Wednesday, May 8, 2013

(الصرخة) للمدنية




ايفان الدراجي
إنها (صرخة) للمدنية وليست (دعوة) لأن الحاجة أصبحت ملّحة جدا وضرورية للانتقال إلى الحكم العلماني للعيش وفق وتحت مظلة قوانين مدنية تراعي حقوق الإنسان حسب المواثيق الدولية المتفق والمنصوص عليها والتي وقّع العراق وفقها الكثير من المعاهدات والاتفاقيات لكنها كانت مجرد حبر على ورق.
لأننا ذقنا الويلات وشربنا كؤوس دمٍ كثيرة بينما نعيش وفقاً لفتاوى هذا (العالِم) وذاك (الإمام أو الفقيه) فقط لأنهم الوحيدون الذين يملكون حقوق فكرية وقدسية لتفسير النصوص والاجتهاد رفعتهم فوق الناس مراتب عالية وأحاطت بهم هالات ربانيّة مكنتّهم من التحكم بزمام الأمور. نحن نعلم الدور الذي تلعبه فكرة المعصومية أو القدسية لدى السيادة الدينية للذين يتبنون مراتب عالية بالدولة إذ تجعلهم يتمتعون بامتيازات عالية ويضمن إتباع الناس لهم، لكنهم بذات الوقت يستخدمون هذه العصا السحرية بهالتها ومميزاتها لضرب الصخر فتتفجر منه عيون ماء الذهب أو حتى النفط لهم وللأحزاب، الكتل، التيارات، الاتجاهات، الطوائف أو الميليشيات التي يمثلونها.
حين تقول كلمة (عَلمانية) فانك تُـقابل بسيل من الاتهامات التكفيرية كالتمثل بالغرب والزندقة أو الهرطقة بل وحتى (الشيوعية) كاتجاه فكري-سياسي. وكأن العالم حولهم يُقسم إلى فريقين فقط (مسلمين vs شيوعيين)!
بل إنني أتفاجأ أحيانا بالكثير ممن يُحسبون على النخبة المثقفة التي تؤدي دورا مهما فاعلاً ومؤثراً على توجيه فكر ووعي المجتمع وهم يتهمونني (بالشيوعية) حين أطرح مسألة التوجه للحكم والدولة المدنية.. منذ متى كانت (الشيوعية) تهمة؟ وما الذي يجعل من الدعوة (للمدنية) دعوة لإعادة (الشيوعية الاشتراكية)؟
إنكم تفضلون الاستمرار بالغناء عن العصر الذهبي وتمجيد التراث وتاريخكم البطولي، بيد أني لم أجد بطلا تاريخيا واحداً متفقا عليه هذا من جانب، ومن جانب آخر لا يوجد بطل واحدا عربي إلا وكتبت سيرته وبطولاته بالدم! لماذا؟ ما هي البطولة وما هو الهدف مما قام به؟ أوليس من اجل نصرة وإعلاء توجه أو طائفة ما على الأخرى؟ أو ليس الهدف هيمنة فكرية عقائدية اقتصادية؟ ربما كان (جومارو) هو (البطل المغوار) الوحيد النظيف كونه كان دمية الكترونية تتقاتل مع دمى أخرى تشبهه حسب القصة الكارتونية!
الإسلاميون يعيشون بعقلية ونظام ميتافيزيقي يرفض التغيير والتطور ويتهم كل ما حوله بالمؤامرة والتحالف مع الغرب، ذلك الغرب الذي امتطوا دباباته وحمتهم صواريخه وطائراته حين اسقطوا الأنظمة التي سبقتهم على الكراسي. والمؤامرة تلك الحيلة الشبكيّة التي يحيطون بواسطتها أنفسهم ليضموا اكبر عدد من السذج إلى صفوفهم عن طريق الإعلام المرئي والمقروء والمسموع كالانترنت والإذاعات والمطبوعات وشبكات الاتصال والتلفزيون وغيرها من اختراعات وصناعات الغرب! أو ليسوا بهذا يدعمون الاقتصاد الغربي (وهو المطلوب) ؟

إن مرحلة الانحطاط والتدهور والتمزق التي نعيشها هي مؤشر واضح للمرحلة التي ستليها أو بالأحرى التي ستلدها لذلك علينا القيام بتطهير سريع وجذري لكل تلك المفاهيم والنظم التي ترسخها تلك الأنظمة بعقلية الفرد والمجتمع والتي بالتالي سببت أمراضا اجتماعية لا أول لها ولا آخر حملت نتائج و آثار خطيرة جدا منها الطائفة والحقد الوراثي. إن الأنظمة هذه التي تبنى قوانينها باختلافاتها على تفسيرات واجتهادات وفتاوى لتشريعات ما تخدم كل جهة وجانب على جهة فتضر وتسيء للآخر ما هي إلا أدوات قتالية ترسخ الحقد والكراهية واللاإنسانية بعقلية وبالتالي سلوكيات الفرد. فهذه الميلشيات التي تصفي الآخر عرقياً فقط لأنه من المذهب الفلاني وتلك الفئة تمارس الرجم كعقاب للزنا تحججا بالشريعة، ناهيك عن التفنن بالقتل والجرائم العديدة التي ترتكب والتمثيل بالجثث. لماذا نرى ذلك ولا يوجد قانون يوفقهم ويحاسبهم؟ قبل عدة أيام سمعنا عن الأب الذي قتل ابنته (المُغتصبة) في الموصل ليغسل عاره! ودعونا لا ننسى قتل (دعاء خليل) التي تنتمي للديانة اليزيدية رجما بكل وحشية لأنها تزوجت مسلماً.. كفانا نراعي ونتغاضى عن جرائم هذه الملّة أو تلك بحجة احترام الأديان والمعتقدات والموروث العقائدي والعاداتي.. كفانا ندفن فتياتنا من اجل الشرف القبلي العشائري الذي تضيق مساحته ومعانيه إلى حد بضعة سنتيمترات بين فخذي أنثى. كفانا ننحر الرقاب من اجل الدخول للجنة وقتل الناس بالجملة تفجيرا من اجل حور العين. لو كان هناك قانون مدني منفصل عن الأديان جميعا والعقائد لما سمح لكل هؤلاء على اختلاف انتماءاتهم من اللعب بحياة الإنسان وهدرها من اجل مفاهيم بالية لا تُنفض عنها رمال الصحراء بعد. أو من اجل مفاهيم وأفكار أسطورية لاهوتية أكثر منها عقلانية واقعية.
لا أود أن اذكر إحصائيات لضحايا الأعوام المنصرمة لمختلف أشكال العنف والتكفير والطائفية ضد الرجل والمرأة على حد سواء فهي موجودة ومتوفرة في أي مركز إخباري ناشط أو أي منظمة إنساني.
لقد أثبتت الوقائع أن النظام الذي يعتمد على دين ما كالمسيحية في أوربا والإسلام في الشرق الأوسط لم يجلب لمجتمعاته سوى الصراعات والويلات والتخلف، بيد انه تتم استغلال الثغرات فيه ويُـسيّس وفقا للمصلحة الفردية التكتلية، ومهما انطلت عليه من صبغات هي ليست إلا صبغات أي تسميات وقشور كالليبرالية والعلمانية والنهضوية أو التنويرية فهو يبقى نظاما دينيا أيدلوجيا ميتافيزيقا لا أكثر بفحواه وطرق تطبيقه. وان الغرض من هذه القشور والصبغات هو دغدغة مشاعر العَلمانيين واستعطاف اليساريين وهو بالضبط ما يفعلونه هم أيضا حين يتنازلون عن مثلهم ومبادئهم الحقيقية. هي مجرد أقنعة وقشور للوصول إلى مصالح ما. اعزي ذلك إلى أن الفكر الليبرالي في الشرق الأوسط لا يزال هشاً وأحيانا لا يعدو كونه موضة يمكن خلعها وتغييرها وفقا للمعطيات الآنية في كل وقت!
دعونا نستذكر العصور الإسلامية التي مرت على الوطن العربي:
عصر الخلفاء الذي امتد بين القرنين السابع والثامن للميلاد و العصر العثماني الذي امتد بين القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر= في كلا العصرين (قتلوا) جميع خلفائهم أي ما يصل إلى 99 خليفة، ولم تخلوا من الحروب فيما بينهم أو مع غيرهم. ومن ثم العصور الحديثة وآخرها ما يدعى بالربيع العربي الذي كان القشة التي قصمت ظهر البعير!
فمنذ متى وانتم ترفعون شعار (الإسلام هو الحل) وكل ما نلمسه هو المشاكل فقط والدم ثم المزيد من الدم والتخلف؟ وكفاكم تعلقون الفشل على شماّعة نظرية المؤامرة. انظروا إلى الخارطة التاريخية لكل من العالم العربي، الإيراني، الباكستاني و التركي على سبيل المثال لا الحصر. أي لونٍ ترونه طاغٍ على تضاريسها وتفاصيلها؟
 
"إن ما يطلبه الإسلام من المؤمنين ليست الدقة الحرفية في الإيمان، وإنما الإخلاص للأمة ولقائدها الشرعي." برنار لويس
 
إن الهدف الوحيد من العِلمانية هو الحيلولة دون انحياز الدولة لأي عقيدة أو مذهب ومنع إتباع أي دين من استخدام نفوذ وقوة الدولة لصالحه وحده. فالدولة يجب أن توفر حقوق جميع مواطنيها بلا استثناء وان تحميهم جميعا أيضا. وقد شهدنا كيف تأثرت أوربا أبان العهود الدينية المسيحية كثيرا بالحروب الطاحنة بين طوائفها واتجاهاتها المختلفة بين القرنين السادس عشر والسابع عشر. حتى فصلوا الدولة عن الكنسية وأصبحوا إلى ما هم عليه الآن.


نشر في: