Evan Darraji "Dreams are open vistas of possibility that take us beyond our everyday self-limiting beliefs and behaviors.” Robert Moss The dream started with me trapped in a house that has a beautiful front yard with a bunch of strangers trying to hold the wooden front door to prevent ppl from getting in the house. Lucky me I was the doorkeeper! And why is that? A charming white horse in the front yard going crazy, runs and jumps everywhere, it almost hurts the ppl outside. The ppl inside said that if you let those ppl in we all gonna get sick! Well, how is that? I didn’t know at that time yet but I hold the door anyway until I decided to let them in. I mean come on I can’t just let them die outside because of that crazy horse, at the same time I was afraid that the horse may take the chance and get. I opened the door frequently, every time for 7 seconds, I asked 7 ppl to get close to the door, and when I open the door and start counting they must get in quickly one by one. The first round went successfully, however, in the second one an old lady was just standing there smiling at me and refused to get in, what the hell is wrong with you lady, I muttered. Then suddenly, they started to do BBQ and pet the crazy horse! Only one skinny man was standing at the door begging to let him in, he had a suspicious appearance I didn’t wanna let him in until a young lady told me to do so because he is a biological scientist. He started biting ppl after I let him in, he was a zombie apparently. I know you gonna laugh at that coz it sounds crazy but this is what happened. I opened the door to run out and locked the ppl in this time! The ppl inside were all infected, they were dangerous. I texted my GF (you know who is she :D) asking her to wake up, she took a nap in the room next door, the room was semidetached to the house I locked. Then I remember that this room has two doors, one is the exist to the front yard while the other one is the entrance to the house! And it is probably open! He got in a panic that infected ppl may attack her. I rushed to her room and woke her up, there was a child sleeping next to her. And I was right, the zombies were trying to get in her room so I asked her to freeze and I walked tiptoe to lock the door. Guess what, the door has no lock! From nowhere a girl with green nail polish volunteered to hold the door. She literally melted her toes in the ground to do so! In the meantime, we (myself, my GF and the little child) rushed out, locked the door and set in the front yard watching the brutal zombies tear the poor girl apart. When I turned my head to the other side coz I couldn’t handle it I shocked, white horses wore clothes on two feet were everywhere. Jeans and dresses even hats and glasses. Wait a minute, they are not horses, they are ppl turned into horses, the ppl were in the front yard at the beginning of my dream. Is that the disease they were talking about? But, who said that everyone on earth turned into a horse? Who said that we will turn into horses if we engaged with them? While I was looking for answers and try to analyze the whole thing, a group of dark skin ppl were marching. I was over the moon with what I saw, we run into those ppl and gave them hugs, they were surprised by our peculiar behaviour, then the alarm goes off in the morning. Excuse my typos
بالحلم، انا ويه مجموعة ناس ما اعرفهم ابيت ونحاول نقفل بابه حتى لا الناس الي بالحديقة يدخلون، ليش؟ يقولون لان رح نتمرض ونموت.. وطبعا اختاروني حتى الزم الباب وامنعهم.
جان اكو حصان ابيض يجنن بره بالحديقة بس جان يطفر ويركض عبالك مجنون او مهتاج، والناس ملتمة ع الباب تخاف منه تريد تدخل.
انكسر خاطري وقلت خل ادخلهم، ففتحت الباب ع السريع شوي وظليت احسب للسبعة ودخلت مجموعة منهم واحد ورا واحد وسديته. بس بالمرة الثانية فتحت الباب وجان اكو مره واقفة تبتسم وما قبلت تدخل.. شويه والناس بره بطلت تخاف وظلوا يلعبون ويه الحصان وسووا باربكيو!
باستثناء شخص واحد واقف يتوسل يريد يدخل بس شكله مو مريح ومظهره مو مرتب ما ردت ادخله لوما وحده قالتلي هذا عالم بيولوجي ممكن يفيدنا.
اشو فتحت الباب ودخلته للبيت منا وهذا هجم ع الناس منا. طلع زومبي وعضاهم كلهم وحولهم لزومبيات! ركضت طلعت بره وقفلت الباب عليهم. تذكرت شخص عزيز عليه نايم بالغرفة الي يم هذا البيت فديزتلها مسج حتى تكعد تشرد لان جانت نايمه. تذكرت بعدين هاي الغرفة بيها بابين باب ع الحديقة والثاني ع البيت، خفت لا يرحون الزومبيات يدخلون عليها لان مفتوح الباب. ركضت عليها وكعدتها وفعلا لكيتهم يردون يدخلون للغرفة. حاولت اقفله بس الحظ الاغبر طلع ما بيه قفل. فجأة اجت بنيه مخليه صبغ اظافر اخضر -لا تتعجبون هو بالحلم هيجي- تبرعت تلزم الباب لحد ما نشرد. البنية ذوبت اصابع رجليها بالارض ولزمت الباب. جان اكو طفل هم بالغرفه اخذناه وطلعنا وقفلنا الباب ورانا.
كعدنا بالحديقة بره نتفرج ع البنية خطية شلون ياكلوها الزومبيات. ضجت من الي صار ودرت وجهي ع الشارع جان اشوف احصنة بيض لابسة ملابس، جينزات وفساتين ونظارات وتمشي ع رجلين ثنين بكل مكان! حظي هاي مو احصنة هاي الناس كلها هيجي تحولت. زين معقولة كل الناس ع الكرة الارضية تحولت احصنة؟ معقولة اذا ننزل للشارع رح نتحول مثلهم؟
وانا بغمرة تفكيري اجت مجموعة ناس سمر يمشون عبالك مسيرة، فرحنا كلش ورحنا نركض عليهم حضناهم هم تعجبوا من تصرفنا. وجان يدق المنبه الصبح.
عدت من العمل ظهرا اعاني صداعا بسبب الشمس وحرقة بسبب الجوع، خلدت للنوم قليلا لأصبح أفضل فاذا بحلم غريب يزور منامي كعادة باقي احلامي! كنت اسأل أحد الصديقات النصيحة في تبديل هوية الأحوال المدنية الخاصة بي، فاشارت لي من بعيد لاحد الكرفانات التي يقطنها حرس وضباط سيطرات الجيش المنتشرة على الطرقات أينما خطوت في العراق العظيم وقالت بان هناك من سيعطيني بعض الارشادات. توجهت الى ذلك الكرفان فاذا بي المح حين اقتربت منه طابورا طويلا من النساء ينتظرن دورهن للدخول! كلما خرجت واحدة امطرت الرجل الذي كان في الداخل بوابل من الادعية والبركات والمديح. مدخل الكرفان كان غريبا جدا نسبة لكونه يعود لمؤسسة عسكرية، كانت أصابع (باميا) شائكة مجففة تتدلى من خيوط عبر المدخل لا اعلم ان كانت للتزيين او لغرض آخر. وقفت انتظر دوري خارجا حتى وصلت ودخلت فاذا بامرأة تسبقني وتجلس امامي على الأرض (مثل اليابانيين) امام رجل ذي لحية بيضاء متجهم الوجه يرتدي فوق بزته العسكرية عباءة عربية بنية اللون. كانت تقلب له كتابا ما كانه دليل سياحي ديني او ما شابه تسأله ان يدلها على (سيّد) ما، اخذ الرجل الذي ينادونه (مولاي) بالتسبيح بمسبحته الصغيرة التي امسكها بيده وهو يدمدم لها بركاته ودعاءه لها بنيل مرداها بعدما أشار لها بالطريق لهذا السيّد.
كل النسوة كن يرتدين عباءات رأس سوداء الا انا ربما كان ذلك سبب نظراتهن
الغريبة الي. لم تخرج المرأة هذه بل نظرت الي وسألتني ماذا اريد من مولاها
الذي بدأ ينظر الي بغرابة هو الاخر. فقلت له (أستاذ) وليس مولاي بان هوية
الأحوال المدنية الخاصة بي قد ضاعت وأود تغييرها ولا اعلم اين اتوجه. كان
قد بدأ بإعطائي بعض الارشادات حتى هبت حركة غريبة وجلبة في ارجاء المكان
وبدأ الجميع بالركض حتى هو، خرجت خلفه وانا اغدقه بوابل من الشتائم مستغربة
اود معرفة ما حصل، لم أكن قد انتبهت ان الظلام قد خيم على الارجاء، انه
لأمر غريب لا اعلم كم مكثت هناك فتذكرت والدتي التي قد تكون قلقة عليّ الان
حد الموت كوني تأخرت بالعودة للمنزل. ركضت انا الأخرى باتجاه منزلي الذي
صار ابعد ما يكون في الحلم. كان الطريق مظلما وعرا بحفر (طسّات) مائية
منتشرة هنا وهناك لا أحد فيه تماما غير بضعة جنود يركضون متعرجين بخطواتهم،
مرتعبين لا اعلم لماذا وكأن أحد ما قد أصيب جراء هجوم او ما شابه. لمحت
قبل وصولي للشارع المؤدي لمنزلي مجموعة من الكلاب السائبة التي تنبح ما ان
يقترب منها أحد، خفت كثيرا لكنني انتبهت الى ان أحد الكلاب يتمتم بكلمات ما
اثناء نباحه كررها أحد الجنود فسمح له الكلب بالمرور. جاء دوري فانصت
للكلب جيدا فاذا به ينبح قائلا (قف، قف) رددتها وراءه قف فسمح لي الأخرى
بالمرور، واو كان ذلك سهلا ومرعبا وغريبا بذات الوقت. ما شأني ما يهمني
انني وصلت باب بنايتي وما عليّ سوى الصعود للطابق الثالث حين شقتنا. كانت
السلالم مليئة بأناس كثيرون تبين انهم من سكان البناية الذين لم اعرفهم
قبلا، كانوا يصعدون وينزلون مترحمين أسفا على شخص ما يبدو انه مات اثناء
الهجوم، كانوا يتجاوزونني بحزن وهم ينزلون عن تلك السلالم بينما كنت
الوحيدة التي تصعدها او هكذا خيّل اليّ! هل تعرف تلك الحالة في الحلم التي
لا تعود فيها تعرف إنك تصعد السلم ام تنزله؟ حسنا هذا ما حصل لي. ظننت
لولهة انني ربما أكون انا من قد ماتت وان هؤلاء الجيران حزينون لأجلي ولا
يرونني اصعد باتجاه مسكني حتى تفاجأ أحدهم أخيرا برؤيتي وأشار لي لاحد
أبواب الشقق لطرقها، قلت لنفسي ربما يكون هذا مسكني الذي ضعت تماما بإيجاده
طرقته وانا أفكر في والدتي القلقة عليّ فصحوت من الحلم. علما أنى لم أفقد هوية الأحوال المدنية الخاصة وليس لي رغبة بتغييرها!
غرفة نوم مرتبة جدا, صفراء جدا, كلاسيكية ومتشنجة كصاحبة الغرفة التي تقف أمام المرآة تشّد شعرها للوراء بقوةٍ محاولة رفعه ولمّه دون أن تترك مجالا لأي أي شعرةٍ بالسقوط أو التدلي, تتأكد من إحكام إغلاق جميع أزرار قميصها حتى العنق, حتى أسفل الذقن. تنظر للمرآة نظرة أخيرة.. امرأة في العقد الثالث من العمر, خمرية البشرة, جذابة, ذات عينين ثاقبتين ثابتتين ومتشنجتين أيضا كأنهما من زجاج.. تلاحظ شعرة بيضاء( شيبة) تختبئ بين شعيراتها السوداء, تسحبها بقوة مقتلعة إياها من جذورها.. تنسدل بعض الشعيرات هنا وهناك على وجهها حادّ الملامح ,, لتعيد ربط شعرها بإحكام للخلف مرة أخرى, تتأبط حقيبة سوداء صغيرة, مستطيلة الشكل ككتاب جديد خرج للتو من المطبعة.
تذهب للسوق المجاور لبيتها لشراء بعض الفواكه والخضار, تسير على الرصيف بخط مستقيم دون أن تحيد عنه حتى لغرض إفساح المجال للمارّة! رافعة رأسها للأمام كجنديّ ملتزم.
تشتري حاجياتها وتعود للبيت ماشية على نفس الخط الرصيف ونفس الخط المستقيم!
* * *
( تسأل احد طالبات المدرسة الثانوية التي تُدرس فيها – بعدما ضبطتها خلف حمام المدرسة تضع أحمر شفاه-:
-ما هذا الذي تضعينه.. أهو احمر شفاه؟
تأتأت الطالبة بدهشة ولم تجب مُخبئةً حقيبتها الصغيرة بين يديها خلف ظهرها.
اختطفت الحقيبة من يدها بقوة وأفرغت محتوياتها على الأرض ثم التقطت قلم شفاه احمر جدا بدرجة بدائية فاضحة. صرخت بوجهها بعدما التقطت عن الأرض باقي أدوات الماكياج التي كانت في الحقيبة:
-ما هذا؟ ما زلت صغيرة على ذلك, أتعلم أمك بأمرها؟
الم يعلمك اهلك أن هذا عيب لمن هم في سنك؟
وحتى لمن هم اكبر منك فالفتيات المحترمات لا يضعن احمر الشفاه هذا.
تعالي معي لمكتب المديرة.
شدتها من يدها بقوة لكن الفتاة قاومت متوسلة بأنها لن تعيد الكرّة مرة أخرى قائلة:
-أرجوك آنستي إن أخبرت المديرة بذلك فستخبر أمي.. وتقتلني, سيقتلني أبي.
-أبوك؟ .. ألم تفكري بذلك حين وضعت احمر الشفاه؟
سحبتها مرة أخرى فقاومت الفتاة بشراسة أكثر فأوقعت كتابا كانت تحمله بيدها الأخرى.. انفتحت صفحاته لافظة ورقة مطوية بشكل رسالة, التقطتها المُدرسة وفتحتها كما فتحت عينيها وفمها وفتحتا انفها أكبر حد ممكن حين قرأت ما مكتوب فيها صارخة بتعجبٍ وغضبٍ شديدين:
-رسالة غرامية يا...
سألقنك درسا.. من هذا الذي ضحك عليك.. وأين تقابلينه ومتى؟
بعد المدرسة ها؟ أيعلم اهلك بذلك؟ طبعا لا..
تتصرفين على حل شعرك.
حاولت جرها مرة أخرى حينها سحبت الفتاة يدها بقوة وغضب واختطفت الرسالة منها قائلة بحدة بالغة:
-معقّدة.
أطبقت المُدرسة شفتاها كأنها تعضّ على أسنانها من الداخل وصفعت الفتاة بقوة على وجهها).
* * *
عادت من السوق كلل صباح, أفرغت الأكياس لوضع الفاكهة والخضار في الثلاجة, فوجئت بورقة صغيرة داخل كيس الحلوى التي تحب, مدونٌ عليها رقم هاتف, قطبت وجهها وعصرت الورقة الصغيرة بين أصابعها وهمّت للخروج من الباب, فتحته بعصبية ثم وقفت تفكّر...أغلقت الباب بهدوء وأسندت رأسها وظهرها عليه وابتسمت مفكرة:
-حتى ذلك الصبي الصغير رغم ظروف عيشه بالشارع وحرمانه من الذهاب للمدرسة أو اللعب مع من هم بمثل سنه, رغم ما يقاسي بعمله الفقير ذاك.. لكنه يفكر بالحب.. يرغب بعيش حياة طبيعية, يدرك انه إنسان.
أطرقت رأسها وتهجمّت ملامح وجهها وتمرّكز بصرها بنقطة واحدة على الأرض ثم جلست ماسحة ظهرها بالباب ووضعت ذقنها على ركبتيها ثم ضحكت, ضحكت ورمت بالورقة بعيداً, أكملت تفكر في نفسها:
-حياة طبيعية لم أحظ بها.. نحن الناس العاديون الذين نعتقد إننا نعيش الحياة الطبيعية المثالية..لكنها دون حب.
جلست على سريرها بغرفتها المرتبة جدا, ذات الإضاءة والستائر والسجادة الصفراء, لا يتخللها ضوء الشمس أبدا بسبب إحكام غلق الستائر.. جلست من جانب السرير المقابل لمرآتها الطويلة ذات الإطار الخشبي المنقوش كقطعة
( أنتيكه ) , تحدث نفسها بملامحها الجادّة المقطبة:
-عديم التربية.. من أين تأتي له التربية وهو ابن ..ربما يكون الآن قد جمع أصحابه يخبرهم انه أعطى المُدّرسة رقم هاتفه بكيس الحلوى وبأنه يتوقع منها أن تهاتفه بأي ساعة من هذا المساء.. نعم, فالمراهقون يمارسون ألعابهم الصبيانية ليلاً, يخدعون الفتيات الطريات المدللات.
التفتت للهاتف الموجود على الطاولة قرب سريرها حيث موضع رأسها, نهضت مفّكرة:
-موجود هنا لأنفض عنه الغبار فقط وأدفع فواتيره ولا مكالمات.. رفعت السمّاعة تتفحص:
لا أرقام صادرة
لا أرقام واردة
ولا حتى رسائل صوتّية..
صفر.. صفر.. صفر.
وضعت السمّاعة بسرعة وقوّة وعادت تجلس أمام المرآة تنظر لنفسها بملامح أكثر رطوبة وأسردت تكمل حديثها مع نفسها بصوتِ عالِ وبلهجةِ أكثر ليونة كأنها تحاول إقناع المرأة القابعة بالمرآة بوجهة نظرها:
-لكن.. ربما هاتفه يرّن باستمرار .. هناك من يسأل عنه, يحدّثه, يغازله, يحبّه, ويؤنس وحشة الليل.. بدفيء قلبه و.. (مترددة) وجسده.
قطبت وجهها مرة أخرى ووضعته بين كفيّها صارخةً:
-لا.. لا.. بماذا تفكرّين؟ .. عيب.. عيب.. ليس هذا ما تربّينا عليه.. ليس هذا ما علّمه إياه آباؤنا.
* * *
الليل.. أطفأت التلفاز الذي تسّمرت أمامه عيناها أمامه دون انتباه لما يظهر فيه أبداَ وكأنها تنظر لشيء داخل رأسها !
نهضت لغرفتها تحاول النوم, شغّلت موسيقاها المفضّلة (صلاة الليل), جلست في فراشها, شعرها المشدود حتى وقت النوم, بيجامتها الزرقاء الداكنة.. ثم
أمسكت الهاتف ووضعته على الغطاء أمامها وداعبت أزراره بأرقامَ ما..
هي: ألو..
هو: نعم.
هي أنت قدري.
هو (ضاحكاَ): عفواَ؟
هي: ساحبك!
هو: هل هناك قدرُ؟ أو هل يُسلم الإنسان أمرٌ لقدره؟
وحدهم المهزومون الذين يخضعون لأقدارهم.
هي: إذن.. سأصنع قدري.
ساد صمتٌ لثوانِ, تنهدت ثم أسردت:
سيدي, أيها الرجل الذي لا انتماء له..
من أنت؟
هو: أنا؟ مجرد إنسان يؤمن بأن الأرض لا حدود لها فكرياَ وجغرافياَ ودينياَ.
صباح اليوم التالي, قررت أن تفتح الستارة ولو قليلا غير مكترثة لنوافذ الجيران المفتوحة وشرفاتهم المطّلة على نافذتها في البناية أمامها, امتصت الهواء بأنفها وفمها وصدرها وحتى بمسامات جلدها..
عادت لمرآتها.. أسدلت شعرها ثم رفعته, أسدلت خصلة منه ثم رفعته مرة أخرى لكن برفق لتسمح لأحد الخصل بالتسلل على جبينها حين تشاء من تلقاء نفسها.
فتحت خزانة ملابسها, أسود.. رمادي.. أزرق.. أبيض.. أسود أيضا.. ازرق داكن.. رمادي مخطط بأبيض, كُحلي. لم تكن تملك لونا واحدا ينبض بالحياة, كل شيء يشير للعتمة والكآبة والتشنّج. ملابسها كانت عبارة عن قطع قماش هندسية الشكل وصفّ طويل من الأزرار.
ارتدت أي شيء, أقفلت أزرار قميصها حتى وصلت لأعلاها, تركتها مفتوحة.. ثم أغلقتها, لكنها لا تتفق والخصلة المتهاوية على وجهها الطريّ النديّ هذا الصباح.. قررا أخيرا أن تتركها مفتوحة والذهاب للسوق لاكتشاف ألوان أخرى وأشكال جديدة غير نظامية.. غير منتمية.
* * *
الليل مرة أخرى.. الساعة الثانية عشر بعد منتصفه, ارتمت على السرير محتضنة الهاتف بطنها كأي طفل صغير.. أو رجل! داعبت أزراره بأرقام ما..
هي: غازلني قليلا, لكن بأدب هذه المرّة.
هو(ضاحكا): أنت أنثى تشبه الأوكسجين
والحب حاجة للتنفس
أداة للوصول إلى الروح
وأنا عندما أتغزل بامرأة أكون مجنونا جدا
وجميلا جدا..
هي(تنهدت): سأعطيك الضوء الأخضر
لكن.. أنا سأقرر متى تتوقف!
هو: اجعلي شفتيك كأسي
ومن صدري تنفسي هواك
لأحيى بك وبسباتك..
هي: سباتي؟.. أتظنني نائمة؟
هو: ومنتظرة قبلة أميرك لتتوهجي بالحياة.
بالصحو.
(سكتت)
هو: ارسمي خطا طوليا يشطرني نصفين
نصف لك..
ونصف لك..
وانفثي الدخان عشقا.
(سكت ثم أكمل جادّا)
قولي شيئا.. لا أسمع سوى همسك على لساني.
هي: أنا أرقص منصتة إليك..
تابع أرجوك.
هو: أترقصين على لحن مجرد من الأنغام الأزليّة؟
كجسدي المجرد من كل شيء,
إلا منك.
(تشغّل بتلك اللحظة موسيقاها المفضّلة)
(يكمل)
جسدي الذي يصبح حريريا دافئا
كشعري على صدرك..
(قاطعته بهمس رقيق) : صه.
ساد صمت لثوان, بدأت تتحسس الهاتف على بطنها رافعة يدها تدريجيا كسلحفاة زاحفة نحو صدرها بحذر ورعشة.
الشعر المُسدل, الثوب الأحمر المُرتجف على جسدها لهاثا, أحمر الشفاه الحمر جدا.. البدائيّ جدا, تحت معطفها الرماديّ القديم, هكذا اختبأت.
المساء الموعود, خرجت لمكان اللقاء قبل الوقت المُحدد بدقائق..جلست على مقعد الحديقة العامة التي يسمونها (حديقة العشاق) لكثرة التقاء العشاق فيها غالبا.. قلبها يتراقص فرحا وخوفا, أنفاسها اللاهثة من البرد والرهبة, يداها المتجمدتان, تشعر بأنها عارية بهذا الثوب.. جلست طويلا تراقب العشاق يدخلون أثنين أثنين متعانقي الأصابع.. يجلسون على المصاطب ثم ينسلون بين الأشجار ويذوبون هناك بلا عودة, أثار الأمر فضولها, الانتظار القاتل والبرد القارص جليسها الوحيد.. لا أحد يدفئ كتفيها ويديها, لا كفّان يضمان وجهها.. مرّت الساعات وعينيها ما زالت تراقب الأشجار دون أن يخرج منها أحد, كأن الجنة تكمن هناك, فمن يدخلها لا يخرج أبدا بإرادته أو دونها, وتخيّلت كيوبيد يجلس بأعلى احد الأشجار يرشق السهام متوغلة لداخل الأشجار.. وصل الفضول لدرجة لم تتحملها, تسللت هي الأخرى بين تلك الشجيرات المغريّة كالفاكهة المحرّمة, تخيّلت أن ثمة ضوء ينبعث من الداخل, كان العشاق يختبؤن هناك, كل اثنين اختارا شجرة لتحضنهما تحتها.. لاحظت الطالبة التي صفعتها قبل أسابيع تجلس تحت احد تلك الأشجار وحبيبها المشغول بتقبيلها بنشوة وعذوبة, كان يمسك وجهها الصغير بكلتا يديه, يقبّل شفتيها وكأنه يقضم بشفتيه مشمشة طرية جدا, سريعة الذوبان بينهما ويمتصّهما للداخل, كانت الفتاة تضغط على زنديه بكّل قوتها وكأنها ستغرز أظافرها فيهما.
ابتسمت وعادت متسللة خارج الأشجار, خارج المنتزه..عادت للبيت, الساعة تقارب الثانية عشر, رمت معطفها وتناولت الهاتف تتفحصه, لا أرقام واردة.. لا أرقام صادرة ولا حتى رسائل صوتية, كان تاريخ آخر مكالمة يعود لزمن بعيد, قبل أسابيع كلّمتها المديرة بشأن الشكوى التي رفعتها الطالبة ضدها لأنها صفعتها ذلك اليوم!
أبي يقرا جريدة اليوم بكلل تملل بعينيه فقط بينما رأسه عائم بعالم آخر.. سالته: - ماذا لو...؟ - لا اريد فقط.. - لا - لانني فقط.. - لا قهقت ثم: - هل تسمعني؟ - لا - هل كنت تسمعني يوما؟ - لا - ساكشفكم جميعا.
صعدت على طاولة القبيلة, رغم تفحصي وسرق انتباههم الا اني سخرت منهم بتحية انيقة وطرت بعيدا.
لماذا نعيش؟
سؤال اطرحه على نفسي طوال أوقاتي, لا أقول أيامي لأنها سواسية كحبات الرز, همهم الرجل العجوز وهو يقوم بعمله المعتاد مع حبات الرز في غرفته الضيقة المظلمة, نافذة عتيقة واحدة هي منفذه للعالم.
فقط
اسأل نفسي:
كل ما يشغلني عند التأمل عبر تلك النافذة, لماذا نعيش, كل هذه الايـ........ المتطابقة الوتيرة, المكررة كحبات الرز هذه؟
قررت ان انسى. أخرجت صناديقي السرية القديمة من تحت سريري, رسائل.. قصاصات ورق.. ورود يابسة.. و..و.. مزقتها جميعا, فتتها ورميت بها بسلة المهملات. اقتلعت روزنامة السنة الماضية من على باب خزانة ملابسي.. ايام تحيطها دوائر حمر, اخرى تحيطها دوائر سود.. تخرج منها أسهم تشير ببعض الكلمات ( المشفرة ) لأحداث ومناسبات: ( زهرة ): يوم أهداني أول زهرة. ( مطر ): يوم مشينا تحت المطر وتبللنا حتى الغرق . ( قبلة ) : يوم قطف من فوق شفتي أول قبلة. ( وحدة ): يوم انتظرت طويلا ولم يأتي. ( دموع ) : يوم بكيته شوقا حتى الألم. ( .... ) : ...... مزقتها ( الروزنامة ) بقسوة غاضبة ورميت بها في سلة المهملات. نظرت لخزانة ملابسي, تحمل أثوابي كلها رائحة عطره, لمساته الشغفة, أنفاسه, وحتى دخان سجائره. فرشت سريري بقصاصات تلك الأثواب, أو ما تبقى منها! حشرتها بسلة المهملات ( الممتلئة ) بصعوبة. تنفست الصعداء بعد تلك المعركة الطاحنة مع عملاء ذاكرتي الملتهبة به عشقا, الحمقاء التي تسكنني طردتها إلى الأبد. وقفت أمام المرآة لم انس أمر شعري الذي التحف وجهه يوما ما, قصصته هو الآخر خصلة, خصلة. خطة محكمة, لن يذكرني به شيء بعد الآن, نظرت عبر النافذة لعالمي الجديد الخالي من أي ذرة منه. رأيته يخرج من البناية, ظلاٍ هزيلا, تسمرت مكاني, رفع رأسه باتجاه نافذتي وابتسم, رفرف قلبي , أمسكت به, فلت من بين يدي. نسيت كل شيء لكني نسيت أن أنساك. ايفان الدراجي
وقفت وحيدة كعادتي بنفس التقاطع, أتصنع مطالعة الجريدة باهتمام منتظرة قدومه ككل صباح, مطلا علي بوجهه الملائكي المتعب سائلا بصوته الحنون النابع من حنجرة ملؤها الألم ومسامير التشرد:
- صباح الخير, أتريدين وردة آنستي؟
اشتريت الورود كلها ككل يوم, منتشية بابتسامته الندية. سابقاً كانت تعلو وجه إمارات الذهول والاحتقار من نفسه وحياته كأنه يقول:
" لست محتاجاً لشفقتك ".
أخذت أراقبه بقلب يخفق خوفاً و حزناً عليه وهو يذوب في زحمة الناس و الشارع بين السيارات والضجيج.
- لم تنطقي بأي كلمة كما تفعلين كل يوم.
مشيت بطريقي صامته غارقة بأفكاري فتبعني وأسرد الحديث:
- يجب أن تتعلمي أن تواجهي مخاوفك, ابحثي لنفسك عن نافذة وحلقي بعيداً, بالأمس أنا واليوم هو.. تحرري من عقدة الذنب وحرريني أرجوكِ.
وقفت فجأة ورمقته بنظرة تطلب إليه السكوت..
عدت للبيت.. ارتميت على مقعدي المفضل وأكملت قراءة كتابي – صديقي – الذي أتدفأ بأحضانه هذه الأيام ( دبابيس) للشاعر العراقي ( عبد الستار العاني)..
فتحت الصفحة التي طويت سابقاً وأخذت أقرأ بصوت عالٍ:
- " لو طبعنا وجه طفلٍ فوق وجه الورقة..
لرأينا رماداً لبقايا مَحرَقة."
- ليس من المعقول أن تمضي حياتك مدفونة بين تلك الكتب هرباً من ماضيكِ ومن الواقع.. ابحثي لنفسك عن صديق أو حبيب.. تزوجي, أنجبي أطفالا..
- أسكت – حسونيّ -..
( صرخت بوجهه مقاطعة ) إن لم يعجبك أمري فأرحل ودعني أكمل القراءة.
- أرحل؟! تعلمين إنه لا يمكنني ذلك, وحتى إن غبت عنك قليلاً ستتولينني باكيةً للعودة لمرافقتك مجدداً. إنني أحبك كثيراً و لا أريدك أن تبقي هكذا.
- أنا راضيةٌ بـ ( هكذا ) .
أحضرت لنفسي كوباً من الشاي بالحليب الساخن وأخذت أشرب.
- أتمنى لو أمكنني أن أشرب أيضاً, لم أتذوقه منذ زمنٍ طويل.. ربما عشرون عاماً أو أكثر..
- صه..
رفعت إصبعي مشيرةً إليه بالسكوت.
* * *
( كانت القوات الإيرانية أبان الحرب الإيرانية- العراقية تستهدف مدينتي ( البصرة ) بشكلً خاص مستخدمةً المدفعية تارةً والقنابل والصواريخ تارةً أخرى.
الغارة بصوتها المتقطع المخيف يخطف الأنفاس معلنةً ابتداء القصف. كنت وأخي الصغير – حسونيّ – البالغ من العمر ست سنوات نتخذ لنا مخبأً تحت سريره الحديديّ ( العالي ) واضعين الأغطية تحتنا والوسائد فوقنا, كان دوماً ما يتمسك ببطانيته تحته بكلتا يديه .. وحين نسأله عن ذلك يجيب:
- كي لا أطير إذا تعرض المنزل للقصف بالصاروخ.
كنا نضحك منه كثيراً.
والدي يواصل الاستماع للأخبار في المذياع متنقلاً من محطةٍ لأخرى مستجدياً عبارة " أعلن وقف إطلاق النار " يلفظها أحد المذيعين بعدما ضاق صبرنا بحربٍ استمرت سبع سنينٍ ولم تنتهي بعد.. والدتي تبحث عن قطعة لاصق جروح ( بلاستر ) جديدة لتضمد بها ( زجاجة ) الفانوس المكسورة لئلا تطفئه الريح.
استمر القصف هذه الليلة وكان أشد من الليالي السابقة, في كل ليلة نعتقد هذا الاعتقاد! أخبرنا والدي أن إجازته انتهت وأن عليه الالتحاق بفرقته غدا صباحاً مما زاد خوفنا أكثر. حين غفونا – رغم الأصوات والهزات التي يسببها القصف البعيد والقريب – أنا وأخي تحت مخبأنا المفضل, كان يتقلب كثيراً فأيقظني تقلبهُ وبكاءه, سألتهُ فهمس لي:
- أنا خائفٌ كثيراً, لماذا سيتركنا والدي مجدداً؟
- لا تخف فماما معنا وأنا معك.
- لكنك دائما تتركينني وحيداً تحت السرير وتخرجين للشرفة مع ماما..
- ( قاطعته أحاول اطمئنانه ) لا.. لن أتركك بعد اليوم أعدك.. لكن عليك أن تعدني أن تسمح لي باللعب ببندقيتك حين أشاء.
- أعدك. )
* * *
وقفت عند التقاطع منتظرةً الفتى الذي يبيع الورد, لكنه تأخر اليوم على غير عادته, تمشيت قليلاً في نفس الشارع أنبش بنظراتي حشود الناس التي تمضي لعملها أو سكناها أو للسوق متثاقلة..عليّ أعثر عليه.. لمحت أولاداً يركضون باتجاه أحد الأزقة الضيقة, تبعتهم هناك, فكان بعض الفتية يتشاجرون وهو من بينهم, تلقى لكمةً قويةً من احد الصبية الذي يكبره سناً ويفوقه قوة, فسقط على أثرها أرضاً, تدخلت محاولةً تفريقهم وإبعاد الفتى الغليظ عنه, حين استفسرت عن الأمر.. وكما توقعت فهو شجار من أجل
( ملكية ) التقاطع. فكل جماعة من الأولاد لهم شارعهم أو تقاطعهم الذي يبيعون و يعلمون فيه , وإذا ما قرر ولد جديد الانضمام إليهم بنفس الشارع فعليه أن يدفع ( إيجاراً ) عن كل يوم ( لصاحب ) الشارع حسب ( قوانين ودستور الشارع ) والذي بالعادة يكون فتىً يكبرهم سناً ويفوقهم قوةً وهو هذا الفتى الغليظ.
أعطيت الفتى الغليظ المبلغ المطلوب وسألته أن يذهب بعيداً ولا يؤذيه مجدداً, ثم نظرت للولد الصغير مبتسمة وسألته:
- أترغب بتناول الفطور معي, بيتي قريب, سأعالج لك وجهك.
فكر ثم وافقني لكن باستغراب شديد, ربما كان الفضول دافعه الوحيد لمرافقتي.
- تهانينا.. ستأخذينه الآن للمنزل وتقدمين له الشاي بالحليب..
- حسونيّ..
- اسمي ليس – حسونيّ- .. اسمي – ثائر - .
- آسفة, لست أقصدك يا ثائر.
جلسنا نشرب الشاي بالحليب ونأكل البسكويت الذي ( يبدو ) إنه لم يتذوقه يوماً في حياته, وكان ( حسونيّ ) يجلس على الكرسي المقابل لنا في زاوية الغرفة يهزّ برجليه كعادته.
فسألت ثائر:
- أين أهلك؟ وأين تعيش؟
- أعيش بالمخيمات.. والدي توفي أثناء الاجتياح الإسرائيلي لغزّة منذ سنتين.
- أتذهب للمدرسة؟
- طبعاً لا.. تركتها بعدما بدأت العمل بالشارع.
- لماذا؟
نظر إليّ كأنه يقول لي:" يا غبية؟, أين تعيشين."
ثم أجاب:
- كي أعيل عائلتي.. لي والدة مريضة وثلاث أخوات صغيرات غي المدرسة.
- ألا تحب العودة للمدرسة؟ ألا تريد اللعب مع باقي أصحابك؟. حياة الشارع ملؤها المشاكل والمخاطر وأنت مازلت صغـ....
( فنهض وقاطعني صارخاً بوجهي ):
- لست صغيراً. أنا رجل.. صرت الآن بالثانية عشرة. وقت اللعب والدراسة قد راح.. الأولاد بعمري في فلسطين يحملون السلاح.
السلاح.. نعم .. هذا ما آلت إليه ممارسات الطفولة في بلادٍ كبلادي وكفلسطين.. إنه ذنبنا, ذنب الأهل, لماذا ننجب ( أولادنا ) إن كنا أنفسنا غير قادرين على التعايش مع ( الظروف) التي تُفرض علينا ثم نجعلهم يتحملون مسؤوليتهم ومسؤوليتنا؟!!
الأولاد, بحد ذاتهم يحتاجون للرعاية من الألف إلى الياء.. لماذا خلقنا عصافيراً نحتاج لمن يأوينا ويطعمنا ويعلمنا الطيران حتى نصبح مستقلين ونختار فضائنا الخاص؟ لماذا لم نخلق تماسيحاً؟! نحترف الصيد عند خروجنا من البيض.. لماذا دوماً نكون الفريسة وليس المفترس؟
كان رجلا ملؤه الكبرياء والعزة والكرامة داخل هذا الجسد الصغير.. كبُر قبل أوانه.. وأيقظ نفسه من أحلام الطفولة.. أحرق ألعابه كلها.. يمشط الشوارع كل يوم من الفجر لأجل الخبز.. ويتطلع لغدٍ يحمل فيه السلاح لأجل الكرامة.. لأجل الأرض.
أتخيلُه.. تنظره أمه وأخواته الصغيرات عند الباب , يحمل إليهم ما استطاع.. يقتسمون الخبز والحب والعِزة والصلاة.. ينام مُرهقاً وكل ما يشغل باله الاستيقاظ قبل الفجر لملاحقة الرغيف.
أيها الأطفال الذين تملئون الشوارع وتطغون على تفاصيل يومياتنا تبيعون الورد أو المناديل الورقية- الكلينكس – أو السكاير أو أكياس النايلون أو غيرها... نتجاهلكم ونمضي في طريقنا – دون النظر حتى في عيونكم – كما نتجاهل الإسفلت الذي نمشي عليه .. أحتقر نفسي أمامكم.
أدركت لأول مرة مدى سطحيتي وتفاهتي وصغر قامتي ( كنملة ) فانية أمامك أيها العملاق الصغير – الكبير.
فقال بنبرته النديّة المتألمة:
- سأعيد لك المبلغ ما أن أجمعه, فلم اعتد الشفقة ولا أحتاج للتسول.. أنا أعمل بعرق جبيني.
وخرج من الباب تاركاً صفعةً قويةً على وجهي.. التفت لـ ( حسونّي ) .. كان ما يزال جالساً يراقبني بعينيه الصغيرتين بحنيّةٍ وشفقة.. بكيت .. بكيت كثيراً لكن لا أدري لماذا؟!
أتمنى لو كان بالإمكان أن أفعل ما يجب أن يكون.. ما يجب فعله.. لكن ليس بيدي سوى أن أشتري منه باقة الورود التي يبيعها كل يوم.. شعرت بالتقصير.. بالتقصير.. بالتقصير. آه .. أتمنى مرهقة.. أتمنى متألمة,, أتمنى.. ثم رددتُ بصوتٍ عالٍ أبيات ( عبد الستار العاني ) التي لمحتها بصفحة الكتاب المقلوب أمامي على الطاولة:
- " اطمئنوا..
ستعود الأرض حتما
لم تزل
في صوتنا نبرة ثائر
بعنادٍ قد صعدنا
فوق أفخاذ الغواني
وجعلناها
منابر.."
لكنني لن أصنع منابري التي ستعيد الأرض ( حتماً ) حتى لو اشتريت كل الورود التي يبيعها الأولاد في الشوارع!
* * *
( اشتد القصف هذه المرة في منتصف النهار , كان والدي بالخارج يشتري لنا بعض الحاجيات من الأسواق المركزية, حين هز البيت دوّي انفجار لصاروخ سقط قريباً كما قيل, وسمعنا الناس بالشارع يصرخون بأنه سقط على مبنى الأسواق المركزية. جنت والدتي وأخذت تجوب البيت ذهابا وإيابا تدعو الله ببعض التتمات..فتحت الباب تستجدي دخوله منه بأية لحظة لكن دون جدوى , فقررت الذهاب للبحث عنه قرب موقع الانفجار. أدخلتنا الغرفة وخبأتنا تحت السرير واضعةً علينا الوسادة والأغطية وحذرتنا من الحركة لأيٍّ من الأسباب .. هلعنا وبكينا لكنها وعدتنا بالعودة بعد قليل وبيدها والدي .. خرجت وأوصدت الباب ( حدث كل هذا بثوانٍ قليله ) .. عادت بعد أقل من ثانية لكن دون والدي، يبدوا إنها ترددت بوضعنا تحت السرير.. أخرجتنا وذهبت بنا لجارتنا طالبةً منها أن تبقى عندها لتذهب للبحث عن والدي، اختبأنا في احد غرف بيت الجارة وحاولت اطمئناننا. كان الخوف والهلع يصعد مع أنفاسنا ويطفو في نظراتنا الحائرة بشأن مصير والدي المجهول والآن والدتي أيضاً.
تأخرت كثيراً .. كنا نسمع أصوات صفارة الإنذار والمطافِ والإسعاف وهلع الناس بالخارج.. خرجت الجارة أيضاً .. همس لي أخي ( حسوّني ) بأنه يريد بطانيته
وبندقيته .. حاولت تلهيته ولكن بدأ بالبكاء بشدة، كان خائفاً كثيراً وصار كل أمله أن يتمسك ببطانيته كي ( لا يطير ) ويضع بندقيته بحجره، كانت هذه حيلته في تناسي الخوف، حاولت إسكاته دون جدوى.. أمسكته من يده وخرجنا من بيت الجارة لجلب البطانية والبندقية ( لم تكن الغارة قد انتهت بعد ) ..).
* * *
انتظرت طويلاً عند تقاطع الشارع دون أن يأتي ( ثائرْ ), حتى أصابني اليأس فعدت للبيت.. أحسست بشيء ينقصني.. حتى ( حسوّّني ) لم يزرني اليوم ولم ( يوبخنيّ ) كعادته ، أمسكت ( بدبابيسي ) وأرسلت أقرأ بصوت عالي :
- " رغم إنّا
فوق بحر النفط
نطفو
غير إنّا
لم نكن
نحصد شيئاّ .."
أحُسست ببردٍ ووحدةٍ موحشة .. كان الشباك مفتوحاً ، والستارة تطير للداخل .. فجأة صارت للستارة أصابع كثيرةً تمتد داخل الغرفة باتجاهي محاولةً استفزازي.. أطرقت رأسي للكتاب متجاهله.. لم أجد الحروف السوداء الثائرة على الصفحات, كانت فارغة تماماً.. بيضاء تافهة.. أخذت اقلب الصفحات كالمجنونة, رميت الكتاب ضاربةً به لوحةً معلقةٍ على الجدار فسقطت اللوحة وبدأت تنزف.
- لقد جنت أكيد.. جننت.. حسونّي أرجوك كفى.. كفى لعباً واظهر نفسك.
لم يظهر ( حسونّي ), انطفأ المصباح الوحيد الذي يتوسط سقف الغرفة جلست تحت الطاولة القرفصاء, أغمضت عيني بقوةٍ, بعثر صمت المكان صوت الحنفية تنّقط الماء نقطة.. نقطة.. صوت صفارة إنذار.. نقطة.. -آه- مرعبة.. نقطة.. حسونّي يصيح " لقد وعدتني"!.. نقطة.. ثائر يصرخ بوجهي " الأولاد بعمري يحملون السلاح".. نقطة.. دويّ انفجار.. نقطة.. ( مع كل نقطة ادفن رأسي أكثر بين ركبتيّ مغمضةً عينيّ بالقوة وواضعةً يديّ على اذنيّ امنع الأصوات من الهجوم على رأسي ).. تصرخ أمي.. نقطة.. صوت المذياع.. نقطة.
صرخت:
- كفى.
خرجت للشارع منتصف الليل أهيم على وجهي بين الأزقة الباردة الموحشة المهجورة إلا من الكلاب وبعض قصاصات الجرائد وأكياس النايلون المتطايرة على حافات الأرصفة..
خرجت ابحث عن ثائر أم عليّ ابحث عن نفسي؟
دخلت الزقاق نفسه الذي وجدته يتشاجر به قبل أيام.. عبثاً ناديته, جثوت على الرصيف ابكي, وابكي, وابكي.
ناديت حسونّي.. تمنيت لو يربت على ظهري الآن ذات اللحظة بيده الصغيرة الحنونة الدافئة.
* * *
وجدت بطانية ( حسونّي ) وبندقيته ملقاةً تحت السرير , أخذناها عدنا لبيت الجارة مسرعين.. تلك اللحظة, دوى انفجار فريب وقوي هزّ الشارع بأكمله.. تمسك أخي بي, صار الناس يركضون ذهاباً وإيابا حاولت التمسك بيده بالقوة فأمسكت البندقية عوضاً عنها, ضاع في الزحام بين جموع الهاربين الخائفين.. ركضت هلعةً ابحث عنه.. أجهش بالبكاء, أكاد لا أرى طريقي من غزارة الدموع في عينيّ.. والناس تارةً يجرفونني معهم وتارةً يدفعونني أرضاً غير مبالً احدهم بالآخر.. يبدو إني ابتعدت كثيرا عن البيت.. لم اعرف أين أوصلني تيار الفوضى البشرية العاتي.. لمحت أمي وأبي من بعيد يسرعون بالعودة للبيت.. ذهلت أمي لرؤيتي وحدي وتسآئل أبي عن خروجي من البيت وأين هو أخي؟ ولماذا البندقية بيدي؟ وملايين الأسئلة التي أجبت عناه بالبكاء فقط .. لا شيء غير البكاء.
لحظتها فقط انفجر الصاروخ الذي سقط قبل قليل والذي لم ينفجر وقتها, مُطلقاً الآف الشظايا المفترسة كالصواريخ الصغيرة بجميع الاتجاهات كأنه لم يكتفِ بما سببه هو نفسه من موت ودمار.
اخذ الناس ومن بينهم أبي يحملون الجرحى و ( ما تبقى ) من الجثث للسيارات أو أي شيء متحرك لإيصالهم للمستشفى بأي ثمن آملا أن لا يجد ( حسونّي ) بينهم .. شاهدت وأنا مختبئة بثوب أمي, رجلا يحمل شيئا صغيرا ملفوفا ببطانية ( حسونّي ) لكنها غارقة بالدماء وسمعت صوته حين مرّ الرجل قربي يقول لي:
- لقد وعدتني.. ).
* * *
بينما أنا غارقة بين أوراق كتبي, وفنجان الشاي بالحليب, وبعض باقات الورود اليابسة على السرير.. طُرق الباب وكان ثائر .. نظر لي مبتسما ماداً يده بمبلغ من المال قائلا:
- شكراً . هذا ما استطعت جمعه حتى اليوم.. سوف أعطيكَ الباقي حين أكمله.
- شكرا لك أنت..( أجبته بارتياح ).
أخذت المال منه سائله إياه أن يجلب لي باقة ورود بيضاء , فوافق ووعدني بجلبها آخر النهار.
شكرا لك أنت ثائر, لأنك رغم الحطام الذي تعيشه – أو لا تعيشه حتى – فهذا لا يسمى ( بالعيش ) ورغم صغر سنك اقوي مني بكثير, على الأقل لم تهرب من مواجهه حياتك ومصيرك.. لم تتمنى وجود والدك ليربت على كتفك حين لحظة ضعف.. أنت رجل صغير – كبير يبدأ يومه مؤمنا إن الحياة لابد أن تستمر رغم الخسائر.. رغم النكبات, و.. رغم الذنوب.. ربتت على كتفي تلك اللحظة العملاقة التي وجدت بها أخيرا مفتاح ( الحياة لابد أن تستمر ) يد ( حسونّي ) وقال لي:
- يبدو إني من وفيت الوعد نيابة عنك.
أجبته:
- اذهب حبيبي حسونّي.. لم اعد بحاجة إليك.
ملاحظة: أعلنت اليوم القوات الإسرائيلية الكافرة وقف إطلاق النار في غزة بعد عشرين يوما من القصف اللاإنساني, بعدما وصل عدد ضحايا القصف
( الوحشيّ ) لـ 1203 قتيل و 5320 جريح.