Friday, February 26, 2010

بقايــــــــــا طفولــــــــــة




وقفت وحيدة كعادتي بنفس التقاطع, أتصنع مطالعة الجريدة باهتمام منتظرة قدومه ككل صباح, مطلا علي بوجهه الملائكي المتعب سائلا بصوته الحنون النابع من حنجرة ملؤها الألم ومسامير التشرد:
- صباح الخير, أتريدين وردة آنستي؟
اشتريت الورود كلها ككل يوم, منتشية بابتسامته الندية. سابقاً كانت تعلو وجه إمارات الذهول والاحتقار من نفسه وحياته كأنه يقول:
" لست محتاجاً لشفقتك ".
أخذت أراقبه بقلب يخفق خوفاً و حزناً عليه وهو يذوب في زحمة الناس و الشارع بين السيارات والضجيج.
- لم تنطقي بأي كلمة كما تفعلين كل يوم.
مشيت بطريقي صامته غارقة بأفكاري فتبعني وأسرد الحديث:
- يجب أن تتعلمي أن تواجهي مخاوفك, ابحثي لنفسك عن نافذة وحلقي بعيداً, بالأمس أنا واليوم هو.. تحرري من عقدة الذنب وحرريني أرجوكِ.
وقفت فجأة ورمقته بنظرة تطلب إليه السكوت..
عدت للبيت.. ارتميت على مقعدي المفضل وأكملت قراءة كتابي – صديقي – الذي أتدفأ بأحضانه هذه الأيام ( دبابيس) للشاعر العراقي ( عبد الستار العاني)..
فتحت الصفحة التي طويت سابقاً وأخذت أقرأ بصوت عالٍ:
- " لو طبعنا وجه طفلٍ فوق وجه الورقة..
لرأينا رماداً لبقايا مَحرَقة."
- ليس من المعقول أن تمضي حياتك مدفونة بين تلك الكتب هرباً من ماضيكِ ومن الواقع.. ابحثي لنفسك عن صديق أو حبيب.. تزوجي, أنجبي أطفالا..
- أسكت – حسونيّ -..
( صرخت بوجهه مقاطعة ) إن لم يعجبك أمري فأرحل ودعني أكمل القراءة.
- أرحل؟! تعلمين إنه لا يمكنني ذلك, وحتى إن غبت عنك قليلاً ستتولينني باكيةً للعودة لمرافقتك مجدداً. إنني أحبك كثيراً و لا أريدك أن تبقي هكذا.
- أنا راضيةٌ بـ ( هكذا ) .
أحضرت لنفسي كوباً من الشاي بالحليب الساخن وأخذت أشرب.
- أتمنى لو أمكنني أن أشرب أيضاً, لم أتذوقه منذ زمنٍ طويل.. ربما عشرون عاماً أو أكثر..
- صه..
رفعت إصبعي مشيرةً إليه بالسكوت.

* * *

( كانت القوات الإيرانية أبان الحرب الإيرانية- العراقية تستهدف مدينتي ( البصرة ) بشكلً خاص مستخدمةً المدفعية تارةً والقنابل والصواريخ تارةً أخرى.
الغارة بصوتها المتقطع المخيف يخطف الأنفاس معلنةً ابتداء القصف. كنت وأخي الصغير – حسونيّ – البالغ من العمر ست سنوات نتخذ لنا مخبأً تحت سريره الحديديّ ( العالي ) واضعين الأغطية تحتنا والوسائد فوقنا, كان دوماً ما يتمسك ببطانيته تحته بكلتا يديه .. وحين نسأله عن ذلك يجيب:
- كي لا أطير إذا تعرض المنزل للقصف بالصاروخ.
كنا نضحك منه كثيراً.
والدي يواصل الاستماع للأخبار في المذياع متنقلاً من محطةٍ لأخرى مستجدياً عبارة " أعلن وقف إطلاق النار " يلفظها أحد المذيعين بعدما ضاق صبرنا بحربٍ استمرت سبع سنينٍ ولم تنتهي بعد.. والدتي تبحث عن قطعة لاصق جروح ( بلاستر ) جديدة لتضمد بها ( زجاجة ) الفانوس المكسورة لئلا تطفئه الريح.
استمر القصف هذه الليلة وكان أشد من الليالي السابقة, في كل ليلة نعتقد هذا الاعتقاد! أخبرنا والدي أن إجازته انتهت وأن عليه الالتحاق بفرقته غدا صباحاً مما زاد خوفنا أكثر. حين غفونا – رغم الأصوات والهزات التي يسببها القصف البعيد والقريب – أنا وأخي تحت مخبأنا المفضل, كان يتقلب كثيراً فأيقظني تقلبهُ وبكاءه, سألتهُ فهمس لي:
- أنا خائفٌ كثيراً, لماذا سيتركنا والدي مجدداً؟
- لا تخف فماما معنا وأنا معك.
- لكنك دائما تتركينني وحيداً تحت السرير وتخرجين للشرفة مع ماما..
- ( قاطعته أحاول اطمئنانه ) لا.. لن أتركك بعد اليوم أعدك.. لكن عليك أن تعدني أن تسمح لي باللعب ببندقيتك حين أشاء.
- أعدك. )


* * *

وقفت عند التقاطع منتظرةً الفتى الذي يبيع الورد, لكنه تأخر اليوم على غير عادته, تمشيت قليلاً في نفس الشارع أنبش بنظراتي حشود الناس التي تمضي لعملها أو سكناها أو للسوق متثاقلة..عليّ أعثر عليه.. لمحت أولاداً يركضون باتجاه أحد الأزقة الضيقة, تبعتهم هناك, فكان بعض الفتية يتشاجرون وهو من بينهم, تلقى لكمةً قويةً من احد الصبية الذي يكبره سناً ويفوقه قوة, فسقط على أثرها أرضاً, تدخلت محاولةً تفريقهم وإبعاد الفتى الغليظ عنه, حين استفسرت عن الأمر.. وكما توقعت فهو شجار من أجل
( ملكية ) التقاطع. فكل جماعة من الأولاد لهم شارعهم أو تقاطعهم الذي يبيعون و يعلمون فيه , وإذا ما قرر ولد جديد الانضمام إليهم بنفس الشارع فعليه أن يدفع ( إيجاراً ) عن كل يوم ( لصاحب ) الشارع حسب ( قوانين ودستور الشارع ) والذي بالعادة يكون فتىً يكبرهم سناً ويفوقهم قوةً وهو هذا الفتى الغليظ.
أعطيت الفتى الغليظ المبلغ المطلوب وسألته أن يذهب بعيداً ولا يؤذيه مجدداً, ثم نظرت للولد الصغير مبتسمة وسألته:
- أترغب بتناول الفطور معي, بيتي قريب, سأعالج لك وجهك.
فكر ثم وافقني لكن باستغراب شديد, ربما كان الفضول دافعه الوحيد لمرافقتي.
- تهانينا.. ستأخذينه الآن للمنزل وتقدمين له الشاي بالحليب..
- حسونيّ..
- اسمي ليس – حسونيّ- .. اسمي – ثائر - .
- آسفة, لست أقصدك يا ثائر.
جلسنا نشرب الشاي بالحليب ونأكل البسكويت الذي ( يبدو ) إنه لم يتذوقه يوماً في حياته, وكان ( حسونيّ ) يجلس على الكرسي المقابل لنا في زاوية الغرفة يهزّ برجليه كعادته.
فسألت ثائر:
- أين أهلك؟ وأين تعيش؟
- أعيش بالمخيمات.. والدي توفي أثناء الاجتياح الإسرائيلي لغزّة منذ سنتين.
- أتذهب للمدرسة؟
- طبعاً لا.. تركتها بعدما بدأت العمل بالشارع.
- لماذا؟
نظر إليّ كأنه يقول لي:" يا غبية؟, أين تعيشين."
ثم أجاب:
- كي أعيل عائلتي.. لي والدة مريضة وثلاث أخوات صغيرات غي المدرسة.
- ألا تحب العودة للمدرسة؟ ألا تريد اللعب مع باقي أصحابك؟. حياة الشارع ملؤها المشاكل والمخاطر وأنت مازلت صغـ....
( فنهض وقاطعني صارخاً بوجهي ):
- لست صغيراً. أنا رجل.. صرت الآن بالثانية عشرة. وقت اللعب والدراسة قد راح.. الأولاد بعمري في فلسطين يحملون السلاح.

السلاح.. نعم .. هذا ما آلت إليه ممارسات الطفولة في بلادٍ كبلادي وكفلسطين.. إنه ذنبنا, ذنب الأهل, لماذا ننجب ( أولادنا ) إن كنا أنفسنا غير قادرين على التعايش مع ( الظروف) التي تُفرض علينا ثم نجعلهم يتحملون مسؤوليتهم ومسؤوليتنا؟!!
الأولاد, بحد ذاتهم يحتاجون للرعاية من الألف إلى الياء.. لماذا خلقنا عصافيراً نحتاج لمن يأوينا ويطعمنا ويعلمنا الطيران حتى نصبح مستقلين ونختار فضائنا الخاص؟ لماذا لم نخلق تماسيحاً؟! نحترف الصيد عند خروجنا من البيض.. لماذا دوماً نكون الفريسة وليس المفترس؟
كان رجلا ملؤه الكبرياء والعزة والكرامة داخل هذا الجسد الصغير.. كبُر قبل أوانه.. وأيقظ نفسه من أحلام الطفولة.. أحرق ألعابه كلها.. يمشط الشوارع كل يوم من الفجر لأجل الخبز.. ويتطلع لغدٍ يحمل فيه السلاح لأجل الكرامة.. لأجل الأرض.
أتخيلُه.. تنظره أمه وأخواته الصغيرات عند الباب , يحمل إليهم ما استطاع.. يقتسمون الخبز والحب والعِزة والصلاة.. ينام مُرهقاً وكل ما يشغل باله الاستيقاظ قبل الفجر لملاحقة الرغيف.
أيها الأطفال الذين تملئون الشوارع وتطغون على تفاصيل يومياتنا تبيعون الورد أو المناديل الورقية- الكلينكس – أو السكاير أو أكياس النايلون أو غيرها... نتجاهلكم ونمضي في طريقنا – دون النظر حتى في عيونكم – كما نتجاهل الإسفلت الذي نمشي عليه .. أحتقر نفسي أمامكم.
أدركت لأول مرة مدى سطحيتي وتفاهتي وصغر قامتي ( كنملة ) فانية أمامك أيها العملاق الصغير – الكبير.
فقال بنبرته النديّة المتألمة:
- سأعيد لك المبلغ ما أن أجمعه, فلم اعتد الشفقة ولا أحتاج للتسول.. أنا أعمل بعرق جبيني.
وخرج من الباب تاركاً صفعةً قويةً على وجهي.. التفت لـ ( حسونّي ) .. كان ما يزال جالساً يراقبني بعينيه الصغيرتين بحنيّةٍ وشفقة.. بكيت .. بكيت كثيراً لكن لا أدري لماذا؟!
أتمنى لو كان بالإمكان أن أفعل ما يجب أن يكون.. ما يجب فعله.. لكن ليس بيدي سوى أن أشتري منه باقة الورود التي يبيعها كل يوم.. شعرت بالتقصير.. بالتقصير.. بالتقصير. آه .. أتمنى مرهقة.. أتمنى متألمة,, أتمنى.. ثم رددتُ بصوتٍ عالٍ أبيات ( عبد الستار العاني ) التي لمحتها بصفحة الكتاب المقلوب أمامي على الطاولة:
- " اطمئنوا..
ستعود الأرض حتما
لم تزل
في صوتنا نبرة ثائر
بعنادٍ قد صعدنا
فوق أفخاذ الغواني
وجعلناها
منابر.."

لكنني لن أصنع منابري التي ستعيد الأرض ( حتماً ) حتى لو اشتريت كل الورود التي يبيعها الأولاد في الشوارع!

* * *

( اشتد القصف هذه المرة في منتصف النهار , كان والدي بالخارج يشتري لنا بعض الحاجيات من الأسواق المركزية, حين هز البيت دوّي انفجار لصاروخ سقط قريباً كما قيل, وسمعنا الناس بالشارع يصرخون بأنه سقط على مبنى الأسواق المركزية. جنت والدتي وأخذت تجوب البيت ذهابا وإيابا تدعو الله ببعض التتمات..فتحت الباب تستجدي دخوله منه بأية لحظة لكن دون جدوى , فقررت الذهاب للبحث عنه قرب موقع الانفجار. أدخلتنا الغرفة وخبأتنا تحت السرير واضعةً علينا الوسادة والأغطية وحذرتنا من الحركة لأيٍّ من الأسباب .. هلعنا وبكينا لكنها وعدتنا بالعودة بعد قليل وبيدها والدي .. خرجت وأوصدت الباب ( حدث كل هذا بثوانٍ قليله ) .. عادت بعد أقل من ثانية لكن دون والدي، يبدوا إنها ترددت بوضعنا تحت السرير.. أخرجتنا وذهبت بنا لجارتنا طالبةً منها أن تبقى عندها لتذهب للبحث عن والدي، اختبأنا في احد غرف بيت الجارة وحاولت اطمئناننا. كان الخوف والهلع يصعد مع أنفاسنا ويطفو في نظراتنا الحائرة بشأن مصير والدي المجهول والآن والدتي أيضاً.
تأخرت كثيراً .. كنا نسمع أصوات صفارة الإنذار والمطافِ والإسعاف وهلع الناس بالخارج.. خرجت الجارة أيضاً .. همس لي أخي ( حسوّني ) بأنه يريد بطانيته
وبندقيته .. حاولت تلهيته ولكن بدأ بالبكاء بشدة، كان خائفاً كثيراً وصار كل أمله أن يتمسك ببطانيته كي ( لا يطير ) ويضع بندقيته بحجره، كانت هذه حيلته في تناسي الخوف، حاولت إسكاته دون جدوى.. أمسكته من يده وخرجنا من بيت الجارة لجلب البطانية والبندقية ( لم تكن الغارة قد انتهت بعد ) ..).

* * *

انتظرت طويلاً عند تقاطع الشارع دون أن يأتي ( ثائرْ ), حتى أصابني اليأس فعدت للبيت.. أحسست بشيء ينقصني.. حتى ( حسوّّني ) لم يزرني اليوم ولم ( يوبخنيّ ) كعادته ، أمسكت ( بدبابيسي ) وأرسلت أقرأ بصوت عالي :
- " رغم إنّا
فوق بحر النفط
نطفو
غير إنّا
لم نكن
نحصد شيئاّ .."

أحُسست ببردٍ ووحدةٍ موحشة .. كان الشباك مفتوحاً ، والستارة تطير للداخل .. فجأة صارت للستارة أصابع كثيرةً تمتد داخل الغرفة باتجاهي محاولةً استفزازي.. أطرقت رأسي للكتاب متجاهله.. لم أجد الحروف السوداء الثائرة على الصفحات, كانت فارغة تماماً.. بيضاء تافهة.. أخذت اقلب الصفحات كالمجنونة, رميت الكتاب ضاربةً به لوحةً معلقةٍ على الجدار فسقطت اللوحة وبدأت تنزف.
- لقد جنت أكيد.. جننت.. حسونّي أرجوك كفى.. كفى لعباً واظهر نفسك.
لم يظهر ( حسونّي ), انطفأ المصباح الوحيد الذي يتوسط سقف الغرفة جلست تحت الطاولة القرفصاء, أغمضت عيني بقوةٍ, بعثر صمت المكان صوت الحنفية تنّقط الماء نقطة.. نقطة.. صوت صفارة إنذار.. نقطة.. -آه- مرعبة.. نقطة.. حسونّي يصيح " لقد وعدتني"!.. نقطة.. ثائر يصرخ بوجهي " الأولاد بعمري يحملون السلاح".. نقطة.. دويّ انفجار.. نقطة.. ( مع كل نقطة ادفن رأسي أكثر بين ركبتيّ مغمضةً عينيّ بالقوة وواضعةً يديّ على اذنيّ امنع الأصوات من الهجوم على رأسي ).. تصرخ أمي.. نقطة.. صوت المذياع.. نقطة.
صرخت:
- كفى.
خرجت للشارع منتصف الليل أهيم على وجهي بين الأزقة الباردة الموحشة المهجورة إلا من الكلاب وبعض قصاصات الجرائد وأكياس النايلون المتطايرة على حافات الأرصفة..
خرجت ابحث عن ثائر أم عليّ ابحث عن نفسي؟
دخلت الزقاق نفسه الذي وجدته يتشاجر به قبل أيام.. عبثاً ناديته, جثوت على الرصيف ابكي, وابكي, وابكي.
ناديت حسونّي.. تمنيت لو يربت على ظهري الآن ذات اللحظة بيده الصغيرة الحنونة الدافئة.

* * *

وجدت بطانية ( حسونّي ) وبندقيته ملقاةً تحت السرير , أخذناها عدنا لبيت الجارة مسرعين.. تلك اللحظة, دوى انفجار فريب وقوي هزّ الشارع بأكمله.. تمسك أخي بي, صار الناس يركضون ذهاباً وإيابا حاولت التمسك بيده بالقوة فأمسكت البندقية عوضاً عنها, ضاع في الزحام بين جموع الهاربين الخائفين.. ركضت هلعةً ابحث عنه.. أجهش بالبكاء, أكاد لا أرى طريقي من غزارة الدموع في عينيّ.. والناس تارةً يجرفونني معهم وتارةً يدفعونني أرضاً غير مبالً احدهم بالآخر.. يبدو إني ابتعدت كثيرا عن البيت.. لم اعرف أين أوصلني تيار الفوضى البشرية العاتي.. لمحت أمي وأبي من بعيد يسرعون بالعودة للبيت.. ذهلت أمي لرؤيتي وحدي وتسآئل أبي عن خروجي من البيت وأين هو أخي؟ ولماذا البندقية بيدي؟ وملايين الأسئلة التي أجبت عناه بالبكاء فقط .. لا شيء غير البكاء.
لحظتها فقط انفجر الصاروخ الذي سقط قبل قليل والذي لم ينفجر وقتها, مُطلقاً الآف الشظايا المفترسة كالصواريخ الصغيرة بجميع الاتجاهات كأنه لم يكتفِ بما سببه هو نفسه من موت ودمار.
اخذ الناس ومن بينهم أبي يحملون الجرحى و ( ما تبقى ) من الجثث للسيارات أو أي شيء متحرك لإيصالهم للمستشفى بأي ثمن آملا أن لا يجد ( حسونّي ) بينهم .. شاهدت وأنا مختبئة بثوب أمي, رجلا يحمل شيئا صغيرا ملفوفا ببطانية ( حسونّي ) لكنها غارقة بالدماء وسمعت صوته حين مرّ الرجل قربي يقول لي:
- لقد وعدتني.. ).

* * *

بينما أنا غارقة بين أوراق كتبي, وفنجان الشاي بالحليب, وبعض باقات الورود اليابسة على السرير.. طُرق الباب وكان ثائر .. نظر لي مبتسما ماداً يده بمبلغ من المال قائلا:
- شكراً . هذا ما استطعت جمعه حتى اليوم.. سوف أعطيكَ الباقي حين أكمله.
- شكرا لك أنت..( أجبته بارتياح ).
أخذت المال منه سائله إياه أن يجلب لي باقة ورود بيضاء , فوافق ووعدني بجلبها آخر النهار.
شكرا لك أنت ثائر, لأنك رغم الحطام الذي تعيشه – أو لا تعيشه حتى – فهذا لا يسمى ( بالعيش ) ورغم صغر سنك اقوي مني بكثير, على الأقل لم تهرب من مواجهه حياتك ومصيرك.. لم تتمنى وجود والدك ليربت على كتفك حين لحظة ضعف.. أنت رجل صغير – كبير يبدأ يومه مؤمنا إن الحياة لابد أن تستمر رغم الخسائر.. رغم النكبات, و.. رغم الذنوب.. ربتت على كتفي تلك اللحظة العملاقة التي وجدت بها أخيرا مفتاح ( الحياة لابد أن تستمر ) يد ( حسونّي ) وقال لي:
- يبدو إني من وفيت الوعد نيابة عنك.
أجبته:
- اذهب حبيبي حسونّي.. لم اعد بحاجة إليك.










ملاحظة: أعلنت اليوم القوات الإسرائيلية الكافرة وقف إطلاق النار في غزة بعد عشرين يوما من القصف اللاإنساني, بعدما وصل عدد ضحايا القصف
( الوحشيّ ) لـ 1203 قتيل و 5320 جريح.









ايفــــــان الدراجي
18\11\2009
12:11 p.m





0 comments: