Tuesday, June 12, 2012

الأديان ليست سماوية



 د. كامل النجار

في فترة ما قبل الميلاد عندما ظهرت الديانة اليهودية في منطقة فلسطين كان الإنسان ما يزال مرتبطاً جسدياً بالمنطقة التي ولد فيها إذ كانت الحركة وقتها محدودة لعدم وجود وسائل تنقل غير الحيوانات الأليفة مثل الحمار أو الحصان. وحتى هذه لم تكن متوفرة للجميع. ولذا انحصرت القصص الفلكلورية والعادات والتعاليم الدينية اليهودية في المنطقة التي نشأت بها. وعلى مدى أكثر من الف عام لم تنتشر اليهودية خارج فلسطين إلا بنزوح أعداد بسيطة من اليهود إلى الجزيرة العربية واليمن بعد السبي البابلي.
ثم جاءت المسيحية في نفس منطقة فلسطين، وبعد أكثر من ألف عام من ظهور اليهودية. ولما كان الإنسان لم يزل مرتبطاً بالأرض لعدم توفر وسائل التنقل السريع، فقد جاءت المسيحية وليداً يشبه أباه في أكثر الملامح التشريعية والفقهية لأن الذين أتوا بها كانوا مشبعين بالأفكار اليهودية والتعاليم الموسوية، ولذا قالوا على لسان المسيح إنه أُرسل إلى خراف بني إسرائيل الضائعة. فإذاً هو قد جاء لتكملة الديانة الموسوية، ولم يكن في مقدوره أن يفعل غير ذلك لأنه حتى ذلك الوقت لم يتسن للذين كتبوا الإنجيل الاختلاط بثقافات أو شعوب أخرى غير المستعمر الروماني الذي كان وثنياً في ذلك الوقت.
وفي نفس الحقبة الزمنية التي ظهرت فيها اليهودية كانت هناك مناطق أخرى من العالم تفصلها عن فلسطين مساحات شاسعة من الأرض يصعب الوصول إليها بسبل المواصلات المتاحة في ذلك الوقت، كانت قد ظهرت فيها أديان وفلسفات اجتماعية تحمل نفس تعاليم الديانة اليهودية من الوصايا العشرة التي تُحرّم القتل والسرقة والكذب والزنى وما إلى ذلك. فقد ظهرت في الصين ميثولوجيا تفسر خلق العالم ووجود الخير والشر جنباً إلى جنب في العالم. تقول الميثولوجيا الصينية إنه لم يكن هناك شيء قبل ظهور "بان كو" الذي عاش قبل حوالي بليونين من السنين. وقد ظل هذا الـ "بان كو" يخلق العالم على مدى ثمانية عشر ألف عام. ومات بعد أن خلق العالم فتجمعت أنفاسه فصارت ريحاً وسحباً، وأصبحت أناته الأخيرة الرعد، وأصبح الدم في عروقه الأنهار، وعرقه أصبح الأمطار، وعظامه الصخور، وأسنانه المعادن، وأصبحت عينه اليسرى الشمس وعينه اليمنى القمر، وشعره أصبح الغابات ولحمه الأرض ورأسه الجبال. وأما الحشرات التي كانت على جسمه أصبحت الآدميين أي الناس. ثم ظهر عدة أرباب في السماء، منهم الخيرون ومنهم الشريرون (قصة الديانات، سليمان مظهر، ص 186). وبنى المصلحون الإجتماعيون على هذه الميثولوجيا وجاؤوا بتعاليم لا تختلف عن اليهودية كثيراً في وصاياها العشرة. من هؤلاء المصلحين كان كونفيشيوس الذي ظهر قبل ألفين وخمسمائة عام وأصبحت تعاليمه ديناً يتبعة غالبية الصينيين. وكونفيشيوس كان حكيماً لم يدع النبوة.
وفي الهند التي لا تبعد عن الصين كثيراً ولكن تفصلها جبال ووديان جعلت الإتصال بينهما في ذلك الوقت محصوراً، لم تظهر عندهم الديانات الصينية بل خلقوا الميثولوجية الهندوسية التي تقول بأن "براهما" كان يعيش وحده في الفضاء اللامتناهي، وكان عملاقاً ضخماً. وكان يقول "أنا أقوى من السماء وأعظم من الأرض وأرفع من كل هذه الأجرام والكواكب حولي، أنا الكل في الكل. أفعل ما أريد، وأخلق كل ما يخطر لي. أنا جوهر هذا العالم الواحد الشامل. لستُ بالذكر ولا بالأنثى. إنما أنا روح غير مشخّص في صفاته، أحتوي كل شيء وأكمن في كل شيء، لا تدركني الحواس، لأني أنا حقيقة الحقيقة. أنا براهما" (نفس المصدر السابق ص 80). وهذه الأفكار عن الإله هي نفس الفكرة التي أتت بها اليهودية والمسيحية والإسلام وادعوا أنها إيحاء من السماء. والهندوس يؤمنون بتناسخ الأرواح كما يؤمنون بالنيرفانا بدل الجنة. وبالتدريج ظهرت عندهم فكرة التثليث التي تتكون من "براهما" الخالق، و"فشنو" الحافظ و"شيفا" المدمر. ونسبةً لكبر مساحة الهند واختلاف جغرافيتها وصعوبة الاتصال بين الناس، ظهرت أديان أخرى في مناطق مختلفة من الهند، منها البوذية والجانتية ومذاهب أخرى.
وفي مصر التي لم تكن تبعد عن فلسطين كثيراً ولكن تفصلها عنها صحراء سيناء التي جعلت السفر في تلك الأيام دونه الموت المحقق، ظهرت الديانات المصرية القديمة من عبادة الحيوانات إلى عبادة إله الشمس رع إلى الإله الأوحد آمون، الذي ظهر في الفترة التي عاصرها موسى، حسب الروايات التوراتية والقرآنية. ولا بد أن موسى (لو كان شخصيةً حقيقية) قد تشبع بهذه التعاليم قبل أن ينتقل إلى فلسطين ويتوه في الصحراء أربعين عاماً، ولذا جاء بفكرة التوحيد التي لم تكن معروفة خارج مصر في تلك الحقبة.
وقريباً نسبياً من فلسطين، وفي أرض الرافدين، ظهرت ديانات تعددية يسكن أربابها السماء ويتشاجرون ويتصالحون كما كانت تفعل آلهة الإغريق على جبل الأولمب. وظهرت الزرادشتيه في بلاد فارس ومنها ظهر الإله "ميثرا" الذي سبق المسيحية في كل التعاليم التي أتت بها، وحتى احتفالات عيد الميلاد في ديسمبر. ورغم بعد المسافات وصعوبة الترحال، فقد ولدت في بقاع كثيرة من العالم ميثولوجية تحاول تفسير كيفية خلق العالم والإنسان، وتشابهت كل الميثولوجيات المختلفة في القوانين التي وضعتها لتنظيم المجتمعات ولتشيع الخير ومنع الشر. ولا تختلف تعاليم تلك الميثولوجيات عن التعاليم التي أتت بها الديانات الثلاث التي زعمت أنها سماوية. أما البلاد المفصولة عن فلسطين وعن بقية العالم بالبحار، مثل استراليا وأمريكا الجنوبية وإفريقيا، فقد ظل الإنسان فيها يتعبد إلى أرواح أسلافه حتى القرن الثامن عشر عندما بدأ الرجل الأبيض رحلاته إلى أفريقيا وغيرها.
وفي الوقت الذي تعلم فيه الإنسان العربي التجارة التي اتاحت له الاختلاط بالحضارات المجاورة في الشام وفارس، وصناعة السفن التي أتاحت له الاختلاط بالحضارات البعيدة مثل الهند والسند، جاء الإسلام فكان خليطاً من اليهودية والمسيحية والزرادشتية، وربما بعض التعاليم الهندية.
فإذا كان هناك إله في السماء وكان قد خلق العالم وكل المخلوقات بما فيها الإنسان، لماذا خلق الغالبية العظمى منهم في الصين والهند وإفريقيا، وتركهم ليخلقوا لأنفسهم آلهة وميثولوجيا يحاولون بها التوصل إليه، ثم يجعل حفنة بسيطة تسكن فلسطين وجزيرة العرب، موضع اهتمامه ويبعث فيهم كل الرسل والأنبياء المعروفين لنا، ويجعل منهم شعبه المختار وخير أمةٍ أُخرجت للناس؟ طبعاً ليس هناك أي سبب منطقي يجعل الإله يتصرف بهذه الطريقة الغريبة، خاصة أن الأديان الثلاثة التي تدعي أنها سماوية، تخبرنا أن كل الناس ولدوا من آدم وحواء، وبالتالي هم أسرة واحدة. فلماذا يفضل إله السماء تلك الحفنة من الناس التي عاشت في فلسطين ويهمل بقية أفراد الأسرة الواحدة؟ وما هو الجديد الذي أتت به الديانات الثلاث حتى يجعل الإله من أتباعها شعبه المختار وخير أمته؟ فكل التعاليم التي أتت بها الديانات الثلاث كانت معروفة للجنس البشري في البقاع المختلفة التي ذكرناها.
ونلاحظ أنه حتى في هذا العصر الحديث ما زال أتباع اليهودية والمسيحية والإسلام يمثلون حوالي خمسين بالمائة من سكان العالم (المسيحية 2.1 بليون، الإسلام 1.3 بليون، اليهود 14 مليون) (adherents.com). فمجموع أتباع الثلاث ديانات هو 3.54 بليون من مجموع ما يقارب 7 بلايين من سكان العالم. وحتماً فقد كانت النسبة المئوية أقل بكثير في القرون الأولى للميلاد، فلماذا تجاهل الإله الغالبية العظمى من خلقه وركز جهده في فلسطين وما حولها؟ والجواب المنطقي لهذا السؤال هو أنه لم يتجاهلهم لأنه غير موجود أصلاً.
والغريب أن الإسلام نفسه يؤكد لنا هذه الحقيقة. فبعد أن قال (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون) و التي نفهم منها أن الإله خلق الناس فقط ليعبدوه ولا لشيء أخر، يقول لنا في عدة آيات أخرى:• ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا (الإسراء 89)• ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفوراً (الفرقان 50)• وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين (يوسف 103)• وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون (الأنعام 116)
فالقرآن يؤكد لنا أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين بالله مع أن الله ما خلقهم إلا ليعبدوه. وهنا لا بد لنا أن نستشير المنطق. الإله الذي في السماء، الإله العالم القادر على كل شيء، والذي يعلم ما سوف يفعل العبد حتى قبل أن يخلقه، هذا الإله خلق آدم وأمره ألا يأكل من الشجرة الممنوعة، فعصاه آدم وأكل منها. وخلق إبليس وطلب منه أن يسجد لآدم فرفض وحاجج الله ثم طلب منه أن يمهله إلى يوم القيامة ليضل عباده، وأنذره بذلك (قال أرايتك هذا الذي كرمتَ عليّ لئن أخرتني إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا ) (الإسراء 62). ومع ذلك استجاب له الإله وأخره إلى يوم القيامة ليضل عباده. ثم أرسل نوح الذي مكث في قومه ما يقرب من الألف عام يدعوهم إلى الله، فلم يتبعه إلا أهل بيته فقط، فغضب الله على الناس والحيوانات وارسل الطوفان الذي أغرق كل شيء حيي على وجه الأرض، أفما كانت هذه فرصة للإله العليم أن يخلق قوماً اكثر استجابةً له وإيماناً به؟ خاصة أن القرآن يخبرنا أن الله قد أخرج جميع ذرية أبناء آدم من ظهورهم وأخذ ميثاقهم أن يؤمنوا به (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا) (الأعراف 172). فالإله الذي احتاط لدرجة أنه أخرج جميع سكان العالم من ظهور آبائهم وأخذ ميثاقهم، وأكدوا له أنهم سوف يؤمنون به إلهاً واحداً، ثم حنثوا أيمانهم واخترعوا لأنفسهم آلهة غيره، أما كان المنطق يُحتم بعد طوفان نوح أن يخلق أناساً لا يحنثون بوعدهم ويؤمنون به ويعبدونه، لأنه ما خلق الناس إلا ليعبدوه؟ فلماذا خلق الصينيين والهنود والأفارقة بعد الطوفان وتركهم لحالهم ليخلقوا آلهتهم ولم يبعث فيهم رسولاً؟
ونحن نعرف أنه بعد الطوفان جاء قوم لوط الذين عصوه فقلب بهم الأرض، وقوم عاد وقوم صالح وقوم شعيب، وكلهم عصى الإله ورفض أن يتبع تعاليمه، فأرسل عليهم الرياح والصواعق والحر فأبادهم. واستمر في إرسال الرسل والأنبياء إلى منطقة فلسطين ليهدوا الناس إلى الإله الذي ما خلقهم إلا ليعبدوه، بينما العصيان الأكبر له كان خارج فلسطين. وكما يقول المذهب الشيعي إن الله أرسل أكثر من 120 ألف نبي ورسول، وما زال أكثر الناس لا يؤمنون. فهل عجز هذا الإله أن يتعلم من أخطائه السابقة التي أثبتت له أن الناس الذين خلقهم ليعبدوه لا يؤمنون به ولا يعبدونه؟
والغريب أن القرآن بعد أن أكد لنا أنّ أكثر أهل الأرض لا يؤمنون، رجع وقال لنا (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) (آل عمران 83). وكذلك يقول (ولله يسجد من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وظلالهم بالغدو والأصال) (الرعد 15). فنفهم من هذه الآيات أن كل الناس والمخلوقات التي على الأرض والتي في السماء أسلمت لله وتسجد له طوعاً أو كرهاً، وحتى ظلالها تسجد له. فماذا حدث لأكثرية الناس الذين لا يؤمنون؟ فهل يمكن أن يكون هذا التناقض الواضح في الآيات صادراً من إله في السماء أحكم آيات القرآن قبل أن يخلق العالم؟ بالطبع لا يمكن أن يكون هذا التناقض صادراً من إله. وفقهاء المسلمين أنفسهم يعلمون ذلك ويحاولون الخروج من المأزق بشتى أنواع التفاسير. وهنا يقول لنا المفسرون إن المسلم يسلم طوعاً لله وأما الكافر يسجد لغير الله ولكن ظله يسجد لله، ولذلك يكون قد أسلم لله كرهاً (تفسير القرطبي). ولا بد أنهم سألوا أنفسهم: ماذا يحدث للكافر ليلاً عندما يسجد لغير الله ولا يكون له ظلٌ ليسجد لله؟ وماذا يحدث للكفار في أوربا التي يظللها الغمام أغلب أيام العام ومن النادر أن تجد للإنسان ظلاً حتى في منتصف النهار؟
في اعتقادي أن الأديان الثلاثة الشرق أوسطية لا تختلف عن مثيلاتها من الميثولوجيات التي ظهرت في كل بقاع الأرض وأصبحت أدياناً يتبعها أكثر سكان الأرض. وليس هناك أديان سماوية وأديان أرضية. كل الديان أرضية وقد اخترعها الإنسان كما اخترع الإله نفسه

0 comments: