بين البشر، فهي لا تصلح الا للتكاثر فقط وليست نظام عيش يصلح للجميع ولا سببا لسعادتهم. المشاعر لا يمكنها ابدا الخضوع لاي قوانين وقواعد ولا يمكن تبوبيها وفقا للسبب خاصتكم والنتيجة.
ما هو شعورك الآن عزيزي السترايت بعد ان وضعتك في الكفة الاخرى من الميزان؟
Share:

يوميات مواطنة/ انثى- (هني مري)*


ايفان الدراجي

عيادة الطبيب هي من اكثر الاماكن التي يمكنك فيها الاستماع الى مشاكل الناس وهمومهم خاصة من ذوي الطبقة المتوسطة ودونها، لا اعلم لماذا هم فقط من يمرضون دونا عن كل شرائح المجتمع حيث اصادفهم كلما ذهبت!
جلس رجل بالعقد الرابع من العمر –او هذا ما بدا عليه- يطلب من الطبيب ان يكتب له توصية لغرض عمل تأمين صحيّ يرفعه طلبا للمؤوسسة الحكومية التي افنى عمره عاملا فيها، الرجل مصاب بتضخم الغدة الدرقية البارز جدا على عنقه، يعاني ايضا من انزلاق حاد لفقرات ظهره اذ بيّنت الاشعة المقطعية التي اخذها في احد المستشفيات الحكومية بعد انتظار ساعات طويلة، بينّت خروج (انزلاق) هذه الفقرة من مكانها كلما احنى ظهره. تعليمات الطبيب تنص على الراحة وعدم رفع الاثقال واجراء عملية جراحية. تجهّم وجهه الرجل مبيّنا للطبيب انه اذا ترك عمله يوما واحد فهذا يعني ان اطفاله لن يأكلوا بهذا اليوم! يعاني الرجل ايضا من اضطراب في ضغط دمه بسبب المشاكل في غدته الدرقية، اذ انه توقف عن اخذ الدواء الخاص بها بسبب ثمنه المرتفع.
هذا وقد صرف محافظ البصرة المعروف بحسن ضيافته وكرمه مبلغا يزيد عن ربع المليار دينار عراقي على خمس وجبات طعام (غداء) عن المجلس الاسلامي الاعلى لدة ثلاث اشهر فقط! تتوزع بين ضيافتة للوفود وموظفي مكتب المحافظ.
ربع مليار دينار عراقي يعني تقريبا (مئتين واثنين وسبعين مليون وتسع مائة وسبعة وخمسون الف دينار عراقي). يبدو ان المحافظ ووفوده وموظفي مكتبه يتغذون على نوع معين من الاغذية تزودها بهم مطاعم البصرة الاعتيادية حيث كلفتهم هذا المقدار، يبدو ايضا انه انهى جميع مهامه تجاه المحافظة ونفذ كل المشاريع المطلوبة ووفر جميع الخدمات الصحية والتربوية والامنية وخدمات الطاقة والمواصلات وحفظ النظام وصولا الى مساعدة الفقراء والمحتاجين والعوائل النازحة ايضا.. نعم! ثم انصرف يغدق على ضيوفه كرما من خزينة الشعب ودمه وعرقه.
ولعل هذا يبدو جليا في معاناتنا المستمرة بسبب انقطاع التيار الكهربائي خاصة اوقات الذروة في فصلي الصيف والشتاء، في الارصفة والشوارع المحفورة والتي يعاد حفرها باستمرار حتى بعد الانتهاء من العمل بها، في مستشفياتنا القديمة المحدودة العدد والتي لا تكاد تغطي حاجة المجتمع البصري خاصة اوقات الطواريء والحوادث بظل ازدهار تدهور الوضع الامني بازدياد منذ الـ2003، مستشفياتنا التي تنقصها المعدات الحديثة والكوادر المدربة المتمكنة، ايضا وبسبب ازدهار تدهور الوضع الامني فان افضل ما نملك من كوادر قد اغتيلت او هربت خارج البلد. ناهيك عن انتشار الادوية الفاسدة او الممنوع تداولها دوليا منذ سنين طويلة بسبب اثارها الجانبية السيئة وانعدام فعاليتها كعلاج لكنها وبفضل وزارة الصحة وصفقاتهم المشبوهة مع بعض الشركات المصنعة وجدت لها سوقا رائجا في العراق. هل سمعتم بعودة امراض تكاد تكون منقرضة في العالم منذ زمن للعراق مثل الكوليرا؟ هل سمعتم بتلوث الادوية ومحاليل التغذية بامراض وجراثيم خطيرة كالسيدا؟ هل لاحظتم ازدياد حالات شلل الاطفال والتشوهات الخلقية بين الولادات الجديدة؟
المدارس ايضا وباقي المؤوسسات التربوية والتعليمية قد ازدهر فيها الجهل والفساد هي الاخرى على عكس وظيفتها المعروفة، اذ اصبح المدرس في المدرسة الحكومية يدفع بالطالب بشتى الوسائل للتسجيل في مدرسة خاصة يدرس فيها حيث يتقاضى اجرا اعلى هناك. المدارس التي تفتقر لابسط الخدمات كالماء والحمامات النظيفة او مقاعد الطلاب ومروحة سقفية بسيطة تخفف عن الطلبة حر الصيف. ناهيك عن تراجع النشاط الزراعي وعدم مساعدة المزارعين في الحصول على معدات متطورة او باقي المتطلبات كالاسمدة والبذور والمبيدات الحشرية.. هل لاحظتم كثرة زيارة الحشرات الغريبة كالجراد مؤخرا للعراق؟ هل لاحظتم كثرة العواصف الرملية والترابية في السنوات الاخيرة بسبب التصحر؟ ما اسعدنا!
هل يخفى عنكم تصدر العراق بقائمة الدول الاكثر فسادا في العالم؟ لا يمكنك ان تصدر ابسط واسخف وثيقة حكومية ان لم يكن لديك معارف كالضابط الفلاني وعضو المجلس الفلاني الذي (يساعدك) في رشوة الموظف المختص لاصدار الوثيقة المطلوبة. اما امنيا... حدث ولا حرج، ربما لا ابالغ ان قلت انه في كل اسبوع يجب ان تنشب مشاجرة بين العشائر تنتهي باطلاقات نارية واصابات وحرق منازل بعضهم البعض وتفجيرها بالقنابل، حسنا اليست هذه وظيفة العشائر التورط في شجارات وابراز عضلاتهم من حيث عدد الافراد ومدى شراستهم وتزودهم بالسلاح؟ السلاح الذي اصبح بفضل ضبط الوضع الامني متاحا للصغير قبل الكبير، حيث ساعد على تحول اي فرد الى مجرم بضغطة زناد. الوضع الامني الذي يجعلك تودع اهلك وذويك كلما خرجت من منزلك صباحا للعمل او الدراسة او حيثما كان خوفا من ان تتحول الى باربكيو بسبب التفجيرات، او ان تخطف او تتعرض للاغتيال. الوضع الامني الذي سمح لهذه الدولة وتلك في التعدي على اراضينا ومياهنا ومضايقتنا اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا. والطامة الكبرى هي تحول العراق الى بؤرة نشطة في نشوء وتنمية الخلايا الارهابية التي اثبتت جدارتها وخطورتها في السيطرة على مدن كاملة في العراق (والحبل ع الجرار).
الكلام لن ينتهي في الثناء على جهود محافظ البصرة وحكومة (علي بابا) ابدا، تتذكرون كيف زعلتم من نانسي عجرم حين نعتنا بعلي بابا؟ سرها باتع الصبية صراحة وعدها علم الغيب!
هنيئا لمحافظ البصرة وحاشيته المستفادة منه كروشهم المتعفنة بقوت الشعب الذي يستحق ما يجري له لانه يعود لانتخابهم في كل مرة، هنيئا له على تعبه وجهوده المضنية والتي تختصر في السرقة والاكل ومن ثم اللطم تكفيرا عما سرق، هنيئا لنا نحن ما ذكرت اعلاه.
Share:

تياترو


تــياترو...
محاولات اختزال حلم مسرحي.
تعاطيت اولا بحثا عن المسرح الغنائي كاد المنسوب العالي للموسيقى والرقص فيه أن يودي بعقلي، فأودى بــ شهيّتي للكتابة نحو انتشاء مارسته مع اربعة مسرحيات لم ترتشفها خشبة المسرح بعد، فكانت "
تيــاترو".

                                                                       ايفان الدراجي





دار سيزيف للنشر
الطبعة الأولى
جميع الحقوق محفوظة لصالح المؤلفة
رقم مقر التسجيل في مكتبة الكونغرس الامريكية 1-46356-312-1-978
لا يسمح بإعادة اصدار هذا الكتاب بشكل كامل او جزئي او نقله كما لا يسمح اعداد المسرحيات المنشورة فيه دون اذن خطي مسبق من المؤلفة.

Available online
Share:

كن انت تغييرا للعالم بقلم



ايفان الدراجي

جميعنا نحتاج للتذكير بين برهة وأخرى تحت نير ضغوط الحياة ومشقاتها وعمليات برمجة الانسان التي تقوم بها الأيدولوجيات والحركات السياسية لجعله خاضعا منقادا لها وقاعدة لهرم سلطتها وإمبراطورتيها. خاصة الفئات البسيطة والمستضعفة من المجتمع كالنساء مثلا. المرأة بحد ذاتها ليست بكائن ضعيف بل انها بُرمجت على مر أجيال طويلة وأجريت لها عملية غسيل مخ لتظن بانها ضعيفة تحتاج للرجل وتحتمي بظله ولا يمكنها مغادرة منزلها للتسوق –مثلا- دون اذنه او مساعدته حتى. لعل المرأة الشرقية-العربية هي خير نموذج لهذه الفئة، لذلك نسعى نحن النشطاء والمثقفون حول العالم بمواصلة عملية كسر القوالب الكونكريتية التي تحيط بكل انثى منذ ساعة ولادتها، ذلك القالب الذي يرتفع مثل سور منيع يحول دون تحقيق كينونتها كانسان مستقل ودون التمتع بأبسط حقوقها، ويحرم المجتمع من الاستفادة من قدراتها وابداعاتها على حد سواء.
كل انثى شرقية هي مشروع استغلال. مشروع استغلال من قبل الرجل، من قبل المجتمع من قبل السلطة، من قبل الأنظمة الأيدلوجية، من قبل الدين، من قبل اطفالها، من قبل المرأة نفسها. استغلال جنسي، استغلال اقتصادي وحتى استغلال عاطفي. تجد المرأة الشرقية-العربية تعيش وفق مبدأ (أعيش للآخرين متجاهلة نفسي) لأنها برمجت لتكون آلة طبخ وغسيل وتنظيف ومفرخة أطفال، لأنها برمجت لتكون أحد جواري السلطان، لأنها برمجت لتظن بان وجودها غلطة وجريمة وفتنة بكل خلية من خلايا جسمها ستؤدي بالمجتمع الى الهلاك لذا وابسط ايمانها ان ترضى بالذل والخضوع وتكون جارية مطيعة لزوجها وأهلها والمجتمع ككل.
“خمسٌ وسبعون امرأة ألهمت وغيّرت العالم” هو كتابي الصادر عن دار أكد للنشر والترجمة والتوزيع/ الطبعة الأولى 2012-2013.
السبب الذي دفعني لكتابة هذا الكتاب صديقة مقربة لي. كانت جميلة، خريجة وموظفة تزوجت في الـ 25 من العمر من رجل يشغل مكانه ما في الدولة وأصبح لهما ابنة. كان يعاملها بسوء وعنف كأي مجرم يخضع عنده للتحقيق، قاسٍ، فضّ، يشك بها كثيرا بينما يعاشر هو ما هب ودب ومن النساء. يضربها ويعاملها كخادمه وحين يأتي الليل يرفع شعار “بالنهار تحت عصاتي وبالليل تحت عباتي” ويا ويلها اذا رفضت رغبته. ينهش ما شاء ليطفأ ظمأه ويعطيها ظهره نائما خائرا كثور.
أهلها مسالمون جدا، بين قوسين يخافونه، فلا يجدون لها حلّا كلما لجأت لهم.. كان يهددها بان يحرمها من ابنتها التي تبلغ من العمر السنة والنصف ان فكرت بان تثير له المتاعب.. حتى جاء اليوم الذي جنّ فيها عليها ونفذ تهديده وخبأ الصغيرة عند اخته في احد المحافظات الأخرى دون علم زوجته التي توسلته راكعه ان يعيدها اليها.. فما ان انهال عليها ضربا و(سحلها) من شعرها الى بيت أهلها وطلقها.
اخذ يساومها على حقوقها بالصغيرة. خاف الاهل ان يوصلوا الاهل الى المحاكم لهذا لجأوا الى الطريقة العشائرية لحل الامر. فقُرر ان يتم التناوب على حضانة الصغيرة شهرا عنده وشهرا عندها.. كانت صديقتي تصاب بالاكتئاب في الشهر الذي تبتعد فيه ابنتها عنها، وحين تعود الصغيرة لحضنها كانت تعود مريضة مصابة بكدمات بسبب الاذلال والمعاملة السيئة.
توعدها زوجها بانها ستزحف اليه متوسله وتخضع له مجددا. لم تنفع كل محاولاتي معها لمساعدتها ولم تصغٍ لي؛ هذه المتعلمة المستقلة ماديا، وما كانت الا بضعة شهور حتى عادت اليه مُنكسرة كما توعدها.
أشكرك صديقتي كثيرا كونك كنتِ الدافع وراء كتابتي هذا البحث الصغير عن النساء اللواتي غيّرن واقعهن والعالم حولهن؛ لم تكن ظروفهن أفضل من ظروفك وربما العكس، لم يكن عاجزات مستسلمات راضيات (بالأمر الواقع لأنه مكتوب ومقسوم وهذا ما وجدنا عليه آباؤنا أو بالأصح أمهاتنا)، كونك عاجزة ومتكاسلة إراديا ومتشائمة تكتفين بالنحيب على واقعك لا تمنعي غيرك من المحاولة، على الأقل دعي ابنتكِ تقرأ ما كتبت ها هنا أو غير ذلك لتتمتع وتبني حياة أفضل …
إليكّن جميعا… بل إليكم جميعا… خمسٌ وسبعون امرأة غيّرت وألهمت العالم.
“إن العالم لا تغيره إلا الأفكار أي الكلمات وقد حصل هذا منذ أقدم العصور وحتى الآن وبالمقابل فإن ملايين الرصاصات التي ملأت الدنيا صخبا ً ودويا ً انتهت إلى الصمت المطبق، إلى الموت، دون أن تستطيع تغيير شيء.”/ عبد الرحمن منيف – الآن هنا
ان هذا الكتاب هو محاولة استرجاع للنسوة اللواتي غيّرن أو ألهمن العالم. فخلال الحقب التاريخية التي مرّت على العالم، كانت هناك البطلة، رائدة الفضاء، المخترعة، الكاتبة، الطبيبة، الفنانة، الملكة والشجاعة وكثيرات من اللواتي دافعن عن الإنسانية وسمون بها ، رفضن التمييز والعنصرية وصبّ النساء في قوالب عُدت مسبقاً للمرأة من قبل الرجل أو الأسرة فكافحن ليكون يومنا والغد خالياً من القوالب النمطية لكنهن فتحن أبواب الجحيم على أنفسهن فخلدهن التاريخ وصرن المُثل العُليا للبشرية أجمع لا حصراً على النساء فقط.
لطالما اقتصر تسليط الضوء بأغلب المجتمعات على دور المرأة الوظيفي كأنثى تُرضي رغبات الرجل أو تسانده في بناء حياته وكينونته بمعزل -كأنه مقصود- عن دورها هي في هذه الحياة ومدى أهميتها، وهذا لا يفترض أن تتماثل المرأة مع الرجل بقدراتها في أداء المهمات ومواجهة الحياة وإدارتها. فلا يمكن إنكار الاختلاف الفيزيولوجي بينهما مع هذا فهي لا تقل قدرة وطاقة عن القيام بالأعمال التي (نُسبت) للرجل ولا اعرف من أين جاءوا بهذه التصنيفات وكيف قسموا الحياة على أساسها. فانشغلنا عن دور المرأة الحقيقي في الهام وتغيير العالم بهذا الصراع الاستهلاكي لكليهما والذي لم يعُد على العالم بأية فائدة فكان كلٌ منهما ندٌ للآخر في تغييب دوره والعمل على إجهاض آماله ومجهوده.



تستحق هؤلاء النساء سماءً حرةً يلمعن بها، نجوماً يستدل بها الأجيال أفضل من درجها بين الغبار وملفات التاريخ لما فعلن وما زلن يفعلن لأجلنا، فكان الكتاب عبارة عن (كتيّبين) لا كتابين ولا فصلين، لكنهما ضمن غلاف واحد لأن الحياة ومسيرة الاجتهاد لا تتجزأ، السعي للحريّة وتغيير الواقع البائس و الإلهام للسمو والتطور مهما تنوع مجاله هو فتيل واحد بكل الأحوال.. لكنني ومن باب اعتزازي بـ (شرقيّتي) فضّلت أن أضم النساء العربيات بكتيّب أو بحث لهنّ وحدهّن نظراً لصعوبة البيئة والمعطيات التي انشقّوا وأبدعوا منها خلافاً للمجتمعات الأخرى.
ملاحظة: اعتذر لك أيها الرجل فلم أقصد أن أأخذ عليك أي مأخذ شخصي، بل إنه المجتمع وتلك النظم الأيدلوجية المتعاقبة من جعلت منا (قطاً وفأرة) .
كتابي تحدث عن نساء على صعيد العالم عانين أسوأ مما نتصور من ظروف لكنهن تحدينها وغيّرن من واقعهن وصرن بهذا الهاما للبشرية والاجيال بعدهن. فبماذا تختلفن عنهن أنتن؟ لا تغيري العالم بل انهضي بذاتك ولا تصابي بالعجز والخوف او اليأس، يمكنك ان تحاربي بما تملكين من أدوات مهما كانت لتحققي ولو جزءا يسيرا من حياة يتخللها الفرح وراحة البال.

Share:

حلم غريب جدا


 ايفان الدراجي

عدت من العمل ظهرا اعاني صداعا بسبب الشمس وحرقة بسبب الجوع، خلدت للنوم قليلا لأصبح أفضل فاذا بحلم غريب يزور منامي كعادة باقي احلامي!
كنت اسأل أحد الصديقات النصيحة في تبديل هوية الأحوال المدنية الخاصة بي، فاشارت لي من بعيد لاحد الكرفانات التي يقطنها حرس وضباط سيطرات الجيش المنتشرة على الطرقات أينما خطوت في العراق العظيم وقالت بان هناك من سيعطيني بعض الارشادات. توجهت الى ذلك الكرفان فاذا بي المح حين اقتربت منه طابورا طويلا من النساء ينتظرن دورهن للدخول!
كلما خرجت واحدة امطرت الرجل الذي كان في الداخل بوابل من الادعية والبركات والمديح.
مدخل الكرفان كان غريبا جدا نسبة لكونه يعود لمؤسسة عسكرية، كانت أصابع (باميا) شائكة مجففة تتدلى من خيوط عبر المدخل لا اعلم ان كانت للتزيين او لغرض آخر. وقفت انتظر دوري خارجا حتى وصلت ودخلت فاذا بامرأة تسبقني وتجلس امامي على الأرض (مثل اليابانيين) امام رجل ذي لحية بيضاء متجهم الوجه يرتدي فوق بزته العسكرية عباءة عربية بنية اللون. كانت تقلب له كتابا ما كانه دليل سياحي ديني او ما شابه تسأله ان يدلها على (سيّد) ما، اخذ الرجل الذي ينادونه (مولاي) بالتسبيح بمسبحته الصغيرة التي امسكها بيده وهو يدمدم لها بركاته ودعاءه لها بنيل مرداها بعدما أشار لها بالطريق لهذا السيّد.
كل النسوة كن يرتدين عباءات رأس سوداء الا انا ربما كان ذلك سبب نظراتهن الغريبة الي. لم تخرج المرأة هذه بل نظرت الي وسألتني ماذا اريد من مولاها الذي بدأ ينظر الي بغرابة هو الاخر. فقلت له (أستاذ) وليس مولاي بان هوية الأحوال المدنية الخاصة بي قد ضاعت وأود تغييرها ولا اعلم اين اتوجه. كان قد بدأ بإعطائي بعض الارشادات حتى هبت حركة غريبة وجلبة في ارجاء المكان وبدأ الجميع بالركض حتى هو، خرجت خلفه وانا اغدقه بوابل من الشتائم مستغربة اود معرفة ما حصل، لم أكن قد انتبهت ان الظلام قد خيم على الارجاء، انه لأمر غريب لا اعلم كم مكثت هناك فتذكرت والدتي التي قد تكون قلقة عليّ الان حد الموت كوني تأخرت بالعودة للمنزل. ركضت انا الأخرى باتجاه منزلي الذي صار ابعد ما يكون في الحلم. كان الطريق مظلما وعرا بحفر (طسّات) مائية منتشرة هنا وهناك لا أحد فيه تماما غير بضعة جنود يركضون متعرجين بخطواتهم، مرتعبين لا اعلم لماذا وكأن أحد ما قد أصيب جراء هجوم او ما شابه. لمحت قبل وصولي للشارع المؤدي لمنزلي مجموعة من الكلاب السائبة التي تنبح ما ان يقترب منها أحد، خفت كثيرا لكنني انتبهت الى ان أحد الكلاب يتمتم بكلمات ما اثناء نباحه كررها أحد الجنود فسمح له الكلب بالمرور. جاء دوري فانصت للكلب جيدا فاذا به ينبح قائلا (قف، قف) رددتها وراءه قف فسمح لي الأخرى بالمرور، واو كان ذلك سهلا ومرعبا وغريبا بذات الوقت. ما شأني ما يهمني انني وصلت باب بنايتي وما عليّ سوى الصعود للطابق الثالث حين شقتنا. كانت السلالم مليئة بأناس كثيرون تبين انهم من سكان البناية الذين لم اعرفهم قبلا، كانوا يصعدون وينزلون مترحمين أسفا على شخص ما يبدو انه مات اثناء الهجوم، كانوا يتجاوزونني بحزن وهم ينزلون عن تلك السلالم بينما كنت الوحيدة التي تصعدها او هكذا خيّل اليّ! هل تعرف تلك الحالة في الحلم التي لا تعود فيها تعرف إنك تصعد السلم ام تنزله؟ حسنا هذا ما حصل لي. ظننت لولهة انني ربما أكون انا من قد ماتت وان هؤلاء الجيران حزينون لأجلي ولا يرونني اصعد باتجاه مسكني حتى تفاجأ أحدهم أخيرا برؤيتي وأشار لي لاحد أبواب الشقق لطرقها، قلت لنفسي ربما يكون هذا مسكني الذي ضعت تماما بإيجاده طرقته وانا أفكر في والدتي القلقة عليّ فصحوت من الحلم.
علما أنى لم أفقد هوية الأحوال المدنية الخاصة وليس لي رغبة بتغييرها!
Share:

Popular Posts

Featured Post

خمسة تفسيرات منطقية علمية لما يدعى بالمعجزات

  اعداد: ايفان الدراجي الخوف والجهل هو أساس ارجاء تفسير الظواهر الطبيعة آنذاك لقوى مجهولة خفية قد تكون من السماء يفسرها المؤمنون...

Recent Posts