Tuesday, June 12, 2012

لماذا التطور حقيقة/ كتاب من تأليف جيري أيه كوين



لماذا التطور حقيقة 

تأليف: Jerry A. Coyne
أستاذ علم الأحياء التطوري بجامعة شيكاجو
ترجمه إلى العربية: لؤي عشري

Original Title: Why evolution is true

Author: Jerry A. Coyne

Publisher: Oxford University press

Translated to Arabic by Louai Ashry

loayashry@yahoo.com





المحتويات

إهداآ المؤلف والمترجم…………..………...……………………………………..4

مقدمة المترجم..…..……………………………………………………………5

تمهيد..………………………………………………………………………6

مقدمة……………….………………………………………………………9

الفصل الأول: ما هو التطور؟…………..…………………………………………13

الفصل الثاني: مكتوب في الصخور (تاريخ الحياة ومتحجرات الحلقات الانتقالية)...………………25

الفصل الثالث: الآثار: الأعضاء الأثرية والأجنة والجينات الميتة والتصميمات السيئة………………54

الفصل الرابع: الجغرافيا الحيوية (انتشار الكائنات).…...…………………………………75

الفصل الخامس: محرك التطور…………..…………………………………………91

الفصل السادس: كيف يقود الحنس التطور…….……………………………………112

الفصل السابع: أصل الأنواع….……...…………………………………………130

الفصل الثامن: ماذا عنا؟……………………………………………………….144

الفصل التاسع: التطور، عودة على ذي بدء …………………………………………170

الملاحظات…..…………..…………………………………………………178

معاني مصطلحات علمية……………….………………………………………187

إهداء المترجم
إلى المثقفين والمفكرين والعلماء العرب

إهداء المؤلف

For Dick Lewontin

il miglior fabbro


مقدمة المترجم

عندما نجد أشكالاً انتقالية، فهي تظهر في السجل الأحفوري تماماً حيث ينبغي أن تكون. أقدم الطيور تظهر بعد الديناصورات لكن قبل الطيور الحديثة. نرى حيتاناً سلفية تسد الفجوة بين أسلافهم عديمي الخبرة بالسباحة والحيتان الحديثة تماماً. إن لا يكن التطور حقيقة، لما ظهرت المتحجرات في ترتيب له منطق تطوري. مسؤولاً ما هي الملاحظة الممكن تصورها تدحض التطور، تذمر عالم الأحياء سريع الغضب J. B. S. Haldane حسبما يُقال مجيباً: "متحجرات أرانب في العصر الكامبريّ!" (العصر الجيولوجي الذي انتهى عند 542 مليون عام ماضٍ). ليس هناك من حاجةٍ للقول، لم يُعثَر قط على أرانب قبل كامبرية أو أي متحجرات أخرى منطوية على مفارقة تاريخية.

من الفصل الثاني من هذا الكتاب

حينما وضع تشارلز دارون البريطاني عالم التاريخ الطبيعي والحيوان نظريته في النشوء والتطور عبر الانتخاب الطبيعي للصفات في أواخر القرن التاسع عشر في كتابه (أصل الأنواع) كانت الكثير من العلوم ما زالت في مهدها كعلم الأجنة والتشريح والحيوان وسلوك الحيوان والمتحجرات، وأخرى لم تكن قد نشأت وُعرِفت بعد كعلم الوراثة والجينات والحمض النووي والطفرات الوراثية. لقد أدت كل هذه الاكتشافات والعلوم والملاحظات إلى نشوء ما يسمى اليوم بـ "نظرية التطور الحديثة" أو "الدارونية الحديثة" على أساس من علم الجينات أو الوراثة الذي لم يكن يعرف دارون ومعاصروه شيئاً عنه حيث لم يكن قد تم اكتشاف قوانين الوراثة وذيوعها والجينات والحمض النووي بتسلسلاته. وحين يطالع المرء مقالات وبحوث الدوريات العلمية ومواقع الإنترنت الجامعية في مجال علم الحياء وفرعه علم الأحياء التطوري يشعر أن النشر الجماهيري العلمي قد صار في أمس الحاجة إلى "أصل الأنواع" جديد ومعاصر، بمعنى كتاب موسوعي ككتاب دارون، يعالج الأسس العلمية وآخر الاكتشافات والحقائق طبقاً لأحدث المعطيات العلمية. لقد كان جهد دارون في تأليف أصل الأنواع أو غيرها من عشرات الكتب له رغم بداءة العلوم في عصره ضخماً للغاية وخارقاً موسوعياً حيث تعمق سواء في قراآت ومراجع عصره أو دراساته الحقلية خلال رحلاته العلمية حول العالم كعالم للتاريخ الطبيعي واستغرق عشرين سنة يجمع الملاحظات لعمل كتابه الشهير. وقد تفضل المجلس الأعلى للثقافة بقسم المشروع القومي للترجمة بنشر أشهر كتابين لدارون وهما (أصل الأنواع) و(نشأة الإنسان والانتخاب الجنسي) إلا أن كتباً كهذه مع تقدم العلوم اليوم تعتبر بدائية وتراثية للغاية ومليئة بالغموض والأمور المجهولة والتي في عصرنا الحالي لم تعد مجهولة ولا من الغوامض المطلسمة بل عُرِفت وتُوُسِع فيها ككيفية انتقال الصفات الوراثية وقوانينها وظاهرة الطفرات الوراثية والجينات الزائفة وعلم المتحجرات والحلقات الانتقالية وغيرها.

ولعل هذا الكتاب لأستاذ الأحياء Jerry A. Coyne بجامعة شيكاجو بأمركا، هو سعي مجتهد فاضل على طريق كتب من هذا النوع، ولعله قد أدرك الكمال في التأليف بهذا العمل الموسوعي الموجز. وأحد أهم فصوله هو الفصل الثالث ويتحدث عن علم الجينات وعلم وظائف الأعضاء وعلم الأجنة في علاقتهم بالتطور.

يتوجب الإشارة إلى أنه حيثما ترد في الترجمة كلمة (جينيّ) فهي تعني كذلك (وراثيّ)، ونادراً ما بدلت كلمة جيني Geneticبكلمة وراثي، كما في عبارة التباين الوراثي والانجراف الوراثي والدراسات الوراثية، وكثيراً ما ترجمت كلمة (بيولوجيّ) بكلمة (حيويّ)، وكلمة (كروموسوم) أو (كروموسوميّ) بكلمة (صبغيّ)، وقد راعيت الترجمة بدقة دون تغيير للمادة كما وردت وحرفياً، وإن استبدلت كلمة (الدارونية) التي استعملها الكاتب أحياناً بكلمة (نظرية التطور)، كما زودت كمترجم إلى العربية الكتاب ببضع صور إضافية كصور لبعض المتحجرات الانتقالية الهامة ونماذج لثنائية الشكل الجنسية وغيرها لإضفاء المزيد من الحيوية والمشاهدة البصرية على الكتاب كأداوت توضيحية وأدلة، وهذه الصور بلا أرقام.



تمهيد

في 20 ديسمبر من عام 2005، ككثير من العلماء في هذا اليوم، استيقظت شاعراً بالقلق، فالقاضي الفيدرالي John Jones في Harrisburg، في بنسلڤانيا، كان على وشك إعلان حكمه في القضية المرفوعة، من Kitzmiller et al ضد Dover Area School District et al مدرسة بلدة دوڤر والآخرين. لقد كانت قضية فاصلة، وحكم جون كان سيحدد كيف ستُدرِّس المدارس الأمركية التطور.

بدأت الأزمة التعليمية على استحياء، عندما واجه رجال الإدارة التعليمية في بلدة the Dover، في بنسلڤانيا، نقاشاً بصدد أي كتاب مدرسي لعلم الأحياء سيُأمر به لمنهج المدرسة العليا (الثانوية) المحلية. اقترح بعض أعضاء مجلس المدرسة المتدينين_ غير راضين بمناصرة نص الكتاب المدرسي الحالي للتطور الداروني_كتباً بديلة تحتوي فرضية الخلق الكتابية. بعد جدال محتدم، أقر المجلس قراراً يفرض على مدرسي علم الأحياء في مدرسة Dover High schoolقراءة البيان التالي على فصول الدرجة التاسعة الخاصة بهم:

"تتطلب المعايير الأكاديمية لبنسلڤانيا من الطلاب التعلم عن نظرية دارون للتطور وآخر الأمر لعمل اختبار قياسي يكون التطور جزءً منه. لأن نظرية دارون هي نظرية، فهي تستمر في أن تُختَبَر كلما اكتُشِف اكتشاف جديد. النظرية ليست حقيقة. توجد ثغرات في النظرية إذ لا يوجد لها دليل....التصميم الواعي الذكي هو شرح لأصل الحياة يختلف عن رأي دارون. إن الكتاب المدرسي (عن الباندا والناس) متاح للطلاب ليروا إن كانوا يحبون استكشاف هذا الرأي في مسعى لكسب فهم عما يشمله التصميم الذكي حقيقةً. وكما يصح قولنا بصدد أي نظرية أخرى: فالطلاب مُشجَّعون على البقاء منفتحي العقول."

أشعل هذا زوبعة نارية في القضية التعليمية. فقد استقال اثنان من أعضاء المجلس التعليمي التسعة، ورفض كل مدرسي علم الأحياء قراءة البيان على صفوفهم، محتجين بأن (التصميم الذكي) هو دين وليس علماً. وحيث أن تقديم التعاليم الدينية في المدارس الحكومية هو انتهاك لدستور الولايات المتحدة، فقد رفع أحد عشر ولي أمر غاضب القضية إلى المحكمة.

ابتدأت القضية في 26 سبتمبر عام 2005، واستمرت لستة أسابيع، وكانت مسألة حيوية، أعلنت على نحو معلَّل كـ (قضية Scopes في قرننا)، بعد المحاكمة الشهيرة في عام 1925 لمدرس المرحلة التعليمية العليا John Scopes، من Dayton, Tennessee، والتي أدين فيها لتعليمه أن البشر قد تطوروا. نزلت الصحافة القومية إلى بلدة Dover الناعسة، والتي هي منذ ثمانين سنة أبكر القرى نوماً في Dayton، حتى حفيد تشارلز دارون، برز في الحدث، باحثاُ القضية في كتاب.

لكل الأسباب فقد كانت اضطراباً. كان الادعاء بارعاًَ ومستعداً جيداً، والدفاع فاقداً البريق. اعترف العالم الألمع الشاهد الخاص بالدفاع بأن تعريفه لـ "العلم" كان متحرراً بحيث يمكن أن يشمل التنجيم. وفي النهاية، بُرهِن على أن كتاب (عن الباندا والناس) كان عملاً مدبراً مسبقاً، كتاب خَلقيّ فيه تُستبدل كلمة "الخلق" ببساطة بكلمة "التصميم الذكي".

لكن القضية لم تكن واضحة النتيجة قبل إعلانها، فإن القاضي Jones كان معيناً من قِبَل الرئيس George W. Bush، وهو متردد مخلص على الكنيسة، ومؤيد للحزب الجمهوري المحافظ، فليس بالضبط مؤيداً للتطور. حبس كل امرئ أنفاسه وانتظر بتوتر.

قبل خمسة أيام من عيد الميلاد، أعلن Jones حكمه، لصالح التطور. هو لم يصطنع الكلام، حاكماً بأن سياسة المجلس التعليمي هي واحدة من "التفاهات المفزعة"، تلك التي كذَّبها المدعى عليهم عندما ادعوا أنهم لا يقومون بتحريضات دينية، والأهم، أن التصميم الذكي كان مجرد خَلقية معادة التدوير.

"إن رأينا أن المطلع الصائب التفكير والموضوعي، بعد النظر في الملف الضخم لهذه القضية، ومسألتنا هذه، يصل إلى النتيجة الحتمية أن التصميم الذكي هو جدال لاهوتي مثير للاهتمام، إلا أنه ليس علماً...... والخلاصة، فإن تنصل المجلس التعليمي بتمييز نظرية التطور بمعالجة خاصة، يحرف مكانتها في المجتمع العلمي، ويجعل الطلاب يشكون في صحتها دون تبرير علمي، مقدماً للطلاب بديلاً دينياً متنكرً كنظرية علمية، موجهاً إياهم للتعامل مع نص خَلقي (عن الباندا والناس) كما لو أنه مرجع علمي، ويُعلِّم الطلابَ الامتناعَ عن التساؤل العلمي في فصول المدراس الحكومية، وبدلاً عن ذلك البحث عن التعاليم الدينية في كل الأمور."

ثم أيضاً انطلق Jones بخفة إلى جانب ادعاء الدفاع أن نظرية التطور متصدعة على نحو مهلك:
"بالتأكيد، فإن نظرية دارون عن التطور غير ملزمة. ومع ذلك، حقيقة أن نظرية علمية لا يمكنها علاوة على ذلك تقديم تفسير كل النقاط لا يجب أن تُستعمَل كذريعة للطعن بنظرية بديلة غير قابلة للاختبار قائمة على الدين في الحصص العلمية تحريفاً للفرضيات العلمية الراسخة."

لكن الحقيقة العلمية تُقرر من قِبَل العلماء، لا القضاة. ما قام به Jones كان ببساطة منع تشويش حقيقة راسخة من قِبَل مناوآت وثوقية ومتحيزة. ومع ذلك، كان حكمه نصراً عظيماً للمدارس الأمركية، وللتطور، وحقيقةً للعلم نفسه.

مع ذلك، فلم يكن ذلك هو وقت الشعور بالارتياح. فهذه بالتأكيد لم تكن آخر معركة سنحتاج إلى خوضها لمنع الرقابة على التطور في المدارس. فخلال أكثر من خمس وعشرين سنة من التدريس والدفاع عن التطور البيولوجي، تعلمت أن الخلقية كلعبة المهرج السمين القصير القابل للنفخ التي لعبت بها في صغري: عندما تلكمها تهبط، لكن بعد ذلك تنتفخ مجدداً. وإذا كانت قضية بلدة Dover قصة أمركية، فإن الخلقية ليست مشكلة أمركية على نحو فردي. فإن الخلقيين_الذين ليسوا بالضرورة أن يكونوا مسيحيين فقط_يرسخون مواطئ أقدامهم في أجزاء أخرى من العالم، خاصة في الولايات المتحدة، وأستراليا، وتركيا. تبدو المعركة لأجل التطور لا تنتهي. والمعركة هي جزء من حرب أوسع، حرب بين العقلانية والخرافة. إن ما هو على المحك ليس إلا العلم نفسه وكل فوائده التي يقدمها للمجتمع.

تعويذة مناوئي التطور_سواء في أمركا أو أي مكان آخر_هي نفسها دوماً: "نظرية التطور في أزمة". بما يتضمن أن هناك ملاحظات صعبة الفهم بصدد الطبيعة تتعارض مع الدارونية. إلا أن التطور هو أكثر من "نظرية"، ناهيك عن نظرية في أزمة. إن التطور حقيقة علمية. وبعيداً عن الشك المطروح منهم على الدارونية، فإن الأدلة المجموعة من قِبَل العلماء خلال قرن ونصف مضى تدعمها على نحو تام، مبرهنة أن التطور قد حدث، وأنه حدث إلى حد كبير من خلال أعمال الانتخاب الطبيعي، كما اقترح دارون.

يعرض هذا الكتاب الخطوطَ الرئيسية للأدلة على التطور. بالنسبة للذين يعارضون التطور كمسألة إيمان على نحو محض، لا كم الأدلة، فما لديهم هو اعتقاد غير قائم على العقل. أما بالنسبة للذين يجدون أنفسهم غير متأكدين، أو يقبلون التطور لكن غير متأكدين من كيفية الجدال في قضيتهم، فهذا الكتاب يعطي موجزاً بليغاً لسبب إدراك العلم الحديث للتطور كحقيقة. أقدمه على أمل أن يشاركني الناس في كل مكان تعجبي من القوة التفسيرية الشفافة للتطور الداروني، ويواجهوا معانيه الضمنية بلا خوف.

أي كتاب عن علم الأحياء التطوري هو بالضرورة تعاون، إذ الحقل يتضمن مجالات متعددة كعلم المتحجرات، والأحياء الجزيئي، وعلم الجينات، وعلم الجغرافيا الأحيائية، ولا يمكن لشخص واحد التسيد فيهم كلهم. أنا ممتن لمساعدات ونصائح الكثير من الزملاء، الذين أرشدوني بصبر وصححوا أخطائي، هؤلاء يتضمنون: Richard Abbott, Spencer Barrett, Andrew Berry, Deborah Charlesworth, Peter Crane, Mick Ellison, Rob Fleischer, Peter Grant, Matthew Harris, Jim Hopson, David Jablonski, Farish Jenkins, Emily Kay, Philip Kitcher, Rich Lenski, Mark Norell, Steve Pinker, Trevor Price, Donald Prothero, Steve Pruett-Jones, Bob Richards, Callum Ross, Doug Schemske, PaulSereno, Neil Shubin, Janice Spofford, Douglas Theobald, Jason Weir, Steve Yanoviak, and Anne Yoder . وإني لأعتذر للذين نُسِيَت أسماؤهم دون قصد، وأبرئ الجميع عدا نفسي من أي أخطاء باقية. أنا ممتن على نحو خاص لـ Matthew Cobb, Naomi Fein, Hopi Hoekstra, and Brit Smith، الذين قرؤوا المخطوطة التامة.

كان الكتاب سيكون مجدباً بشدة دون العمل الصعب والفطنة الفنية للرسام Kalliopi Monoyios. ختاماً، فإنني ممتن لوكيلي الأدبي John Brockman، الذي وافقني أن الناس يحتاجون إلى سماع الأدلة على التطور، وللمحررة من مطبعة جامعة أوكسفورد Latha Menon لمساعدتها ونصيحتها ودعمها الذي لا يكل.


مقدمة

"دارون مهم، لأن التطور مهم، التطور مهم لأن العلم مهم، العلم مهم لأنه القصة المتفوقة لدهرنا، قصة ملحمية عن من نحن، من أين أتينا، وإلى أين نمضي."

Michael Shermer

من بين كل العجائب التي اكتشفها العلم عن الكون الذي نسكن فيه، لا موضوع أثار فتنة وسخطاً أكثر من التطور. هذا ربما لأنه لا تحمل المعلومات عن أي مجرة عظيمة أو نيوترين مثل تلك المعاني الضمنية ذوات الطبيعة الشخصية. يمكن للتعلم عن التطور أن يغيرنا على نحو عميق. فهو يرينا موضعنا في كل أبهة الحياة العظيمة والرائعة. إنه يوحدنا مع كل كائن حي على الأرض اليوم ومع عشرات الآلاف من الكائنات التي انقرضت منذ زمن بعيد. يعطينا التطور الرواية الحقيقية عن أصولنا، بدلاً من الأساطير التي أرضتنا لآلاف السنين، يجد البعض هذا مرعباً بشدة، وآخرون مثيراً على نحو لا يوصف.

انتمى تشارلز دارون_بالتأكيد_إلى الفئة الثانية، وعبر عن جمال التطور في الفقرة الختامية الشهيرة لكتابه الذي كان فاتحة كل ما تلاه، كتاب (عن أصل الأنواع) عام 1859:

"هناك عظمة في هذه الرؤية للحياة، فبقدراتها العديدة المختلفة، منفوخةً في الأصل إلى أشكال قليلة أو شكل واحد، وبينما كان هذا الكوكب يدور بناء على قانون الجاذبية الثابت، من خلال بداية بسيطة إلى هذا الحد طُوِّرَت وتُطوَّر أشكال لانهائية ورائعة للغاية. لكن هناك بدرجة أكبر سبب آخر للتعجب. إذ أن عملية التطور، الانتخاب الطبيعي، الآلية التي قادت أول مجرد جزيء ناسخ لنفسه إلى تنوع ملايين المتحجرات والأشكال الحية، هي آلية ذات بساطة وجمال مذهلين. وهؤلاء هم فقط من يفهمون كيف أنه تُكشَف الرهبة النابعة من إدراك كيفية قدرة عملية مستقيمة كهذه على إنتاج صفات متنوعة على غرار زهور الأوركيد، وجناح الوطواط، وذيل الطاووس."

مجدداً في أصل الأنواع، يصف دارون_متشرباً بالأبوية الڤكتورية_هذا الشعور:
"عندما نتوقف عن النظر إلى أحد الكائنات المتعضية مثلما ينظر الإنسان الهمجي إلى إحدى السفن، على أساس أنها شيء أبعد تماماً من قدرته على الاستيعاب، وعندما نتأمل في كل تركيب معقد وغريزة معقدة على أساس أنها الخلاصة الخاصة بالعديد من الوسائل المخترَعَة، التي يكون كلٌ منها مفيداً للحائز عليه، وبنفس الطريقة التي يكون بها أي مُخْتَرَع آلي عظيم هو الخلاصة الخاصة بالعمل، والخبرة، والتفكير، وحتى التخبطات والأخطاء الخاصة بالعديد من الأفراد العاملين، وعندما نتطلع بهذا الشكل إلى كل كائن متعضي، فلنا أن نتصور المدى الأكبر للتشويق_وأنا أتكلم من واقع التجربة_التي قد تصبح عليها دراسة التاريخ الطبيعي."

نظرية دارون عن أن كل أشكال الحياة هي منتج للتطور، وأن تلك العملية قِيِدَت إلى حد بعيد بالانتخاب الطبيعي، دُعِيَت بأعظم فكرة جاءت على ذهن أي امرئ. لكنها أكثر من مجرد نظرية جيدة، أو حتى بديعة. بل هي أيضاً صحيحة. رغم أن فكرة التطور نفسها لم يكن دارون مبتكرها، فإن الأدلة الوافرة التي حشدها لصالحها أقنعت أغلب العلماء والكثير من القراء المثقفين أن الحياة في الحقيقة قد تغيرت عبر الزمن. هذا استغرق حوالي عشر سنوات فحسب بعد نشر (عن أصل الأنواع) في عام 1859. لكن لسنوات كثيرة بعد ذلك، ظل العلماء متشككين بصدد فكرة دارون الرئيسية المبتكرة: نظرية الانتخاب الطبيعي. ففي الحقيقة، لو كان هناك زمن على الإطلاق عندما كان التطور "مجرد نظرية"، أو كانت "في أزمة"، فهو النصف الأخير من القرن التاسع عشر، عندما كانت الأدلة على آلية التطور غير واضحة، والوسائل التي تعمل بها_الجينات_ كانت لا تزال مجهولة. هذا كله تم تسويته في العقود الأولى من القرن العشرين، ومنذ ذلك استمرت الأدلة على كلٍ من التطور والانتخاب الطبيعي في الارتقاء، ساحقة المعارضة العلمية للتطور. بينما كشف علماء الأحياء الكثير من الظواهر التي لم يكن دارون ليتخيلها. ككيفية تمييز العلاقات التطورية بين الكائنات من تسلسلات الحمض النووي منزوع الأكسجين DNA، فأولاً النظرية المقدمة في (أصل الأنواع) قد ترسخت بثبات. اليوم لدى العلماء يقين بالتطور بنفس القدر الذي لديهم في وجود الذرات، أو الكائنات المجهرية (الميكروبات) كسبب للأمراض المعدية.

لماذا إذن نحتاج كتاباً يقدم لنا الأدلة على نظرية صارت منذ أمد بعيد جزءً من تيار العلم؟ فمع ذلك، لا أحد كتب كتباً تشرح الأدلة على وجود الذرات، أو نظرية الجراثيم المسببة للأمراض. ما المختلف جداً بالنسبة إلى التطور؟

لا شيء، وكل شيء. صحيح أن التطور راسخ بقوة كحقيقة علمية (هو كذلك كما سنتعلم، أكثر من "مجرد نظرية" بمعنى فرض علمي)، ولا يحتاج علماء الأحياء إلى إقناع أكثر. لكن الأمور مختلفة خارج الدوائر العلمية. فبالنسبة إلى الكثيرين يزعج التطور إحساسهم بالنفس. إن كان التطور يقدم درساً، فيبدو أنه أننا لسنا فقط مرتبطين بكل الكائنات، بل نحن_مثلهم أيضاً_منتج القوى التطورية العمياء وغير الشخصية. فإن كان البشر هم فقط واحد من المنتجات الكثيرة للانتخاب الطبيعي، فربما نحن لسنا استثنائيين برغم كل شيء. يمكن تفهم لماذا هذا لا يسر تماماً الكثير من الناس الذين يعتقدون أننا جئنا إلى الوجود بطريقة مختلفة عن الأنواع الأخرى من الكائنات، كالغاية المميزة لهدف إلهي. فهل لوجودنا أي غاية أو معنى يميزنا عن الكائنات الأخرى؟ اعتقد البعض كذلك أن التطور يزيل الأخلاق. فإن كنا_برغم كل شيء_ببساطة حيوانات، فلماذا لا نتصرف كالحيوانات؟ ما الذي يبقينا أخلاقيين إن كنا لسنا أكثر من قرود ذوي أدمغة كبيرة؟ لا نظرية علمية أخرى تسبب مثل هذا الانزعاج لعوام الناس.

إنه لمن الواضح أن هذه المقاومة تنشأ إلى حد بعيد من الدين. يمكنك أن تجد أدياناً ليس فيها عقيدة الخلق ، لكنك لا تجد أبداً عقيدة الخلق دون الدين. فالكثير من المتدينين لا يعتقدون فحسب أن البشر استثنائيون، بل ينكرون حقيقة التطور بالتأكيد على أننا_كالأنواع الأخرى_مواد خلق إلهي لحظي من قِبَل الألوهية. بينما وجد الكثير من الناس المتدينين سبيلاً للمواءمة بين حقيقة التطور ومعتقداتهم الروحانية، لا توفيق مثل هذا ممكن إن التزم امرؤٌ بعقيدة الخلق المستقل لكل كائن على حدة كحقيقة حرفية. هذا سبب شدة قوة المعارضة لحقيقة التطور في الولايات المتحدة الأمركية وتركيا. حيث تتغلغل المعتقدات الأصولية. تظهر الإحصائيات بشدة مدى المقاومة التي يقوم بها الأمركيون لقبول الحقيقة العلمية البسيطة للتطور. رغم الأدلة العلمية غير القابلة للدحض أو الجدل لحقيقة التطور، فسنة تلو سنة تظهر الاستبيانات أن الأمركيين متشككون على نحو مؤسف في هذا الفرع الوحيد من علم الأحياء . في عام 2006، على سبيل المثال، طُلِب من الراشدين في 32 ولاية أن يجيبوا على التوكيد التالي: "الكائنات البشرية_كما نعرفهم_تطوروا من نوع أبكر من الحيوانات."، بالإجابة إذا كانوا يعتبرونه حقيقة، أم خطأ، أم غير متأكدين. في العصر الحاضر، هذه العبارة صحيحة تماماً، كما سوف نرى: دليل الجينات والمتحجرات يظهران أن البشر تحدروا من خط تحدر للرئيسيات، والذي انفصل عن سلفنا المشترك مع الشمبانزي منذ حوالي سبعة ملايين سنة. ورغم ذلك فإن نسبة 40% فقط من الأمركيين_أي أربعة من كل عشرة أشخاص_حكموا على الجملة بأنها صحيحة (كانت النسبة أعلى بـ 5% عام 1985). يكافئ هذا الرقم تقريبا نسبة الأشخاص الذين قالوا أنها خطأ وهي 39%، والباقون 21% هم ببساطة غير متأكدين.

هذا يصير جديراً بالملاحظة بدرجة أكبر عندما نقارن هذه الإحصائيات بالتي في البلاد الغربية الأخرى. فمن بين واحد وثلاثين أمة أخرى ممسوحة بالاستبيانات، فقط تركيا_حافلة بالأصولية الدينية_تحتل مرتبة أدنى في قبول التطور (25% يقبلون، 75% يرفضون). الأوربيون_على جانب آخر_يسجلون نسباً أفضل بكثير، بأكثر من 80% في فرنسا والدول الإسكندناڤية وأيسلاند يرون التطور كحقيقة. في اليابان 78% من الناس يوافقون أن البشر قد تطوروا. تخيل لو أن أمركا احتلت مرتبة أقرب إلى الأخيرة بين البلدان التي تقبل وجود الذرات! كان الناس سينطلقون فوراً للعمل على تحسين التعليم في علم الفيزياء.

ويتلقى التطور ضربة أكثر على مستوى أعلى عندما نصل إلى ليس تقرير إذا كان صحيحاً، بل إذا كان يجب أن يُدرَّس في المدارس الحكومية. فحوالي ثلثي الأمركيين يشعرون أن التطور إذا دُرِّس في الحصص العلمية، فيجب ان يُدرَّس الخلق كذلك. فقط 12% _واحد من كل ثمانية أشخاص_يعتقدون أن التطور يجب أن يُدرس دون إشارة لبديل خلقي. ربما جدلية "تدريس كل الجوانب" تروق للإحساس الأمركي بالمعاملة العادلة، لكن بالنسبة إلى معلم فهو أمر محبط حقاً. فلماذا تدريس نظرية مكذوبة مبنية على أساس ديني_حتى وإن تكن مصدقة على نحو عريض_جنباً إلى جنب مع نظرية علمية واضحة الصحة للغاية؟ هذا كالمطالبة بتدريس السحر والعرافة في كليات الطب جنباً إلى جنب مع الطب العلمي الحديث، أو التنجيم في حصص علم النفس كنظرية بديلة للسلوك الإنساني. ربما أكثر الإحصائيات إرعاباً هي هذه: رغم قوانين التجريم، فإن واحداً من كل ثمانية مدرسي أحياء تقريباً في المدارس العليا الأمركية يسمحون بتقديم الخلقية أو التصميم الذكي كبديل علمي صحيح للتطور. (وربما هذا ليس مذهلاً إن علمنا أن واحداً من كل ستة مدرسين يعتقدون أن الله خلق البشر بشكلهم الحالي تقريباً، منذ عشرة آلاف سنة فقط!).

على نحو مؤسف، فإن معاداة التطور التي كثيراً ما اعتُبِرت مشكلة أمركية بصورة مميزة، تنتشر الآن في بلدان أخرى، تشمل جرمانيا والمملكة البريطانية المتحدة، في المملكة المتحدة بعام 2006، سأل استفتاء عملته قناة BBC ألفي شخص أن يصفوا آراءهم في كيفية تكون الحياة وتطورها. بينما قبل 48% الرؤية التطورية، اختار 39% إما الخلقية أو التصميم الذكي، و13% لم يعرفوا. واعتقد أكثر من 40% من المستعلَمين أنه يجب تدريس الخلقية أو التصميم الذكي في حصص العلوم بالمدارس. هذا ليس مختلفاً جداً عن إحصائيات أمركا. وبعض المدارس في المملكة المتحدة تقدم فعلاً التصميم الذكي كبديل للتطور، وهو تكتيك غير قانوني في الولايات المتحدة. مع اكتساب الأصولية المسيحية موطأ قدم في جزء من أوربا، والأصولية الإسلامية المنتشرة في الشرق الأوسط، تتبع الخلقية صحوتهم. وكما كتبت، فإن علماء الأحياء الأتراك يجابِهون بحركة مقاومة ضد خلقيين مدعومين جيداً بالمال ومجعجعين في بلدهم. و_للسخرية القصوى_فقد رسخت الخلقية موطأ قدم حتى في أرخبيل الجالاباجوس (مجموعة جزر تتنوع أشكال الحياة فيها كانت عاملاً رئيسياً في بداية ملاحظة دارون لحقيقة االتطور العلمية). هناك_ في نفس الأرض التي صارت من رموز نظرية التطور، الجزر "الأيقونية" التي ألهمت دارون_ مدرسة لطائفة Seventh-day Adventist (مقدسي اليوم السابع (سبتيون) المؤمنين بقرب قدوم المسيح الثاني) توزع كتب بيولوجي خلقية غير مخففة للأطفال من كل العقائد.

عدا صراعها مع الأصولية الدينية، يحيط بنظرية التطور_عند العوام_الكثير من التشوش وعدم الفهم بسبب العوز الجاهل إلى إدراك وزن وتنوع الأدلة لصالحها. بلا شك فإن البعض ببساطة غير مهتمين. لكن المشكلة الأكثر انتشاراً من ذلك، هي عوز المعلومات. فحتى الكثير من زملائي في علم الأحياء غير محيطين علماً بالكثير من مسالك الأدلة على التطور، والكثير من طلابي الجامعيين_الذين درسوا التطور في المدارس العليا كما يُفترَض_يأتون إلى محاضراتي غير عالمين أي شيء تقريباً عن هذه النظرية الأساسية المنظمة لعلم الأحياء. وعلى الرغم من التغطية الواسعة للخلقية، وسليلها المعاصر: التصميم الذكي، لا تقدم الصحف الشعبية أي خلفية تقريباً عن سبب قبول العلماء للتطور. فلا عجب_إذن_أن الكثير من الناس يسقطون فريسة خطابة الخلقيين وعدم فهمهم المتعمد للتطور.

رغم أن دارون كان أول من جمع الأدلة على النظرية، حيث كان البحث العلمي في عصره قد اكتشف سيلاً من الأمثلة الجديدة تظهر التطور في عمله. فنحن نلاحظ أن النوع يتفرع إلى اثنين أو أكثر، ونجد المزيد والمزيد من المتحجرات احتفظت بعلامات التغير في الماضي، كديناصورات أنبتت ريشاً، وأسماك أنمت أطرافاً، وزواحف متحولة إلى ثدييات. في هذا الكتاب سأحبك سوياً كل خيوط الاكتشافات العلمية الحديثة في علوم الجينات، والمتحجرات، والجيولوجي علم طبقات الأرض، والأحياء الجزيئي، والتشريح، والتطور العلمي الذي برهن على "الختم الذي لا يُمحى" للعمليات التطورية التي اقترحها لأول مرة تشارلز دارون. سنبحث في: ما هو التطور، وما ليس هو، وكيف يتحقق المرء من صحة نظرية تغضب الكثير من العوام.

سنرى أنه بينما إدراك المعنى الكامل بالتأكيد يتطلب تغيراً عميقاً في الفكر، فهو لا يقود حتمياً إلى العواقب الرهيبة التي يصفها الخلقيون دوماً عندما يحاولون تنفير الناس من نظرية التطور العلمية. لا يتطلب الاقتناع بالتطور تحولك إلى العدمية النهلستية البائسة، أو تجريد حياتك من الغاية والمعنى. هي لا تجعلك عديم الأخلاق، ولا تقدم لك آراء ستالين أوهتلر. ولا يجب أن تدعم الإلحاد، لأن التدين المستنير لطالما وجد دوماً السبيل للتوافق مع تقدم العلوم. في الحقيقة فإن فهم التطور لابد حتماً أن يعمق ويغني إدراكنا لعالَم الأحياء ومكاننا فيه. فحقيقة أننا_كالأسود والأشجار الحمراء والضفادع_كلنا نتجنا عن التبديل البطيء لجين بآخر، منحت كلُ خطوة أفضليةً مُنتَجَة صغيرة، هي بالتأكيد أكثر إقناعاً من الأسطورة القائلة بأننا جئنا إلى الوجود فجأة من العدم، وكما العادة، صاغها دارون على نحو أفضل:

"عندما أنظر إلى كل الكائنات ليس كعمليات خلق مستقلة، بل كالمتحدرين المباشرين من بعض الكائنات القليلة منذ زمن طويل قبل ترسب أول طبقة من منظومة العصر الكامبري، فإنهم يبدون لي يصيرون مُعَظَّم

الفصل الأول
ما هو التطور؟

‘‘الجانب الغريب لنظرية التطور هو أن كل أحد يعتقد أنه يفهمها.’’

Jacques Monod

إذا كان أي شيء صحيحاً عن الطبيعة، فهو أن النباتات والحيوانات تبدو مصممة على نحو معقد وكامل تقريباً لعيش حيواتهم. فالحبار والسمك المفلطح يغيرون ألوانهم ويحاكون للانسجام مع محيطاتهم، صائرين غير مرئيين للمفترسين والفرائس. الخفافيش لديها رادار لاستهداف الحشرات ليلاً. الطيور الطنانة والتي نقدر أن تحوم في مكان وتغير موضعها في لحظة أكثر رشاقة من أي طائرة عمودية (هليكوبتر) بشرية، ولديها ألسنة طويلة لترشف الرحيق المتوضع عميقاً في الزهور. والزهور التي تزورها تبدو بدورها مصممة لاستعمال الطيور الطنانة كمساعدين لتكاثرها الجنسي بحبوب اللقاح. إذ بينما تنهمك الطيور الطنانة في رشف الرحيق، تلصق الزهورُ غبارَ الطلع بمناقيرها، ممكِّنة إياها من تلقيح الزهرة التالية التي يزورها الطائر. تشبه الطبيعة آلة مزيتة جيداً، وكل نوع هو سن عجلة أو ترس فيها.

ما الذي يبدو أن كل هذا يتضمنه؟ بالتأكيد، ميكانيكيّ رئيس. هذا الاستنتاج عُبِّر عنه بأكبر شهرة من قِبَل فيلسوف القرن الثامن عشر الإنجليزي وليَم بالي William Paley. قال إذا عثرنا على ساعة واقعة على الأرض، سندركها حتماً كعمل صانع ساعات. بطريقة مماثلة، فإن وجود الكائنات المتعضية المتكيفة جيداً وصفاتها المعقدة تتضمن بالتأكيد مُصمِّماً مُدرِكاً، سماوياً، الإله. فلننظر إلى جدلية بالي في كتابه (اللاهوت الطبيعي)، وهي واحدة من أشهر الجدليات في تاريخ الفلسفة:

"عندما نقدم على فحص الساعة، ندرك أن أجزاءها المتعددة قد شُكلت وجُمعت لهدف، على سبيل المثال، فإنها قد شكلت وضُبطت للغاية لإنتاج الحركة، وتلك الحركة مضبوطة للغاية لتعيين الساعة من اليوم، إذ لو صيغت الأجزاء المختلفة على نحو مختلف عما هم عليه، لو حجماً مختلفاً عما هم عليه، أو وُضعوا تبعاً لطريقة أخرى، أو أي ترتيب آخر غير ما هم عليه، فلا حركة كانت ستتواصل في الآلة على الإطلاق، ولا كانت ستفي بالغرض الذي تؤديه الآن.....كل دلالة على الاختراع، كل مظهر للتصميم، مما يوجد في الساعة، يوجد في أعمال الطبيعة، مع فارق، من جهة الطبيعة، كونها أعظم وأكثر، وذلك بدرجة تفوق كل حسبان."

إن الجدلية التي قدمها بالي بهذا الشكل البليغ للغاية كانت شعوراً مشتركاً وقديمة. عندما وصف هو وزملاؤه من (اللاهوتيين الطبيعيين) النباتات والحيوانات، اعتقدوا أنهم يفهرسون عظمة وإبداع الإله الظاهرة في مخلوقاته المصممة جيداً.

دارون نفسه ناهض سؤال التصميم، قبل أن يقوم بإزالته، في عام 1859م:

"فإن ذلك من شأنه أن يساعدنا ولو قليلاً في تفهم كيف تنشأ الأنواع في الطبيعة. وكيف تم اكتمال جميع هذه التكيفات الرائعة لأحد الأجزاء من نظام التعضي مع جزء آخر، ومع ظروف الحياة، وتكيف أحد الكائنات المتعضية مع كائن آخر؟ ونحن نرى هذه التكيفات المتبادلة الرائعة بصورة واضحة جداً في نقار الخشب ونبات الهدال، وبصورة واضحة أقل بقليل فقط في أكثر الطفيليات تواضعاً والتي تتعلق بالشعر الخاص بأحد الحيوانات رباعية الأرجل أو بالريش الخاص بأحد الطيور، وفي بنيان الخنفساء التي تغوص في الماء، وفي البذرة ذات الريش التي تُساق عبر الهواء بواسطة أرق النسمات، وباختصار، فإننا نرى تكيفات رائعة في كل مكان وفي كل جزء من أجزاء العالم العضوي."

كان لدى دارون جوابه الخاص على لغز التصميم. عالم طبيعة حاد الذكاء، تعلم في البدء ليصير كاهناً في جامعة كامبردج(حيث_على نحو ساخر_شغل الحجرات التي كانت لبالي سابقاً)، عرف دارون جيداً القوة المغرية لجدليات كجدلية بالي. أكثر من درس عن النباتات والحيوانات، وأكثر من تعجب من مدى ملاءمة تصميماتهم على نحو جيد مع أساليب حيواتهم. ما الذي سيكون أكثر سوية من الاستدلال على أن الملاءمة تُظهر تصميماً مُدرِكاً؟ إلا أن دارون نظر أبعد من الظاهر، مقترحاً_وداعماً بالأدلة الوافرة_فكرتين بددتا إلى الأبد فكرة التصميم المقصود. هاتان الفكرتان هما التطور والانتخاب الطبيعي. لم يكن أول من فكر في التطور، فإن عديدين قبله، بما فيهم جده هو نفسه إرازموس دارون Erasmus Darwin، بدؤوا فكرة أن الحياة قد تطورت. لكن دارون كان أول من استعمل المعطيات من الطبيعة لإقناع الناس أن التطور حقيقة، وأن فكرته عن الانتخاب الطبيعي هي قصة حقيقية. إن ما يشهد لعبقريته أن تصور اللاهوت الطبيعي، المقبول من معظم الغربيين المثقفين قبل عام 1859، قد تُغُلِّب عليه خلال سنوات قلائل فقط بكتاب واحد من خمسمئة صفحة. (عن أصل الأنواع) حوَّلَ ألغاز تنوع الحياة من الأسطورة إلى العلم الحقيقي.

إذن فما هو التطور؟(1) هذه النظرية البسيطة والجميلة بعمق، نظرية التطور بالانتخاب الطبيعي، قد أسيء فهمها في أغلب الأحيان، وحتى أحياناً حُرِّفَت بمكر، هذا جدير بالتوقف قليلاً لعرض نقاطها ودعاوها الأساسية. سنعود إلى هؤلاء مراراً كلما درسنا الدليل على كل واحد منهم.

في الأساس، فإن النظرية الحديثة للتطور سهلة الفهم. يمكن تلخيصها في جملة واحدة (وإن كانت طويلة قليلاً): تطورت الحياة على الأرض تدريجياً من نوع بدائي واحد_ربما جزيء ناسخ لنفسه_والذي عاش منذ أكثر من 3.5 مليار سنة مضت، ثم تفرع خلال الزمن، منتِجاً أنواعاً متنوعة وجديدة كثيرة، وآلية معظم التغير التطوري_لكن ليس كله_هي الانتخاب الطبيعي.

عندما نتوقف قليلاً امام هذه العبارة، نجد أنها تتألف في الواقع من ستة عناصر: التطور، والتدرجية، والاستنواع (الانقسام إلى أنواع)، والسلف المشترك، والانتخاب الطبيعي، وآليات التغير التطوري غير الانتخابية.

فلنلخص ما يعنيه كل واحد من هذه الأجزاء.

الأول هو فكرة التطور نفسها. هذا يعني ببساطة أن نوعاً يخضع لتغيرات جينية عبر الزمن. مما يعني، انه خلال أجيال كثيرة يمكن لنوع أن يتطور إلى شيء مختلف تماماً. وهذه الاختلافات تقوم على التغيرات في الحمض النووي منزوع الأكسجين DNA، والتي تنشأ كطفرات. إن أنواع الحيوانات والنباتات التي تحيا اليوم لم تكن منتشرة هنا وهناك في الماضي، بل تَحَدَّرَت من تلك التي عاشت في زمن أقدم. فالإنسان_على سبيل المثال_تطور من كائن شبيه بالقرد العلوي، لكن ليس ذات القرود العليا المعاصرة.

رغم أن كل الأنواع تتطور، فهم لا يفعلون ذلك بنفس المعدل. فالبعض_كسراطين حدوة الحصان وأشجار الجنجكو الصينية_قد تطورت على نحو ضئيل خلال ملايين السنين. لا تتنبأ نظرية التطور بأن النواع ستكون متطورة باستمرار، أو بمدى سرعة تغيرهم حينما يفعلون. فهذا يعتمد على الضغوط التطورية التي يعانونها. مجموعتان كالحيتان والبشر قد تطورتا سريعاً، بينما آخرون_كـ Coelacanth والتي تعتبر أحفورة حية_ يبدون مماثلين تقريباً لأسلافهم الذين عاشوا منذ مئات ملايين السنوات.

الجزء الثاني من نظرية التطور هو فكرة التدرجية. يستغرق الأمر أجيالاً كثيرة لإنتاج تغير تطوري ضخم، كتطور الطيور من الزواحف. تطور صفات جديدة، كالأسنان والفكين المميزين للثدييات عن الزواحف، لا تحدث في جيل واحد أو أجيال قليلة فقط، بل عادة خلال مئات أو آلاف أو حتى ملايين الأجيال. صحيح، أن بعض التغيرات يمكنها الحدوث سريعاً جداً. فأفراد الميكروبات لها أجيال قصيرة جداً، بعضها وجيز لدرجة العشرين دقيقة. هذا يعني أن هذه الأنواع يمكن أن تخضع لقدر من التغير في وقت قصير. اعتباراً للنشوء السريع على نحو محزن لمقاومة العقاقير في البكتريا والڤيروسات مسببة الأمراض. وهناك أمثلة كثيرة للتطور المعروف حدوثه خلال عمر إنسان. لكن عندما نتحدث عن تغير كبير حقيقةً، فنحن عادة نشير إلى تغير يتطلب آلافاً كثيرة من الأعوام. لا تعني التدرجية_بأية حال_أن كل الأنواع تتطور بسرعة متساوية، حيث تتفاوت الأنواع المختلفة في مدى السرعة التي تتطور بها، لذا فإن النوع الواحد يتطور أسرع أو أبطأ حسب تزايد أو تضاؤل الضغوط التطورية.

عندما يكون الانتخاب الطبيعي قوياً، مثلما عندما يستعمر حيوان أو نبات بيئة جديدة، يمكن للتغير التطوري أن يكون سريعاً. حالما يصير نوعٌ متكيفاً جيداً مع موطن مستقر، غالباً ما تخف سرعة التطور.

أما الفكرتان التاليتان فهما الوجه الآخر لنفس العملة. إنها لحقيقة جديرة بالملاحظة أن بينما هناك أنواع حية كثيرة، فإن كلنا: أنت وأنا، والفيل، والقط، والصبار الموضوع في إصيص، نتشارك بعض الصفات الأساسية. من بينها السبل الكيميائية الحيوية التي نستخدمها لإنتاج الطاقة، وحروفنا الأربعة الأساسية للحمض النووي DNA، وكيفية قراءتها وترجمتها إلى بروتينات. هذا يخبرنا أن كل الأنواع تعود إلى سلف مشترك واحد، سلف كان لديه هذه الصفات المشتركة ومررها إلى المتحدرين منه. لكن لو كان التطور يفيد تغيراً جينياً تدرجياً خلال نوعٍ فقط، لكان لدينا نوع واحد فقط اليوم، نوع وحيد متطور على نحو عالٍ متحدر من النوع الأول. لكننا لدينا الكثير: أكثر من عشرة ملايين نوع يسكن كوكبنا اليوم، ونعرف أكثر من ربع مليون منهم كمتحجرات. الحياة متنوعة. كيف نشأ هذا التنوع من نموذج سلفي واحد. هذا يتطلب الفكرة الثالثة للتطور: عن الانقسام، أو على نحو أكثر دقة: الاستنواع.

انظر إلى الشكل التوضيحي رقم1، الذي يرينا مثالاً لشجرة تطورية والتي توضح العلاقات بين الزواحف والطيور. لقد رأيناها كلنا من قبل، لكن فلنتفحصها ملياً أكثر بقليل لنفهم ما تعنيه حقيقةً.



ما الذي حدث بالضبط عندما انقسم الملتقى X_مثلاً_إلى خط التحدر المؤدي إلى الزواحف المعاصرة كالسحالي والثعابين على جانب، وإلى خط التحدر الآخر المؤدي إلى الطيور المعاصرة وأقاربهم الديناصوريين على الجانب الآخر؟ يمثل الملتقى X نوعاً سلفياً واحداً، زاحفاً قديماً، انقسم إلى نوعين متحدرين. أحد خطي مضى في طريقه النشيط الخاص، وآخر الأمر انقسم عدة مرات وأدى إلى نشأة كل الديناصورات والطيور المعاصرة. أما خط التحدر الآخر ففعل نفس الأمر، لكنه أنتج معظم الزواحف المعاصرة. غالباً ما يدعى السلف المشترك X س بـ (الحلقة المفقودة) بين المجموعتين المتحدرتين. إنه الرابط النَسَبي بين الطيور والزواحف المعاصرة، نقطة التقاطع التي ستصل إليها في النهاية لو تتبعت خطوط تحدرهم رجوعاً. هناك (حلقة مفقودة) أكثر حداثة هنا أيضاً، الملتقى Y، وهو النوع الذي كان السلف المشترك للديناصورات السائرة على رجلين آكلة اللحوم مثل Tyrannosaurus rex (كلهم منقرض اليوم) والطيور الحديثة. لكن رغم أن الأسلاف المشتركين ليسوا أحياء بيننا بعد، ومن المستحيل تقريباً توثيق متحجراتهم (ومع ذلك، يُمَثَّلون بنوع واحد فقط من آلاف في السجل الأحفوري، ويمكننا أحياناً اكتشاف متحجرات وثيقة الصلة بهم، أنواع ذوات صفات ترينا السلفية المشتركة. في الفصل القادم_على سبيل المثال_سنتعلم عن (الديناصورات المجنحة) التي تدعم وجود الملتقى X.
ما الذي حدث عندما انفصل السلف X إلى نوعين منفصلين؟ حقيقةً، لا شيء أكثر. فكما سنرى لاحقاً، الاستنواع ببساطة هو تطور مجموعات مختلفة لا يمكنها التهجن، أي مجموعات لا يمكنها تبادل الجينات. ما كنا سنراه لو عشنا بالجوار لما بدأ هذا السلف المشترك بالانقسام هو ببساطة مجموعتي سكان لنوع زاحفي واحد، ربما تعيشان في أماكن مختلفة، تبدآن في تطوير اختلافات ضئيلة أحدهما عن الآخر. خلال زمن طويل، تزداد هذه الاختلافات تدريجياً. آخر الأمر تطور مجموعتا السكان اختلافاً جينياً كافياً لكي لا يستطيع أفراد المجموعتين المختلفتين التهجن. (هناك سبل كثيرة يمكن أن يحدث بها هذا: فقد لا يجد أفراد أنواع الحيوانات بعضهم الآخر جذابين جنسياً، أو لو قاموا بالتزاوج تكون الذرية عقيمة. يمكن لأنواع النباتات المختلفة استخدام ملقحين مختلفين أو زهور في مواسم مختلفة، مانعة بذلك التلقيح التهجيني.)

بعد ملايين السنوات لاحقاً، وبعد أحداث انفصالية أكثر، أحد الأنواع المتحدرة الديناصوريةً، الملتقى Y، ذاته انقسم إلى نوعين آخرين، أحدهما أنتج كل الديناصورات السائرة على رجلين اللاحمة، والآخر أنتج كل الطيور الحية. هذه المرحلة الحاسمة في التاريخ التطوري: ميلاد سلف كل الطيور، لم تبدُ فجاتئية هكذا خلال الزمن. نحن لن نرى الظهور المفاجئ لكائنات طائرة من الزواحف، بل مجموعتي سكان مختلفتين قليلاً فحسب من نفس الديناصور، ربما اختلافاً ليس أكثر من أفراد المجموعات السكانية البشرية المتنوعة اليوم. كل التغيرات الهامة حدثت بعد آلاف الأجيال من الانقسام، عندما عمل الانتخاب في خط تحدرٍ واحدٍ منهما على ترقية الطيران، وفي آخر صفات الديناصورات منتصبة القامة. إنه فقط بإعادة النظر إلى الخَلْف يمكننا التعرف على النوع Y على أنه السلف المشترك للديناصورات منتصبة القامة والطيور. هذه الأحداث التطورية كانت بطيئة، وتبدو خطيرة فقط عندما تُنظم في تسلسل كل متحدري هذين التيارين التطوريين المتباعدين.

لكن النوع لا يحتاج دوماً إلى الانقسام، فبعض الأنواع_كما سنرى في الفصل السابع_تقوم على الظروف السامحة بتطوير اختلافات كافية لتصير غير قادرة على التهجن من بعد. وإن الأغلبية العظمى من الأنواع_أكثر من 99% منهم_تنقرض دون ترك أي متحدرين. وآخرين_كأشجار الجنجكو الصينية_تحيا ملايين السنين دون إنتاج أنواع كثيرة جديدة. فالاستنواع لا يحدث أغلب الأحيان. لكن في كل وقت ينفصل فيه نوع إلى نوعين، فهذا يضاعف فرص الاستنواع المستقبلي، بحيث يمكن لعدد الأنواع أن يزداد أسياً. ورغم أن الاستنواع بطيء، فهو يحدث غالباً على نحو كافٍ، خلال تلك العهود المتطاولة من التاريخ، هذا يمكنه أن يفسر بسهولة التنوع المذهل للنباتات والحيوانات الحية على الأرض.

كان الاستنواع هاماً جداً لدارون بحيث جعله عنوان أشهر كتبه. وقدم ذلك الكتاب بعض الأدلة على الانقسام. إن الرسم التوضيحي الوحيد في كل كتاب (عن أصل الأنواع) هو شجرة تطورية تشابه الشكل رقم 1 في كتابنا. لكن من الواضح أن دارون لم يشرح في الحقيقة كيف ينشأ النوع الجديد، إذ_مفتقداً أية معرفة بالجينات_لم يفهم في الحقيقة قط أن شرح الاستنواع يعني شرح حواجز التبادل الجيني (التهجن). بدأ الفهم الحقيقي لكيفية حدوث الاستنواع في ثلاثينيات القرن العشرين. سيكون لدي المزيد لقوله عن هذه العملية، التي هي مجال دراستي الشخصي أساساً، في الفصل السابع.

إنه لمن الواضح للذهن أنه إن كان تاريخ الحياة يشكل شجرة، تنشأ كل الأنواع فيها من جذع واحد، فإن المرء من ثم يمكنه إيجاد أصل مشترك لكل زوج من الأغصان (الأنواع الحية) بتتبع كل غصن عودة خلال فروعه حتى يتقاطعوا عند الفرع المشترك بينهم. هذا الملتقى_كما قد رأينا_هو سلفهم المشترك. وإذا كانت الحياة بدأت بنوع واحد وانقسم إلى ملايين الأنواع المتحدرة من خلال عملية تفرع، ينجم عن ذلك أن كل زوج من الأنواع يتشاركان سلفاً مشتركاً في وقت ما من الماضي. الأنواع القريبة بشدة من بعضها، مثلها مثل البشر الأقارب، لهم سلف مشترك عاش في زمن أقرب على نحو واضح، بينما السلف المشترك لأنواع بعيدة الصلة ببعضها، مثلها مثل البشر بعيدي الصلة ببعضهم، عاش في زمن أقدم من الماضي. هكذا، فإن فكرة السلف المشترك، المبدأ الرابع للتطور، هي وجه آخر لمفهوم الاستنواع. هذا يعني ببساطة أننا يمكننا دائماً النظر رجوعاً في الزمن، مستخدمين سواء تسلسلات الحمض النووي أو المتحجرات، ونجد خطوط التحدر تلتحم عند أسلافهم المشتركين.

فلنتفحص إحدى الشجرات التطورية، وهي الخاصة بالفقاريات (الشكل التوضيحي2). في هذه الشجرة وضعت بعض الصفات التي يستخدمها علماء الأحياء لاستنتاج العلاقات التطورية.


الشكل التوضيحي2: تأريخ تحدري (شجرة تطورية) للفقاريات، تظهر كيف يُنتِج التطور مجموعة تسلسلية من الصفات، وبالتالي أنواع تحتوي هذه الصفات. تشير النقاط إلى نشوء كل صفة في الشجرة. الصفات على الترتيب هي العمود الفقري والفكان والأصابع والبيض السلوي والشعر والمشيمة والأصابع المتقابلة. أما الأنواع فهي قنديل البحر وسمك الجلكي وسمكة الحمار الوحشي والسمندل والثعابين والسحالي والتماسيح والطيور والكنجارو والفئران والشمبانزي والبشر.

بداية فإن الأسماك والبرمائيات والزواحف والطيور والثدييات كلهم لديهم عمود ظهري فقري، هم (فقاريات) لذا فلابد أنهم تحدروا من سلف مشترك قد كان لديه أيضاً عمود ظهري فقري. لكن من بين الفقاريات تتحد الزواحف والثدييات (وتمتاز عن الأسماك والبرمائيات) بأن لديها (بيض سَلَوِي) أي أن الجنين محاط بغشاء ممتلئ بالسائل يُدعى السلا. لذا فلابد أن الزواحف والثدييات كان لديها سلف مشترك أكثر حداثة. سلف مشترك امتلك هو نفسه بيضة كهذه. لكن هذه المجموعة أيضاً تحتوي مجموعتين أدنيين: أحدهما نوع لديه كله شعر وحار الدماء وينتج اللبن (أي الثدييات)، والآخر محرشف بارد الدماء وينتج بيضاً مانعاً للماء (أي الزواحف). ككل الأنواع، هذا يشكل تسلسلاً متداخلاً، تسلسلاً فيه يُعاد تقسيم مجموعة كبيرة من الأنواع يتشارك أفرادها القليل من الصفات إلى مجموعات أصغر من الأنواع المتشاركة صفات أكثر، وهكذا نزولاً إلى أنواع، كالدب الأسود والدب البني الأمركي، الذين يتشاركان تقريباً كل صفاتهم.
في الحقيقة، فإن الترتيب تداخلي الصفات لأشكال الحياة قد أُدرِك منذ زمن طويل قبل دارون. ابتدأ ذلك مع عالم النباتات السويدي Carl Linnaeus عام 1635، ثم شرع العلماء في تصنيف الحيوانات والنباتات، مكتشفين أنهم باتساق يلتزمون بما سُمِيَ تصنيفاً (طبييعياً). على نحو أخاذ، فإن علماء الأحياء المختلفين أتوا بتصنيفات متطابقة تقريباً. هذا يعني أن هذه التصنيفات ليست اصطناعية ذاتية من عمل إنسان يحتاج إلى التصنيف، بل هي تخبرنا شيئاً حقيقياً وأساسياً عن الطبيعة. لكن لا أحد عرف ما هو هذا الشيء حتى جاء دارون فيما بعد، وأظهر أن ذلك الترتيب تداخلي الصفات لأشكال الحياة هو بالضبط ما يتنبأ به التطور. فالكائنات المتشاركة أسلافاً مشتركة قريبة العهد تتشارك الكثير من الصفات، بينما الذين أسلافهم المشتركون أبعد زمناً يكونون أكثر اختلافاً. إن التصنيف (الطبيعي) هو نفسه دليل قوي على التطور.

لماذا؟ لأننا لا نرى مثل هذا الترتيب التداخلي لو حاولنا ترتيب أشياء لم تنشأ يعملية تطورية للانقسام والتحدر. خذ صناديق أعواد ثقاب كرتونية، مما اعتدت على جمعها. هم لا ينتظمون في تصنيف طبيعي على نفس طريقة الأنواع الحية. يمكنك_كمثال_أن تصنف صناديق الثقاب تسلسلياً مبتدئاً بالحجم، ثم البلد المَصدر مع الحجم، اللون مع البلد، وهكذا. أو يمكنك أن تبدأ مع الأصناف المعلن عنها مصنفاً إياها من ثم باللون ثم التاريخ. هناك طرق عديدة لترتيبها، وكل امرئ سيعمل ذلك على نحو مختلف. لا يوجد نظام تصنيف يتفق عليه كل هواة التجميع. هذا لأن بدلاً من التطور، بحيث يعطي كل صندوق ثقاب النشوء لآخر مختلف عنه قليلاً، فإن كل تصميم قد صُنِع من خربشة هوى إنسان.

تتشابه صناديق الثقاب مع أنواع المخلوقات المتوقعة تحت الشرح الخلقي الكتابي لنشوء الحياة. ففي حالة كتلك، لما كان للكائنات سلفية مشتركة، بل كانوا سيكونون ببساطة نتيجة خلق لحظي لأشكال مصمَّمَة لتتلاءم مع بيئاتها. وفقاً لهذه الحبكة (السيناريو) لما كنا لنتوقع أن نرى الأنواع تنتظم في تسلسل تداخلي من الأشكال مُدرَك من قِبَل كل علماء الأحياء. (2)

حتى منذ حوالي ثلاثين عاماً مضت، استعمل علماء الأحياء صفات مرئية، مثل التركيب التشريحي ونمط التكاثر لبناء السلسلة السلفية للأنواع الحية. هذا قام على الافتراض الصائب أن الكائنات ذوات الصفات المتشابهة لها أيضاً جينات متشابهة، وبذا فهي أوثق صلة. لكننا الآن صار لدينا طريقة جديدة قوية ومستقلة لإنشاء السلسلة السلفية: يمكننا النظر مباشرة إلى الجينات نفسها. عن طريق تسلسلات الحمض النووي لأنواع متعددة وقياس درجة تشابه هذه التسلسلات، يمكننا أن ننظم علاقاتهم التطورية. هذا قد تم بتنفيذ الفرضية الصائبة تماماً بأن الأنواع التي لها تشابه حمض أميني أكثر تكون أوثق صلة ببعضها، بما يعني أن أسلافهم المشتركين عاشوا في زمن أكثر قرباً. هذه الطرق الجزيئية لم تحدث كبير تغير في أشجار الحياة المعمولة في حقبة ما قبل اكتشاف الحمض النووي، كل من الصفات المرئية للكائنات الحية وتسلسلات أحماضهم النووية تعطي عادة نفس المعلومات عن العلاقات التطورية.

تؤدي فكرة السلف المشترك على نحو طبيعي إلى تنبؤات قوية وقابلة للاختبار عن التطور. فإن كنا نرى أن الزواحف والطيور مجموعة سوياً بناءً على صفاتهم وتسلسلات أحماضهم النووية، فيمكننا التنبؤ أننا يجب أن نجد أسلافاً مشتركين لبعض الزواحف والطيور في السجل الأحفوري. مثل هذه التنبؤات قد تحققت، معطية بعض أقوى الأدلة على التطور. سنرى بعض هؤلاء الأسلاف في الفصل القادم.

الجزء الخامس من النظرية التطورية هو ما رآه دارون بوضوح كأعظم إعجازه العلمي: فكرة الانتخاب الطبيعي. هذه الفكرة في الحقيقة لم ينفرد بها دارون، فإن معاصره عالم التاريخ الطبيعي ألفرد راسل والِس Alfred Russel Wallace توصل إليها في نفس الوقت تقريباً، مؤديين إلى واحد من أعظم الاكتشافات التاريخية المتزامنة في تاريخ العلم. إلا أن دارون كان له نصيب الأسد لأنه في كتاب (عن أصل الأنواع) طور فكرة الانتخاب الطبيعي بتفصيل عظيم، معطياً الأدلة عليه، ومستكشفاً نتائجه الكثيرة.

لكن الانتخاب الطبيعي كذلك كان الجزء من النظرية التطورية الذي اعتُبِر الأكثرَ ثوريةً في عصر دارون، ولا زال مزعجاً للكثيرين. الانتخاب الطبيعي فكرة علمية ثورية ومقلقة على السواء لنفس السبب: أنها تفسر التصميم الظاهر في الطبيعة بعملية مادية صرفة لا تتطلب خلقاً أو توجيهاً من قوى فوق طبيعية.

فكرة الانتخاب ليست عسيرة على الفهم. إذا تباين الأفراد في نوع جينياً أحدهم عن الآخر، وكان بعض هذه الاختلافات يؤثر على قدرة الفرد على البقاء والتكاثر في بيئته، من ثم فإنه في الجيل التالي سيكون للجينات المؤدية إلى بقاء وتكاثر أعلى نسخ أكثر مقارنة بالجينات التي ليست جيدة هكذا. وبمرور الزمن، ستصير المجموعة تدريجياً متلاءمة مع بيئاتها أكثر فأكثر بسبب نشوء طفرات وراثية مفيدة وانتشارها في المجموعة، بينما الطفرات الضارة تُستأصَل. وآخراً، تنتج هذه العملية كائنات متكيفة جيداً مع مواطنها وأساليب حيواتها.

هاكَ مثالاً بسيطاً: استوطن الماموث المكسو بالفرو الأجزاء الشمالية من أوراسيا وشمال أمركا، وكان متكيفاً للبرودة بإنتاج غطاء سميك من الشعر (عُثِر على عينات متجمدة كاملة منه مدفونة في التندرة، Tundra منطقة خالية من الأشجار تقع بين المنطقة المتجمدة وخط الأشجار في المنطقة المتجمدة الشمالية وأرضها دائمة التجمد)(3). ربما انحدر من أجداد للماموث كان لديها شعر قليل، كالفيلة المعاصرة. أدت الطفرات الوراثية في النوع السلفي إلى أن يكون بعض أفرد الماموث_كبعض البشر المعاصرين_أشعر من الآخرين. عندما صار المناخ بارداً، وعندما انتشر النوع في مناطق أكثر شماليةً، كان الأفراد القاسو الشعر أفضل قدرة على احتمال بيئاتهم القارصة البرودة وتركوا ذرية أكثر من نظرائهم الأكثر جرودة. هذا أغنى المجموعة بجينات كثرة الشعر. في الجيل التالي، سيكون الماموث المتوسط أشعر قليلاً من السابق. فلتستمر هذه العملية خلال بضعة آلاف الأجيال، ويُستبدَل الماموث الأجرد بآخر أشعث. ولتؤثرْ العديد من الصفات المختلفة على مقاومته للبرد (على سبيل المثال: حجم الجسد، كمية الشحم، وهكذا)، وهذه الصفات تتغير بتزامن.

العملية بسيطة على نحو ملاحظ. فهي تتطلب فقط أن يتباين أفراد النوع جينياً في قدرتهم على البقاء أحياء والتكاثر في بيئتهم. مسلِّمين بهذا، فإن الانتخاب الطبيعي والتطور حتميان. كما سنرى، فإن هذا المُتَطَلَّب نجده في كل نوعٍ قد فُحِصَ. وبما أن الكثير من الصفات يمكن أن تؤثر في تكيف الفرد مع بيئته (ملاءمته)، فإن الانتخاب الطبيعي يمكنه_عبر الدهور_نحت حيوان أو نبات إلى شيءٍ يبدو مُصَمَّماً.

إنه من الهام إدراك_مع ذلك_أن هناك اختلافاً حقيقياً فيما نتوقع أن نراه لو كانت الكائنات قد صُمِّمَتْ بإدراك، على العكس مما لو كانوا تطوروا بالانتخاب الطبيعي. فالانتخاب الطبيعي ليس مهندساً أعظم، بل سمكري. فهو لا يُنتِج الكمالَ المطلق الذي يمكن تحقيقه من قِبَلِ مُصَمِّمٍ يبدأ بالرسم أولاً، بل هو أفضل ما يمكن عمله فحسب مع ما لديه ليعمل عليه فعلياً. لا يمكن أن تحدث طفرات وراثية لتصميم كامل لأن الطفرات ببساطة نادرة جداً. وحيد القرن الإفريقي، بقرنيه المتعاقبين، ربما يكون أفضل تكيفاً لحماية نفسه والنزاع مع رفقائه من وحيد القرن الهندي، الذي له قرن واحد (حقيقةً، هي ليست قروناً حقيقية، بل شعر مدموج)، لكن ربما ببساطة لم تنشأ بين وحيدي القرون الهنديين طفرة تنتج قرنين. يظل مع ذلك قرن واحد أفضل من انعدام القرون. وحيد القرن الهندي أفضل من سلفه غير الأقرن، إلا أن أحداث التاريخ الجيني قد تؤدي إلى ما هو أقل من "التصميم" الكامل، و_بالتأكيد_كل شاهد من نبات أو حيوان تُطُفِلَ عليه أو مرض يمثل إخفاقاً في التكيف. وبطريقة مماثلة لكل أسباب الانقراض، والذين يمثلون بأكثر من 99% من الأنواع التي عاشت من قبل. (هذا_بذكر الشيء بالشيء_يطرح مشكلة شنيعة لنظريات التصميم الذكي اللاهوتية. فإنه لا يبدو ذكياً جداً تصميم ملايين الأنواع مقدر لها أن تنقرض، ثم استبدالهم بآخرين، أنواع مماثلة، معظمهم أيضاً سينقرض. مؤيدو التصميم الذكي لم يجتهدوا قط للتفكير في تلك المعضلة).

يجب أن يعمل الانتخاب الطبيعي على تصميم الكائن ككل، مما يعني حلاً وسطاً (تسوية) بين التكيفات. إن إناث السلاحف البحرية تحفر أعشاش بيضها على الشاطئ بزعنفتيها. وهي عملية شاقة بطيئة وخرقاء تعرِّض بيضها للمفترسين. كان امتلاك زعانف شبيهة بالمجارف سيساعدها على الأداء على نحو أفضل والعمل أسرع، لكن حينئذٍ لما استطاعوا السباحة بنفس الجودة. مصمِّم حي الضمير كان ليعطي السلاحف البحرية زوجاً إضافياً من الأطراف، ذا لاحقتين شبيهتين بالمجارف قابلة للانسحاب، لكن السلاحف البحرية_ككل الزواحف_ملتصقة بنموذج تنموي يحدد أطرافهم بأربعة.

الكائنات ليست فقط تحت رحمة حظ انجراف الطفرة (انتشار الطفرة المفيدة في سائر مجموعة النوع)، بل هم أيضاً مقيدون بتاريخهم النشوئي والتطوري. الطفرات الوراثية هي تغيرات في الصفات الموجودة فعلياً. الطفرات لا تخلق أبداً تقريباً صفات جديدة تماماً كالعلامة التجارية. هذا يعني أن التطور يجب أن يبني أنواعاً جديدة انطلاقاً من تصميم أسلافها. التطور هو كمعماري لا يمكنه تصميم بناية بالرسم، بل يجب أن يبني كل مُنشَأ جديد بالتكيف مع بناء أسبق وجوداً، مُبقياً المنشأ صالحاً للسكن طوال الوقت. هذا يؤدي إلى بعض الحلول الوسطى. فنحن البشر _كمثال_ سنكون أفضل حالاً لو تكونت خصانا مباشرة خارج الجسد، حيث درجة الحرارة الأخفض أفضل للحيوانات المنوية. (4) رغم ذلك، فإن الخصيتين تبدآن نشوءهما في البطن. عندما يكون عمر الجنين المتعضي ستة أو سبعة شهور، تهاجران نازليتين إلى كيس الصفن من خلال قناتين تُدعيان القناتين الأُرْبِيتين أو المغبنيتين، مبعداً إياهما عن حرارة باقي الجسد المدمرة. تترك هاتان القناتان نقاطاً ضعيفة في بنيان الجسد مما يجعل الرجال عرضة لحالات الفتق الأربي. حالات الفتق تلك سيئة: إذ يمكن أن تسد المعى، وفي بعض الأحيان تسبب الوفاة في سنوات ما قبل الجراحة. لا مصم ذكي كان ليعطينا هذه الرحلة المتعرجة للخصيتين، إننا ملتصقون بها لأننا ورثنا برنامجنا النشوئي من أسلاف شبيهة بالسمك، الذين تتطورت غددهم التناسلية، وظلت على نحو كامل في البطن. نحن بدأنا النشوء ذوي خصى باطنية لشبه سمك، ثم تطور متحدرونا لاحقاً إلى الخصى الخارجية، كإضافة خرقاء.

لذا فإن الانتخاب الطبيعي لا ينتج الكمال، بل فقط تطويرات على ما وُجدَ من قبل. إنه يُنتِج الأكثر ملاءمةً مما قبل، لا الأكثر ملاءمة على الإطلاق. ورغم أن الانتخاب الطبيعي يعطي مظهر التصميم، فهذا التصميم أغلبَ الأحيان غير متسم بالكمال. بشكل آخر، إنه بهذه العيوب سنجد دليلاً على التطور، كما سنرى في الفصل الثالث.

هذا يأتي بنا إلى آخر نقاط النظرية التطورية الستة: العمليات الأخرى غير الانتخاب الطبيعي التي تلعب دوراً في التغير التطوري. أهمها هو تغير عشوائي بسيط في نسب الجينات السبب فيه هو حقيقة كون الأسر المختلفة لها أعداد مختلفة من النسل. هذا يؤدي إلى تغير عشوائي لا يمكنه عمل شيء بصدد التكيف، لكونه عشوائياً. تأثير هذه العملية على التغير التطوري الهام_مع ذلك_على الأرجح ثانوي، لأنها ليس لديها قوة الانتخاب الطبيعي المُقولِبة. يظل الانتخاب الطبيعي هو العملية الوحيدة التي يمكنها إنتاج التكيف. ومع ذلك_كما سنرى في الفصل الخامس_ فإن الانجراف الجيني ربما لعب بعض الدور التطوري في المجموعات الصغيرة وربما أسباباً لبعض الصفات غير التكيفية للحمض النووي.

هذه_إذن_هي النقاط الست للنظرية التطورية.(5) بعض النقاط مترابطة على نحو أساسي. فلو كان الاستنواع صحيحاً_كمثال_فإن السلفية المشتركة لابد أن تكون صحيحة أيضاً. لكن بعض النقاط مستقلة عن بعضها. فقد يحدث التطور_كمثال_دون أن يحتاج إلى التدرج دوماً. اعتقد بعض (الطفريين) في أوائل القرن العشرين أنه يمكن لنوع فوراً إنتاج نوع آخر مختلف جذرياً بواسطة طفرة واحدة ضخمة. عالم الحيوان الشهير Richard Goldschmidt _على سبيل المثال_جادل ذات مرة بأن أول كائن قابل للتعريف كطائر ربما فقس من بيضة زاحف لا لبسَ فيه. مثل هذه الادعاآت يمكن اختبارها (تفنيدها). تتنبأ النظرية الطفرية بأن الأنواع الجديدة يجب أن تنشأ فورياً من أخرى أقدم، بلا حلقات انتقالية في السجل الأحفوري. لكن المتحجرات تخبرنا أن هذه ليست الطريقة التي يعمل بها التطور. ومع ذلك، تُظهر مثل هذه الاختبارات أن الأجزاء المختلفة من نظرية التطور يمكن اختبار كل منها على نحو مستقل.

بالأحرى، إن يكن التطور قد يكون صحيحاً ، فإن الانتخاب الطبيعي ليس كنفس الحالة. كثير من علماء الأحياء_كمثال_اعتقدوا أن التطور يحدث من قِبَل قوة غامضة أو غائية: قيل أن الكائنات لديها "قيادة داخلية" تجعل الأنواع تتغير في اتجاهات معينة مأمور بها. وقيل أن هذا النوع من القيادة دفع تطور الأسنان النابية الضخمة للنمر سيفي الأنياب، جاعلاً الأنياب تصير أكبر فأكبر، بغض النظر عن فائدتها، حتى لم يعد الحيوان يستطيع إغلاق فمه ومات نوعه جوعاً فانقرض. إلا اننا نعلم اليوم أنه لا دليل على هذه القوى الغائية. لم تمت النمور سيفية الأنياب في الحقيقة جوعاً، بل عاشت هانئة بأنيابها الكبيرة لملايين السنين، قبل أن تنقرض لأسباب أخرى. إلا أن حقيقة أن التطور قد يكون له أسباب مختلفة هو أحد أسباب قبول علماء الأحياء التطور لعقود عديدة قبل قبول الانتخاب الطبيعي. لكن هنا عبارة لازمة هامة ومسموعة بشكل عاميَ: "التطور مجرد نظرية، أليس كذلك؟"

متحدثاً إلى مجموعة إنجيلية في تكساس عام 1980، وصف المرشح الرئاسي رونالد ريجان التطور هكذا: "حسناً، إنها نظرية، إنها نظرية علمية فقط، وقد عورِضت في السنوات المعاصرة في عالم العلم ولم يُعتقَد بها حتى الآن في المجتمع العلمي كصحيحة كما اعتُقِد بها قديماً."

الكلمة الأساسية في هذا الاقتباس هي "فقط". نظرية فقط. التضمين أن هناك شيئاً ما ليس صحيحاً تماماً بصدد كلمة نظرية، أنه مجرد تخمين، وخاطئ جداً على الأرجح. في الحقيقة، فإن المفهوم اليومي العامي لكلمة (نظرية) هو (تخمين) أو افتراض، كما في جملة: (نظريتي أن Fred متيم بـSue )، لكن في العلم تعني كلمة (نظرية) شيئاً مختلفاً تماماً، موصلاً ثقةً أبعد من ذلك ودقة صارمة، أكثر من نزوة تخمين بسيط.

وفقاً لقاموس أُكسفورد للإنجليزية Oxford English Dictionary، النظرية العلمية هي: "جملة لما يعتبر قوانين عامة، أو مبادئ، او أسباب لشيء معروف أو مُلاحَظ." هكذا يمكننا الحديث عن (نظرية الجاذبية) كفرضية أن كل الأشياء ذوات الكتلة تجذب بعضها البعض وفقاً لعلاقة دقيقة تتضمن المسافة بينهم. أو نتحدث عن (نظرية النسبية) التي تضع مزاعم محددة عن سرعة الضوء وتقوس الفضاء والزمن.

هناك نقطتان أريد أن أشدِّد عليهما هنا. أولاً، في العلم، نظرية تعني أكثر من مجرد تخمين لما هي الأشياء عليه: إنها مجموعة مدروسة جيداً من الافتراضات تهدف إلى شرح الحقائق عن العالم الحقيقي. (النظرية الذرية) ليست فقط جملة أن (الذرات موجودة): فهي جملة عن كيفية تفاعل الذرات مع بعضها البعض، مكونةً مركبات، ومتصرفة كيميائياً). بالمثل، فإن نظرية التطور أكثر من مجرد جملة: (التطور قد حدث): إنها مجموعة من المبادئ المدعومة على نحو شامل بالتوثيقات، لقد شرحت الستة مبادئ الرئيسية، التي تشرح كيف ولما يحدث التطور.

هذا يأتي بنا إلى النقطة الثانية. لكي تُعتبر نظريةٌ علميةً، فلابد أن تكون قابلة للاختبار وتقوم بتنبؤات يمكن إثباتها. بما يعني، يجب أن نكون قادرين على عمل ملاحظات على العالم الحقيقي والتي إما تثبتها أو تدحضها. فقد كانت النظرية الذرية في البداية تأملية (على يد فلاسفة اليونان)، لكنها اكتسبت مصداقية أكثر فأكثر بسبب تراكم المعطيات من علم الكيمياء، داعمة وجود الذرات. ربما أننا لم نكن نستطيع رؤية الذرات حتى اختُرِع استعمال المجهر ذي المجس الماسح في عام 1981(وتحت المجهر تبدو فعلاً كشكل الكرات الصغيرة التي نتخيل)، كان العلماء مقتنعين تماماً منذ وقت طويل قبل أن تصير الذرات حقيقة. على نحو مماثل، فإن نظرية جيدة تقوم بتنبؤات عما سنجده لو نظرنا ملياً أكثر للطبيعة. فإن بدت هذه التوقعات للعيان، فهي تعطينا ثقة أكثر بصحة النظرية. اقتُرِحت نظرية أينشتاين العامة للنسبية في عام 1915، وتنبأت بأن الضوء ينحني حين يمر بجوار جسم سماوي كبير. (لنكون تقنيين، جاذبية جسم كهذا تحرف الفضاء-الزمن، مما يحرف سبيل الفوتونات المجاورة). على نحو مؤكد كفاية، أثبت Arthur Eddingtonهذا التنبؤ في عام 1919، برؤيته_خلال كسوف شمسي_أن الضياء القادة من النجوم البعيدة كانت تنحرف حين تمر بجوار الشمس، مغيرة المواضع المرئية للنجوم. فقط عندما أُثبِتَ هذا التنبؤ بدأت نظرية أينشتاين تُقبَل على نحو واسع.

لأن (نظرية) تُقبَل كـ (حقيقة) فقط عندما تُختبَر توكيداتها وتنبؤاتها مراراً وتكراراً، وتؤكَد على نحو متكرر، ليس هناك لحظة واحدة تتحول فيها نظرية علمية فجأة إلى حقيقة علمية. تصير نظريةٌ حقيقةً (أو صحيحة) عندما تتراكم أدلة كثيرة لصالحها، ولا يكون هناك دليل حاسم ضدها. إلى حد أن يقبلها كل الناس العقلانيين فعلياً. هذا لا يعني أن نظرية (حقيقية) لن تُدحَض أبداً. فكل الحقائق العلمية هي مؤقتة، خاضعة للتعديل في ضوء الأدلة الجديدة. ليس هناك جرس إنذار يصدر ضجيجاً ليخبر العلماء أنهم أخيراً قد توصلوا إلى الحقائق النهائية غير القابلة للتغيير عن الطبيعة. وكما سنرى، فإنه من الممكن رغم آلاف الملاحظات التي تدعم التطور، قد يُظهِر معطى جديد أن التطور خطأ. أعتقد أن هذا غير محتمل، لكن العلماء_على عكس المتعصبين_لا يقدرون أن يتحملوا أن يصيروا متكبرين بصدد ما يقبلونه كحقيقة.

في عملية الصيرورة إلى حقائق_أو وقائع_تُختَبَر النظريات العلمية عادة ضد النظريات البديلة. فمع ذلك، هناك عادة تفاسير عديدة لظاهرة مُسَلَّم بها. يحاول العلماء عمل ملاحظات أساسية، أو يقومون بتجارب حاسمة، تختبِر تفسيراً منافساً ضد الآخر. لسنوات كثيرة، اعتُقِد أن مواضع أجزاء الأرض هي نفسها خلال تاريخ الحياة. لكن في عام 1912، جاء عالم طبقات الأرض (الجيولوجي) الجرماني Alfred Wegener بنظرية (الانجراف القاري) المنافسة مقترحةً أن القارات قد تحركت. مبدئياً، أُلهِمَتْ نظريته بملاحظة أن أشكال القارات كأمركا الجنوبية وإفريقيا يمكن أن تُلاءَم مع بعضها كقطع أحزورة ترتيب أجزاء الصورة. ثم صارت نظرية الانجراف القاري أكثر يقيناً عندما تراكمت المتحجرات المكتشفة ووجد علماء المتحجرات أن توزع الأنواع القديمة يقترح أن القارات كنَّ واحدة متحدة. لاحقاً، اقتُرِح (الاضطراب البنيوي للصفائح) على أنه آلية التحرك القاري، تماماً مثلما اقتُرِح الانتخاب الطبيعي على أنه آلية التطور. تتصلب الصفائح البنيوية للأرض بشكل قشرة وتطفو على سطح مادة أكثر سيولة في لب الأرض. ورغم أن نظرية الاضطراب البنيوي للصفائح استُقبِلَت بتشكك الجيولوجيين، فقد خضعت لاختبارات صارمة في نواحٍ عديدة، مانحة الأدلة المقنعة على صحتها. اليوم، بفضل تقنية القمر الصناعي لتحديد المواقع، يمكننا حتى أن نرى القارات تتحرك مبتعدة عن بعضها، بسرعة 2 إلى 4 بوصات في السنة، حوالي نفس معدل نمو أظافر أصابعك. (هذا_على ذكر الشيء بالشيء_ متحد مع الأدلة ضد زعم الخلقيين "صغر عمر الأرض" حيث يزعمون أن عمرها ما بين ستة إلى عشرة آلاف سنة فقط. إن كانت هذه هي الحالة، لكنا بوسعنا أن نقف على الشاطئ الغربي لإسبانيا ونرى أفق مدينة نيويورك، لأن أوربا وأمركا كانت لتكونا قد تحركتا أقل من ميل واحد بعيداً عن بعضهما).

عندما كتب دارون (أصل الأنواع)، كان أغلب العلماء الغربيين_وتقريباً كل أحدٍ آخر_خلقيين. بينما قد لا يقبلون كل تفصيلة تظهر في سفر التكوين، فإن أغلبهم اعتقد أن الحياة قد خُلِقَت بشكلها الحالي تقريباً، مَصَمَّمَة من قِبَل خالق كلي القدرة، ولم تتغير منذ ذلك. في (أصل الأنواع) ، قدم دارون نظرية بديلة لنشوء وتنوع وتصميم الحياة. يقدم أغلب ذلك الكتاب أدلة ليس فقط التطور بل في نفس الوقت تدحض مذهب الخلقية. في عصر دارون، كانت الأدلة على نظرياته قد سيطرت لكن لم تُحسَم على نحو كامل. يمكننا أن نقول_من ثم_أن التطور كان نظرية (وإن كانت نظرية مدعومة بقوة) عندما اقتُرِحَت لأول مرة من قِبَل تشارلز دارون، ومنذ عام 1859 تقدمت إلى (مرحلة الحقيقة) إذ تراكمت أدلة داعمة أكثر فأكثر. لا يزال التطور يدعى (نظرية)، تماماً مثل نظرية الجاذبية، لكنها نظرية هي أيضاً حقيقة.

إذن، كيف نختبر النظرية التطورية ضد الرؤية العامية التي لا تزال بأن الحياة قد خُلِقَت وظلت بلا تغير من بَعدُ؟ هناك في الواقع نوعان من الأدلة: الأول يأتي من استعمال المبادئ الستة لنظرية التطور لعمل تنبؤات قابلة للاختبار. لا أعني بكلمة تنبؤات أن نظرية التطور يمكنها التنبؤ بكيف ستتطور الكائنات في المستقبل. بالأحرى، فهي تتنبأ بما سوف نجده في الأنواع الحية أو المنقرضة عندما ندرسهم. ها هنا بعض التنبؤات التطورية:

- بما أن هناك متحجرات بقيت من أشكال الحياة القديمة، فيجب أن نكون قادرين على العثور على بعض الأدلة على التغير التطوري في السجل الأحفوري. إن أعمق (وأقدم) طبقات الصخر ستحتوي على متحجرات لأنواع أكثر بدائية، وبعض المتحجرات يجب أن تصير أكثر تعقيداً كلما صارت طبقات الصخر أحدث، مع كائنات مشابهة للأنواع المعاصرة الموجودة في أكثر الطبقات حداثة. ويجب أن نرى بعض الأنواع تتغير عبر الزمن، مشَكِّلة خط تحدر يرينا "سلالة مع التعديل" أو بمعنى آخر تكيف.

- يجب أن نكون قادرين على العثور على بعض حالات الاستنواع في السجل الأحفوري، مع خط تحدر واحد ينقسم إلى اثنين أو أكثر. ويجب أن نكون قادرين على العثور على أنواع جديدة تتكون في الطبيعة.

- يجب أن نجد أمثلة على أنواع تربط المجموعات الرئيسية التي يُظَن أنها لها سلف مشترك ببعضها البعض، كالطيور مع الزواحف، والأسماك مع البرمائيات. علاوة على ذلك، فإن هذه "الحلقات المفقودة" أو بمصطلح أكثر ملاءمة تدعى "الأشكال الانتقالية" يجب أن تظهر في طبقات الصخر التي تؤَرَّخ بالزمن الذي يُفترَض أن المجموعتين انفصلتا فيه.

- نتوقع أن تُظهِر الأنواع تبايناً جينياً في الصفات العديدة (وإلا لما كانت هناك إمكانية لحدوث التطور).

- العيوب هي علامة التطور، لا التصميم المُدرِك. يجب إذن أن نكون قادرين على إيجاد حالات تكيف معيبة، لم يكن التطور فيها قادراً على أن ينجز نفس درجة المثالية كما كان ليفعل خالقٌ.

- يجب أن نرى الانتخاب الطبيعي يعمل في الطبيعة.

بالإضافة إلى هذه التنبؤات، يمكن أن يُدعَم التطور أيضاً بما أسميه (التنبؤات الارتجاعية): أي الحقائق والمعطيات التي ليست بالضرورة يُتَنَبَّأ بها بنظرية التطور، لكن يصير لها منطق فقط في ضوء نظرية التطور. التنبؤات الارتجاعية أسلوب صحيح لعمل العلم، فعلى سبيل المثال، بعض الأدلة التي تدعم (الاضطراب البنيوي لصفائح الأرض) أتت فقط بعدما عرف العلماء كيف يقرؤون التغيرات القديمة في اتجاه المجال المغناطيسي للأرض من عينات صخور على قاع البحر. تتضمن بعض التنبؤات الارتجاعية التي تدعم التطور (كنقيض للخلق الخاص) نماذج من توزع الأنواع على سطح الأرض، وسمات كيفية تطور الكائنات من الأجنة، ووجود سمات أثرية ليس لها فائدة واضحة. هذه هي مواضيع الفصلين الثالث والرابع.

إذن، تتنبأ النظرية التطورية بتنبؤات ظاهرة وواضحة. قضى دارون حوالي عشرين عاماً يجمع الأدلة على نظريته قبل أن ينشر (أصل الأنواع). ذلك كان منذ أكثر من 150 عاماً مضت. كثير من المعارف العلمية قد تراكمت منذ ذلك! كثير من المتحجرات قد وُجِدَت، كثير من الأنواع جُمِعت ورُسِمت توزيعاتها على خريطة العالم، كثير من الأعمال أكثر في كشف اللثام عن العلاقات التطورية بين الأنواع المختلفة. ونشأت كل فروع العلوم التي لم يحلم بها دارون، بما في ذلك علم الأحياء الجزيئي وتصنيف الكائنات (دراسة العلاقات التطورية بين الكائنات المتعضية).

كما سوف نرى، فكل الأدلة_القديمة والحديثة على السواء_تقود على نحو لا يمكن تجنبه إلى الاستنتاج بأن التطور حقيقة.
















الفصل الثاني
مكتوب في الصخور

‘‘قشرة الأرض هي متحف ضخم، بل المجموعات الطبيعية قد عُمِلَتْ فقط خلال مدد من الدهر بعيدة على نحو هائل.’’

تشارلز دارون، في كتاب (عن أصل الأنواع)

قصة الحياة على الأرض مكتوبة في الصخور، صحيح أنه كتاب تاريخ مُزِّقَ ولُوِيَ، مع بقايا صفحات مبعثرة هنا وهناك، لكنه هناك، وأجزاء هامة منه لا تزال واضحة. لقد عمل علماء المتحجرات بلا كلل لتجميع الأدلة المادية التاريخية على التطور: السجل الأحفوري.

عندما نعجب بمتحجرات تأخذ الأنفاس كهياكل الديناصورات الضخمة التي تُشرِّف متاحفنا للتاريخ الطبيعي، من السهل نسيان كم من الجهود بُذِلت لاكتشاف واستخراج وتحضير ووصف إياهم. أعمارٌ انقضت، وبعثات مكلفة ومغامِرة إلى أجزاء العالم البعيدة والقاسية غير المرحبة، كثيراً ما اشتملها الأمر. فزميلي في جامعة شيكاجو Paul Sereno_كمثال_يدرس الديناصورات الإفريقية، وأغلب المتحجرات الهامة يوجد في وسط الصحراء الكبرى تماماً. واجه هو وزملاؤه المشاكل السياسية واللصوص والمرض، وبالتأكيد شدائد الصحراء نفسها لاكتشاف أنواع جديدة وجديرة بالملاحظة مثل Afrovenator abakensis & Jobaria tiguidensis، وهما عينتان ساعدتا على إعادة كتابة قصة تطور الديناصورات.

مثل هذه الاكتشافات تستلزم تكرساً حقيقياً للعلم، وسنوات كثيرة من العمل المجتهد والمثابرة والشجاعة، بالإضافة إلى جرعة وافرة من الحظ. لكن كثيراً من علماء المتحجرات يغامرون بحيواتهم لأجل لُقى كهذه. بالنسبة لعالم أحياء، فالحفريات قيِّمة كتُبْر الذهب. فبدونهم، لكان لدينا مختصر تخطيطي ناقص فقط للتطور. وكل ما كنا سنستطيع حينئذ فعله هو دراسة الكائنات الحية ومحاولة تخمين العلاقات التطورية من خلال التشابهات في الشكل والتنمي الجنيني وتتابعات الحمض النووي. كنا سنعرف_على سبيل المثال_أن الثدييات أوثق قرابة إلى الزواحف من البرمائيات. لكننا لم نكن سنعرف كيف كان يبدو شكل أسلافهم المشتركين. لم نكن ستكون لدينا أدنى معرفة عن الديناصورات العملاقة، التي بعضها بكبر الشاحنات الحاوية، أو عن أسلافنا الأوسترالوبيثيكيين (القردة الجنوب إفريقية) الصغار الأدمغة، لكنهم مشوا منتصبي القامة. كثير مما كنا سنريد معرفته عن التطور كان سيظل غامضاً. لحسن الحظ، فإن التقدم في علوم الفيزياء وطبقات الأرض والكيمياء الحيوية، بالإضافة إلى شجاعة ومثابرة علماء في كل مكان في العالم، قد قدَّمت هذه البصائر الثمينة للماضي.

عمل السجل الأحفوري

عرف البشر المتحجرات منذ الأزمان القديمة: فقد وصفهم أرسطوطاليس، وربما تكون متحجرات الديناصور المنقاري Protoceratops قد أنشأت فكرة حيوان الغرِفين griffin الأسطوري عند اليونان القدماء. إلا أن المغزى الحقيقي للمتحجرات لم يُدْرَك حتى وقتٍ لاحق أكثر. وحتى في القرن الثامن، فُسِّروا ببساطة وتبرير كمنتجات قوى فوق طبيعية، لكائنات دُفِنَت في طوفان نوح، أو بقايا كائنات لا زالت حية مستوطنة في أجزاء الكرة الأرضية القصية والمجهولة.

لكن ضمن هذه البقايا المتحجرة يوجد تاريخ الحياة. كيف يمكننا أن نكتشف ذلك التاريخ؟ بدايةً_بالتأكيد_نحتاج المتحجرات، أعداد وافرة منهم. ثم نحتاج إلى وضعهم في الترتيب الصحيح، من الأقدم إلى الأحدث. ثم يجب أن نكشف متى كُوِّنت بالضبط. كلٌ من هذه المتطلبات يأتي بمجموعته الخاصة من التحديات.

إن عملية تشكل المتحجرات ذات خط مستقيم، لكنها تتطلب مجموعة دقيقة جداً من الشروط. فأولاً، يجب أن تجد بقايا الحيوان أو النبات سبيلها إلى الماء، راسبة إلى القاع، وتصير مغطاة بسرعة بالرواسب لكي لا تُبْلَى أو تبعثرها الحيوانات القمَّامة. نادراً جداً فحسب أن تصل نباتات أو كائنات برية ميتة إلى قاع بحيرة أو محيط. وهذا هو سبب كون معظم متحجراتنا التي لدينا هي لكائنات بحرية، والتي عاشت على أو في قاع المحيط، أو على نحو طبيعي يرسبون عند موتهم إلى القاع.

عندما تُدفَن بأمان في الرواسب، ترتشح الأجزاء الصلبة من المتحجرات أو تُستبدَل بالمعادن المذابة. ما يتبقى هو قالب لكائن حي أصبح مضغوطاً في صخرة بضغط الرواسب المتراكمة في الأعلى.

عندما تتكون متحجرة، فهي تحتاج إلى النجاة من التغير اللانهائي: فيضانات وحرارة وسحق قشرة الأرض، عمليات تطمس على نحو كامل أغلب المتحجرات. ثم يجب أن تُكتَشَف. مدفونة عميقاً تحت سطح الأرض، فإن معظمهم متعذر علينا الوصول إليهم. فقط عندما تبرز وتنكشف الرواسب بتعرية الرياح أو الأمطار يمكن أن تهجم عليهم مطرقة عالم المتحجرات. وهناك فقط نافذة قصيرة من الوقت قبل أن تُمحَى هذه المتحجرات النصف مكشوفة ذاتها بفعل الرياح والماء والطقس.

آخذين في الحسبان كل هذه المتطلبات، فمن الواضح أن السجل الأحفوري يجب أن يكون غير كامل. كيف غير كامل؟ إن المجموع الكلي للأنواع التي عاشت على الأرض في أيما وقت مضى قد قدر بما بين 17 مليوناً (وربما هذا إبخاس مغالٍ بما أن 10 ملايين نوع تحيا اليوم) وأربعة مليارات. وبما أننا اكتشفنا حوالي 250 ألف نوعاً متحجراً مختلفاً، يمكننا أن نقدر أننا لدينا أدلة متحجرة على ما بين 0.1% إلى 1% من كل الأنواع. بالكاد عينة جيدة لتاريخ الحياة! لابد أن كثيراً من الكائنات المدهشة التي قد وجدت، قد ضاعت منا إلى الأبد. وبالرغم من ذلك، فلدينا متحجرات كافية لإعطائنا فكرة جيدة عن كيفية تقدم التطور، وإدراك كيفية انفصال المجموعات الرئيسية أحدها من الآخر.

وعلى نحو ساخر، بُدِأ في ترتيب السجل الأحفوري في الأصل ليس من قِبَل علماء التطور، بل من قبل علماء طبقات الأرض الذين كانوا أيضاً خلقيين، والذين قبلوا قصة الحياة المقدمة في سفر التكوين. رتب هؤلاء الجيولوجيون ببساطة طبقات الصخور المختلفة التي وجدوها مستخدمين مبادئ تقوم على الحس المشترك (في المعظم من حفر القنوات الذي رافق التصنيع في بريطانيا). ولأن المتحجرات تظهر في الصخور الرسوبية التي بدأت كطمي في المحيطات والأنهار أو البحيرات (أو على نحو أكثر ندرة ككثبان رملية أو رواسب ثلجية)، إن الطبقات الأعمق لابد أن تكون وُضِعَت قبل الطبقات الأكثر سطحية. الصخور الحديثة توجد فوق القديمة. لكن ليس كل الطبقات توجد في أي مكان واحد. ففي بعض الأحيان لا يتشكلون أو يتآكلون مزالين.

لتأسيس ترتيب كامل لكل طبقات الصخر_من ثم_يجب أن تقارن وتربط ما بين الطبقات من مواقع مختلفة حول العالم. إن كانت طبقة من نفس نوع الصخر تحتوي على نفس نوع المتحجرات، تظهر في مكانين مختلفين، فإن من المنطقي افتراض أن الطبقة من نفس العصر في كلا المكانين. لذا _كمثال_إن وجدت أربع طبقات من الصخر في موقع واحد (ولنسمهم من الأسطح إلى الأعمق كـ أ ب د هـ)، ثم تجد اثنين فقط من هذه الطبقات في مكان آخر، مضافاً إليهما طبقة أخرى علاوة على ذلك (ب ج د)، يمكنك أن تستنتج أن السجل يحتوي على خمس طبقات على الأقل، في الترتيب من الأحدث إلى الأقدم: أ ب ج د هـ. إن مبدأ تراكب الطبقات هذا اكتُشِف أول مرة في القرن السابع عشر على يد الدنماركي متعدد جوانب الثقافة Nicolaus Steno، والذي صار لاحقاً مطراناً (رئيس أساقفة)، وقد رسمه البابا Pius الحادي عشر قديساً عام 1988. (بالتأكيد الحالة الوحيدة لقيام قديس بمأثرة علمية هامة). باستخدام مبدأ Steno، رُتِبَ السجل الجيولوجي بجهد مضنٍ في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر من طبقة الكامبري القديم
04-23-2012 06:01 PM    
عرض جميع مشاركات هذا العضو     إقتباس هذه الرسالة في الرد
راهب العلم غير متصل
مرشد إلى الإلحاد
**

المشاركات : 12
الإنتساب : Jul 2008    
مشاركات : #2
RE: للتحميل: لماذا النشوء والتطور حقيقة
لقديمة جداً حتى الطبقة المعاصرة. إلى هنا فهذا جيد جداً. لكن هذا يخبرك فقط بالأعمار التقريبية للصخور، لا أعمارها الفعلية.

ثم منذ عام 1945 صرنا يمكننا قياس الأعمار الفعلية لبعض الصخور، باستخدام النشاط الإشعاعي. تندمج عناصر نشطة إشعاعياً معينة (نظائر إشعاعية) بالصخور النارية عندما تتبلور من الصخور الذائبة من أسفل سطح الأرض. تضمحل النظائر الإشعاعية تدريجياً إلى عناصر أخرى بمعدل ثابت. عادة يُعبَّر عنه بـ(نصف العمر). أي الوقت المتطلَب لتلاشي نصف كمية النظير الإشعاعي. فإن عرفنا نصف العمر، وكم كمية النظير الإشعاعي التي كانت هناك عندما تكون الصخر (وهو شيء يقدر علماء طبقات الأرض على تحديده بدقة) وكم تبقى الآن، فهي وسيلة بسيطة نسبياً لتحديد عمر الصخر. تضمحل النظائر الإشعاعية المختلفة بمعدلات مختلفة. تؤرخ الصخور الأقدم غالباً باستخدام اليورانيوم 238، موجوداً في الزركون العادي. إن لليورانيوم 238 (U238) نصف عمر هو حوالي سبعمئة مليون سنة. أما الكربون 14 فله نصف عمر 5730 سنة، ويُستخدم للصخور الأكثر حداثة، أو حتى لقياس عمر مصنوعات البشر مثل مخطوطات البحر الميت. عادة توجد عدة نظائر إشعاعية سوياً، لذا يمكن التحقق على نحو مقارن من التأريخات، وتتفق الأعمار على نحو ثابت دوماً. رغم ذلك، فإن الصخور الحاملة للمتحجرات ليست بركانية بل رسوبية، ولا يمكن أن تؤرَّخ على نحو مباشر. لكننا يمكننا الحصول على أعمار المتحجرات بتصنيف الطبقات الرسوبية مع تواريخ الطبقات النارية البركانية المجاورة المحتوية على النظائر المشعة.

كثيراً ما يهاجم مناوئو التطور جدارة هذه التأريخات بالتعويل عليها، بقولهم أن معدلات الاضمحلال الإشعاعي ربما قد تغيرت عبر الزمن أو بالضغوط الفيزيائية بفعل الصخور. هذا الاعتراض كثيراً ما ينطق به الخلقيون من أصحاب رأي "الأرض صغيرة العمر" الذين يعتبرون عمر الأرض يتراوح ما بين ستة إلى عشرة آلاف سنة. لكن هذا باطل. فحيث أن النظائر المشعة تضمحل بأعمار مختلفة، فلما كانوا سيعطون تأريخات متوافقة لو كانت معدلات الاضمحلال قد تغيرت. علاوة على ذلك، فإن أنصاف أعمار النظائر المشعة لا تتغير عندما يُخضِعها العلماء إلى الحرارة والضغوط الشديدة في المعمل. وعندما يمكن التحقق من التأريخات الإشعاعية أمام التأريخات من السجل التاريخي البشري_كما في وسيلة الكربون 14_فهما يتفقان على نحو ثابت. إن التأريخ بالقياس الإشعاعي للأحجار النيزكية هو ما يخبرنا أن عمر الأرض والمجموعة الشمسية هو 4.6 مليار سنة. (أقدم صخور الأرض أصغر قليلاً: 4.3 مليار سنة في عينات من شمال كندا، لأن الصخور الأقدم قد دُمِّرت بحركات القشرة الأرضية.)

هناك أيضاً طرق أخرى للتحقق من دقة التأريخ بالقياس الإشعاعي. أحدها يستعمل علم الأحياء، ويتضمن دراسة بارعة لحفريات المرجان من قِبَل John Wells من جامعة Cornell University. يظهر التأريخ بالنظير الإشعاعي أن هذه المرجانات قد عاشت أثناء العصر الديڤوني، منذ حوالي 380 مليون عام مضى. لكن Wells استطاع أيضاً كشف متى عاشت هذه المرجانات ببساطة بالنظر ملياً إليها. فلقد استفاد من حقيقة أن الاحتكاك بسبب المد والجزر يبطئ تدريجياً دوران الأرض خلال الزمن. كل يوم_أي دورة واحدة للأرض_هو أطول بقليل جداً من سابقه. ليس مما يمكن أن تلاحظه، فلنكون دقيقين، يزداد طول اليوم حوالي دقيقتين كل عشرة آلاف سنة. وبما أن أمد السنة_الوقت الذي تستغرقه الأرض للدوران حول الشمس_لا يتغير خلال الزمن، فهذا يعني أن عدد أيام السنة قد قل خلال الزمن. من خلال المعدل المعروف للتباطؤ، قدَّر Wells أنه عندما كانت تحيا مرجاناته_منذ حوالي 380 مليون سنة مضت، إن كان التأريخ بالقياس الإشعاعي صحيحاً_فإن كل سنة قد احتوت على حوالي 396 يوماً، كل منهم طوله 22 ساعة. فإن كان هناك سبيل ما لتخبرنا المتحجرات نفسها كم كان طول كل يوم عندما كانت حية، سيمكننا التحقق ما إذا يكون ذلك الطول يتماثل مع الاثنين وعشرين ساعة المتنبأ بها من التأريخ بالقياس الإشعاعي.

بل المرجانات نفسها تقوم بهذا، لأنها بينما تنمو تسجل في أجسادها كم يوماً قد مرت به كل سنة. فتنتج المرجانات الحية كلاً من حلقات نمو يومية وسنوية. في عينات المتحجرات، نقدر أن نرى كم عدد الحلقات اليومية المنفصلة عن الحلقة السنوية، أي: كم يوماً كان متضمَناً في كل سنة عندما كانت المرجانات تحيا. عالمين بمعدل التباطؤ المدجزري، يمكننا التحقق بمقارنة القياس بالإشعاع أمام العمر المدجزري. محصياً الحلقات في مرجاناته العائدة إلى العصر الديڤوني، وجد Wells أنها قد مرت بحوالي 400 يوم في السنة، مما يعني أن كل يوم كان طوله 21.9 ساعة. هذا انحراف صغير جداً فحسب عن الاثنين وعشرين ساعة المتنبأ بها. لقد أعطانا هذا التقويم البيولوجي الذكي يقيناً إضافياً بدقة التأريخ بالقياس الإشعاعي.

الحقائق

ما الذي يؤلف دليلاً على التطور في سجل الأحافير؟ هناك عدة أنواع. أولاً، الصورة التطورية الكبيرة العامة: إن تفحصاً خلال التسلسل التام لطبقات الأرض ينبغي أن يُظهِر أن الحياة المبكرة كانت بسيطة تماماً، مع ظهور أنواع أكثر تعقيداً فقط بعد بعض الدهر. علاوة على ذلك، فينبغي أن المتحجرات الأحدث التي نجدها تكون هي الأكثر شبهاً للأنواع الحية المعاصرة.

يجب أيضاً أن نكون قادرين على رؤية حالات للتغير التطوري خلال خطوط التحدر، بما يعني تغير نوع من الحيوان أو النبات إلى شيء مختلف خلال الزمن. ينبغي أن تكون الأنواع اللاحقة لديها صفات تجعلها تبدو كمتحدري الأنواع الأقدم. وبما أن تاريخ الحياة يتضمن انفصال أنواع من أسلاف مشتركة، فيجب أيضاً أن نكون قادرين على رؤية هذا الانفصال، ونجد أدلة على هؤلاء الأسلاف في السجل الأحفوري. فكمثال، قد تنبأ علماء التشريح في القرن الثامن عشر بأن_من تشابهم الجسدي_الثدييات قد تطورت من زواحف عتيقة. لذا ينبغي أن نكون قادرين على العثور على زواحف كانت تصير أكثر شبهاً بالثدييات. بالتأكيد، لأن السجل الأحفوري غير كامل، فلا يمكننا توقع توثيق كل حلقة انتقالية بين أشكال الحياة الرئيسية، إلا أننا ينبغي على الأقل أن نجد البعض.

عند كتابة (أصل الأنواع)، تحسر دارون على السجل الأحفوري الناقص(التخطيطي). في ذلك الوقت كان يعوزنا سلاسل انتقالية من المتحجرات أو (حلقات مفقودة) بين الأشكال الأساسية توثق التغير التطوري. فبعض المجموعات_كالحيتان_ظهرت فجأة في السجل الأحفوري، بلا أسلاف معروفين. لكن ظل لدى دارون بعض الدليل الأحفوري على التطور. شمل هذا ملاحظة أن الحيوانات والنباتات العتيقة كانت مختلفة جداً عن الأنواع الحية المعاصرة، مزدادة في التشابه أكثر فأكثر إلى الأنواع المعاصرة كلما ارتفعنا إلى أحدث الصخور تكوناً. لاحظ أيضاً أن المتحجرات في الطبقات المتقاربة أكثر تشابهاً إلى بعضها البعض عن التي توجد في طبقات أكثر تباعداً بكثير، متضمنة بداهةً عملية اختلاف تدريجية ومستمرة. علاوة على ذلك، فإنه في أي مكان يُعيَّن، تميل المتحجرات في أحدث الصخور الرسوبية إلى التشابه مع الأنواع المعاصرة الحية في تلك المنطقة، على العكس من الأنواع الحية في الأجزاء الأخرى من العالم. فحفريات الجِرابِيات_على سبيل المثال_قد وُجِدَت بوفرة فقط في أستراليا، وهذا حيث تعيش معظم الجرابيات المعاصرة. (تتضمن متحجرات الجرابيات تلك بعض أكثر الثدييات غرابة مما عاش على الإطلاق، مثل الكانجارو العملاق ذي العشرة أقدام طولاً، ذي الوجه المسطح، والمخالب الضخمة، والحافر الواحد في كل قدم.)

ما لم يكن لدى دارون هو متحجرات كافية لإظهار دليل واضح على التغير التدريجي في الأنواع، أو على الأسلاف المشتركين. لكن منذ لك الوقت، اكتشف علماء المتحجرات وفرةً منها، محققين كل التنبؤات المشار إليها أعلاه. يمكننا في العصر الحالي أن نرى تغيراً متواصلاً خلال خطوط تحدرات الحيوانات، فلدينا الكثير من الأدلة على الأسلاف المشتركين والأشكال الانتقالية (الأسلاف المشتركة للحيتان والتي كانت مفقودة_كمثال_قد اكتُشِفت)، وقد حفرنا عميقاً كفاية لنرى بدايات الحياة المعقدة ذاتها.

النماذج الكبيرة

الآن بوضعنا كل طبقات الأرض في ترتيب وتقديرنا تواريخها، يمكننا قراءة السجل الأحفوري من القاع إلى القمة. يرينا الشكل التوضيحي 3 تسلسلاً زمنياً مبسطاً لتاريخ الحياة، راسماً الأحداث الحيوية والجيولوجية الرئيسية التي قد حدثت منذ نشأت أول الكائنات منذ حوالي 3.5 مليار سنة مضت.(6) يقدم هذا السجل صورة واضحة للتغير، بادئاً بالبسيط ومتقدماً إلى الأكثر تعقيداً. رغم أن الشكل التوضحي يرينا ما يبدو كـ "النشوآت الأولى" لمجموعات كالزواحف والثدييات، فهذا لا ينبغي أن يُفهَم على أن أشكال الحياة الحديثة ظهرت إلى في السجل الأحفوري فجأة، ناشئة من العدم. بالأحرى، فنحن نرى لمعظم المجموعات تطوراً تدريجياً من أشكال أقدم (فالطيور والثدييات_على سبيل المثال_قد تطورت عبر ملايين السنين من أسلاف زاحفية). إن وجود الانتقالات التدريجية بين المجموعات، والذي سأناقشه أدناه، يعني أن تعيين تاريخ لـ "أول ظهور" يصير اعتباطياً نوعاً ما.

نشأ أول الكائنات، البكتريا الممثلة للضوء البسيطة، وُجِدَت في رسوبيات تعود إلى 3.5 مليار، أي بعد حوالي مليار سنة فقط من تشكل كوكب الأرض. كانت هذه الكائنات وحيدة الخلية هي كل ما احتل الأرض لملياري سنة التاليين، بعدهما نرى أول حقيقيات النوى البسيطة: كائنات لها خلايا صحيحة ذوات أنوية وصبغيات (كروموسومات). ثم، منذ حوالي ستمئة مليون، نشأت سلسلة كاملة من الكائنات البسيطة نسبياً لكنها عديدة الخلايا، متضمنة الديدان وقناديل البحر والإسفنج. استنوعت هذه المجموعات خلال ملايين السنوات العديدة التالية، مع ظهور النباتات البرية ورباعيات الأطراف، وأبكرها كان الأسماك ذات الزعانف الغصنية (المرتبطة إلى الجسد بأنسجة) منذ حوالي أربعمئة مليون سنة. إن أغلب المجموعات المبكرة والتي استمر بعضها بالتأكيد في الحياة إلى اليوم: كالبكتريا الممثلة للضوء والإسفنج والديدان، تظهر في السجل الأحفوري مبكراً، ولا تزال تحيا معنا.

وبعد خمسة عشر مليون سنة لاحقة نجد أول البرمائيات الحقيقية، وبعد خمسة عشر مليون سنة أخرى تقريباً تنضم إليها الزواحف. أما أول الثدييات فيصل منذ حوالي 250 مليون سنة (ناشئة_كما تُنبِأ_من أسلاف زاحفية)، والطيور الأولى تتحدر من الزواحف، ناشئة بعد خمسين مليون سنة لاحقة. وبعد أن ظهرت الثدييات الأبكر، صاروا_مع الحشرات والنباتات البرية_أكثر تنوعاً، وكلما اقتربنا من الصخور الأكثر سطحية تصير المتحجرات بتزايد أكثر تشابهاً للكائنات الحية الحديثة. البشر وافدون أحداث على مسرح الكوكب، فتحدرنا يتفرع من الذي لكل الرئيسيات الأخرى منذ حوالي سبعة ملاين سنة فقط، إننا الجزيئة الصغرى للزمن التطوري. استُعمِلت تشبيهات خيالية كثيرة لتوضيح هذه النقطة. وهي تستحق تكرارها مجدداً. لو انضغط كل زمن التطور في سنة واحدة، فإن أبكر بكتريا تظهر في نهاية مارس، لكننا لن نرى أول أسلاف البشر حتى السادسة صباحاً من 31 ديسمبر. العصر الذهبي لليونان، منذ حوالي خمسمئة سنة قبل الميلاد، سيُمثَّل بثلاثين دقيقة فقط قبل منتصف الليل.

رغم أن السجل الأحفوري للنباتات أكثر ضآلة_لافتقادها الأجزاء الصلبة سهلة التحجر_فهي تُظهِر نموذجاً تطوريا مماثلاً. فالأقدم هي الأشنات والطحالب، متبوعة بظهور السراخس، ثم الصنوبريات، ثم الأشجار النفضية، وآخراً النباتات المزهرة.




الشكل التوضيحي 3: السجل الأحفوري يرينا أول نشوآت للعديد من أشكال الحياة التي نشأت منذ تكونت الأرض منذ 4.6 مليار سنة. نلاحظ أن أول أشكال الحياة عديدة الخلايا قد نشأت واستنوعت في آخر 15% من تاريخ الحياة فقط. تظهر المجموعات على مسرح الوجود في نمط تطوري مرتب، مع العديد من النشوآت بعد متحجرات معروفة انتقالية من أسلاف. النتيجة الظاهرة لهذا، بالإضافة إلى الأشكال الانتقالية، تدحض الادعاآت الخلقية بأن كل أشكال الحياة نشأت ليس فقط فجأة، بل أيضاً في نفس الوقت.

إذن فإن ظهور الأنواع خلال الزمن_كما يُرَى في المتحجرات_بعيد عن العشوائية. فقد نشأت الكائنات البسيطة قبل المعقدة، الأسلاف المتنبأ بهم قبل المتحدرين. أكثر المتحجرات حداثة هي الأكثر شبهاً للأنواع الحية. ولدينا متحجرات انتقالية تربط العديد من المجموعات الرئيسية. لا نظرية الخلق الخاص المستقل_ولا أي نظرية غير التطور_يمكنها شرح هذه الأنماط.


التطور الظاهر في المتحجرات والاستنواع

لترى تغيراً تطورياً تدريجياً خلال خطِ تحدرٍ واحدٍ، تحتاج إلى سلسلة جيدة من الرسوبيات، مع تفضيل النزول إلى أسفل أسرع (حيث أن كل فترة زمنية تمثل بشريحة صخرية سميكة، مما يجعل التغير أسهل رؤيةً)، وبلا طبقات مفقودة (فالطبقة المفقودة في الوسط تجعل الانتقال التطوري الهادئ يبدو كـ"قفزة" فجائية).
المتحجرات البحرية الصغيرة للغاية_مثال العوالق (كائنات مجهرية طافية في المياه Planktons)، مثالية لهذا الغرض. فهناك البلايين منها، كثير منها له أجزاء صلبة، وهي على نحو ملائم تسقط مباشرةً إلى قاع البحر بعد الموت، متراكمةً في سلسلة متواصلة من الطبقات. أخذُ العينات من الطبقات في ترتيبٍ سهلٌ: يمكنك إقحام أنبوب طويل في قاع البحر، ساحباً عينة عمودية لُبِّيّة، وقراءتها وتأريخها من الأسفل إلى القمة.

متتبعاً متحجرات نوع واحد خلال اللب، كثيراً ما يمكنك رؤية تطورها. يظهر الشكل 4 مثالاً للتطور في حيوان أولي وحيد الخلية صغير يبني محارة حلزونية، مكوِّناً تجاويف أكثر كلما تنمَّى. هذه النماذج هي من شرائح بطول مئتي متر من اللب مأخوذة من قاع المحيط قرب نيوزيلاند، تمثل حوالي ثمانية ملايين سنة من التطور. تُظهر الصورة التغير خلال الزمن في صفة واحدة: عدد التجاويف في الالتفاف النهائي للمحارة. هنا نرى تغيراً هادئاً تماماً وتدريجياً خلال الزمن. الأفراد كان لها 4.8 تجويفاً لكل التفافة عند بداية السلسلة و3.3 عند النهاية، نقصان بحوالي 30%.



الشكل التوضيحي 4: يُظهِر سجل الأحافير (المحفوظ في لب قاع البحر) تغيراً تطورياً في الحيوان المُنَخْرَب foraminiferan (حيوانات بحرية دنيا مثقبة الأصداف) Globorotalia conoidea خلال فترة ثمانية ملايين سنة. يقدم المقياس المدرج عدد التجاويف في الالتفاف النهائي للمحارة، بمعدله بين الأفراد من كل شريحة من اللب. Kennet 1981) (After Malmgren and

التطور_من خلال التدرج_لا يحتاج دوماً مسيراً هادئاً، أو بسرعة منتظمة: يُرينا الشكل التوضيحي 5 نموذجاً أقل نظامية في كائن مجهري بحري آخر، إشعاعي الأطراف (أحد حيوانات وحيدة الخلية لها أشواك وهيكل عظمي سيليكوني) Pseudocubus vema . في هذه الحالة أخذ الجيولوجيون عينات متباعدة بانتظام من لب بطول 18 متراً طولاً مستخرَج من قرب القارة القطبية الجنوبية، يمثل حوالي مليوني سنة من الرواسب. كانت الصفة التي قيست هي سعة قاعدته الأسطوانية "حلقه". رغم أن الحجم ازداد حوالي 50% خلال الزمن، فإن الاتجاه لم يكن هادئاً. فهناك فترات لم يتغير الحجم فيها كثيراً، تتخللها فترات ذوات تغير أسرع. هذا النمط عام تماماً في هذه المتحجرات، وهو يمكن فهمه تماماً إذا كانت التغيرات التي نراها قِيِدَت بعوامل بيئية كتقلبات المناخ أو الملوحة. تتغير البيئات نفسها بتشتت وعدم انتظام، لذا فإن قوة الانتخاب الطبيعي كانت تزداد وتتضاءل.



الشكل التوضيحي 5: التغير التطوري في حجم الحلق في إشعاعي الأطراف Pseudocubus vema خلال حقبة مليوني سنة. القيم هي المتوسطات السكانية من كل شريحة من اللب لاتساع الحلق بالميكرون متر. (After Kellogg and Hays 1975.)

فلننظر إلى التطور في نوع أكثر تعقيداً: ثلاثيات الفصوص (Trilobites) (مفصليات منقرضة). إن ثلاثيات الفصوص هي من المفصليات، في نفس لمجموعة التي تنتمي إليها الحشرات والعناكب. لأنهم كانوا محميين بمحارة صلبة، فإنهم متوفرون جداً في الصخور القديمة (ربما يمكنك شراء واحدة من أقرب محل تحف لك). إذن لقد جمع Peter Sheldon من كلية Trinity College Dublin متحجرات ثلاثيات الفصوص من طبقة الطفل بـWelsh تستغرق حوالي ثلاثة ملايين سنة. خلال هذا الصخر، وجد ثماني خطوط تحدر مختلفة لثلاثيات الفصوص، وخلال الزمن يُظهِر كلٌ منها تغيراً تطورياً في عدد "الأضلاع الخلفية" أي الفصوص على الجزء المؤخر من الجسم. يظهر الشكل التوضيحي 6 التغيرات في العديد من خطوط التحدر تلك. ورغم أن خلال مجمل حقبة العينة المأخوذة أظهر كل نوع زيادة نهائية في عدد الفصوص، فإن التغيرات ضمن الأنواع المختلفة لم يكن فقط غير مترابط، بل في بعض الأحيان مضى في اتجاهات متعاكسة خلال نفس الحقبة.


الشكل التوضيحي 6: التغير التطوري في عدد الأضلاع الخلفية (الفصوص على الجزء الخلفي) لخمسة أنواع من ثلاثيات الفصوص من الحقبة الجيولوجية الأوردوڤشتية. الرقم هو المتوسط السكاني عند كل شريحة من عينة المحارات لثلاثة ملايين سنة. تُظهِر الخمسة أنواع وثلاثة آخرى ليست بالصورة زيادة نهائية في عدد الضلوع خلال الحقبة، مما يقترح أن الانتخاب الطبيعي كان يَحدث خلال الأمد الطويل، إلا أن الأنواع لم تتغير في توازٍ كامل. (After Sheldon 1987.)

للأسف، نحن ليس لدينا فكرة عن ماهية الضغوط الانتخابية التي قادت التغيرات التطورية في هذه العوالق وثلاثيات الفصوص. إنه من السهل دوماً توثيق التطور في سجل الأحافير عن فهم ما سببه، لأنه رغم أن الأحافير محفوظة، فإن بيئاتها ليست كذلك. ما يمكننا قوله أنه كان هناك تطور، وكان تدريجياً، وقد تنوع في كلٍ من السرعة والاتجاه.

تقدم العوالق البحرية أدلة على انشقاق خطوط التحدر، بالإضافة إلى التطور في خط التحدر الواحد. يظهر الشكل التوضيحي رقم 7 نوعاً عالقياً سلفياً ينفصل إلى متحدِرَيْنِ، مختلفين في كل من الحجم والشكل. بشكل مشوق، فإن النوع الأحدث Eucyrtidium matuyamai تطور أولاً في منطقة إلى الشمال من المنطقة التي أُخِذت منها عينات اللب، ولاحقاً فقط غزا المنطقة التي نشأ بها سلفه. كما سنرى في الفصل السابع، فإن تكون نوع جديد يبدأ عادةً عندما ينعزل أفراد المجموعة جغرافياً عن بعضهم البعض.



الشكل التوضيحي 7: التطور والاستنواع في نوعين من العوالقي الإشعاعي Eucyrtidium ، مأخوذاً من لب رسوبي يستغرق أكثر من 3.5 مليون سنة. تمثل النقاط عرض الضلع الرابع، كمعدلات لكل نوع في كل شريحة من اللب. في مناطق إلى الشماليّ من مكان أخذ هذه العينة، مجموعة سلفية من E. calvertense صارت أكبر، تدريجياً نالت الاسم (التصنيف) E. matuyamai إذ صارت أكبر. ثم أعاد E. matuyamai احتلال مجال قريبه، كما يظهر في الرسم البياني، ويعيش اليوم كلا النوعين في نفس المكان، بادئين في الاختلاف بحجم الجسم. ربما كان هذا الاختلاف نتيجة الانتخاب الطبيعي لتقليل التنافس على الطعام بين النوعين. (After Kellogg and Hayes 1975)

هناك المئات من الأمثلة الأخرى على التغير التطوري في المتحجرات، تدريجية ومؤكدة، من أنواع مختلفة كالرخويات والقوارض والرئيسيات. وهناك أيضاً أمثلة لأنواع تغيرت على نحو ضئيل خلال الزمن. (فلنتذكر أن النظرية التطورية لا تقول بأن كل الأنواع ينبغي أن تتطور!) لكن تسجيل هذه الحالات لن يغير نقطتي: لا يعطي السجل الأحفوري دليلاً على التنبؤ الخلقي بأن كل الأنواع ظهرت فجأةً وظلت بعدئذٍ غيرَ متغيرةٍ. عوضاً عن ذلك فإن أشكال الحياة قد ظهرت في السجل الأحفوري بتسلسل تطوري، وهي نفسها تطورت واستنوعت.

الحلقات الانتقالية

ربما تعطي التغيرات في الأنواع البحرية أدلة على التطور، لكن هذا ليس الدرس الوحيد لدى السجل الأحفوري ليُعَلِّمَه. ما يثير الناسَ حقاً_ وعلماء الأحياء والمتحجرات من ضمنهم_هو الأشكال الانتقالية: تلك المتحجرات التي تسد الفجوة بين نوعين مختلفين جداً من الكائنات الحية. هل جاءت الحيوانات البرية حقاً من سمك، والطيور من زواحف، والحيتان من حيوانات برية؟ إن كان كذلك، فأين الدليل الأحفوري؟ حتى بعض الخلقيين سيُسَلِّمون بأنه قد تحدث تغيرات صغيرة في الحجم والشكل خلال الزمن، عملية تدعى التطور الضئيل، لكنهم يرفضون فكرة أن نوعاً مختلفاً جداً من الحيوان أو النبات يمكن أن يأتي من آخر (التطور الكبير). يجادل مؤيدو التصميم الذكي بأن هذا النوع من الاختلاف يتطلب التدخل المباشر لخالقٍ (7). رغم أن دارون في (أصل الأنواع) لم يمكنه الإشارة إلى أشكال انتقالية، فإنه كان سيبتهج بالمدى الذي تأكدت به نظريته بفضل ثمار علم المتحجرات الحديث. يتضمن هذا الكثير من الأنواع المنقرضة التي تُنُبِأ بوجودها قبل اكتشافها بسنوات كثيرة، لكن ذلك اكتُشِف في العقود الأخيرة القليلة فقط. لكن ما الذي يعتبر على أنه الدليل الأحفوري لانتقال تطوري رئيسي؟ طبقاً للنظرية التطورية، فإن لكل نوعين_مهما اختلفا_كان هناك قديماً نوع واحد كان جد كليهما. يمكننا أن ندعو هذا النوع الواحد "الحلقة الانتقالية" أو "الرابط المفقود". كما قد رأينا، فإن فرصة العثور على ذلك النوع السلفي الواحد في السجل الأحفوري هي صفر تقريباً. فالسجل الأحفوري ببساطة متقطع جداً عن أن نتوقع ذلك. إلا أننا لسنا مضطرين إلى الاستسلام، لأننا نستطيع إيجاد بعض الأنواع الأخرى في السجل الأحفوري، أقارب لصيقة للروابط المفقودة الفعلية، يوَثِّقون السلفية المشتركة بصورة مساوية تماماً. فلنأخذ أحد الأمثلة. في عصر دارون، حدس علماء الأحياء من الدليل التشريحي _كالتشابهات في بنية القلوب والجماجم_أن الطيور مرتبطة على نحو وثيق إلى الزواحف. لقد خمنوا أنه ينبغي أن كان هناك سلف مشترك_والذي خلال حدثِ استنواعٍ_أنتج خطي تحدر، أحدهما أنتج آخراً كل الطيور الحديثة، والآخر كل الزواحف الحديثة.

كيف كان يبدو هذا السلف المشترك؟ حدسنا سيقول أنه كان يشبه شيئاً متوسطاً بين زاحف حديث وطائر حديث، مظهِراً مزيجاً من الصفات من كلا النوعين من الحيوانات. لكن هذه ليست بالضرورة هي الحالة، كما قد رأى دارون في (أصل الأنواع):

"أجد أنه من الصعب_عند النظر إلى أي نوعين_تجنب أن أصور لنفسي أشكالاً تتوسط على نحو مباشر بينهما. لكن هذه وجهة نظر خاطئة تماماً، ينبغي أن نبحث دوماً عن أشكال تتوسط بين كل نوعين وسلف مشترك لكنه مجهول، والسلف سيكون عامة مختلفاً في بعض النواحي عن كل متحدريه المُعَدَّلِين."

لأن الزواحف تظهر في السجل الأحفوري قبل الطيور، يمكننا أن نحدس ان السلف المشترك للطيور والزواحف الحديثة كان زاحفاً عتيقاً، وكان يبدو كواحدٍ من هؤلاء. نعلم اليوم أن هذا السلف المشترك كان ديناصوراً. مظهره كان يعطي مفاتيح قليلة كانت في الحقيقة "الرابط المفقود". حيث أن أحد خطي المتحدرين سيؤدي لاحقاً إلى نشوء كل الطيور الحديثة، والآخر إلى ديناصورات أخرى. حقاً فإن السمات الشبه طيرية_كالأجنحة وعظمة الصدر العريضة لتثبيت عضلات الطيران_ستكون قد تطورت لاحقاً فقط في الفرع المؤدي إلى الطيور. وحيث أن خط التحدر ذلك نفسه يرتقي من الزواحف إلى الطيور، فإنه ينبثق عنه أنواع عديدة لها سمات مختلطة شبه زاحفية وشبه طيرية.بعض هذه الأنواع قد انقرضت، بينما أخرى استمرت في التطور إلى ما هو اليوم الطيور الحديثة. إنه إلى هذه المجموعات من الأنواع القديمة_ذوات الصلة من الأنواع القريبة إلى الفرع المعيَّن_ينبغي أن نبحث عن دليل على السلفية المشتركة.

إذن، فإن إظهار السلفية المشتركة لمجموعتين لا يتطلب أن نقدم متحجرات نوع مليء بالتفاصيل الدقيقة على أنه كان سلفهما المشترك، أو حتى نوعٍ على خط التحدر المباشر من سلفٍ إلى متحدر. بالأحرى، فنحن نحتاج فقط إلى تقديم متحجرات لديها أنماط الصفات اللاتي تربط المجموعتين معاً. وعلى نحو هام يجب أن نعطي تاريخ الدليل مثبتين أن هذه الحفريات ظهرت في الوقت الصحيح من السجل الجيولوجي. "نوع انتقالي" ليس مرادفاً لـ "نوع سلفي"، فهو ببساطة نوع يُظهِر خليطاً من صفات الكائنات التي عاشت سواء بعده أو قبله. مسلمين بتخرق السجل الأحفوري، فإن إيجاد هذه الأشكال في الأزمنة الصحيحة هو هدف سليم وواقعي. في الانتقال من الزواحف إلى الطيور_كمثال_ينبغي أن تبدو الأشكال الانتقالية كالزواحف المبكرة، لكن مع بعض الصفات شبه الطيرية. وينبغي أن نجد هذه المتحجرات الانتقالية بعد أن كانت الزواحف قد نشأت فعلياً، لكن قبل أن تظهر الطيور الحديثة. علاوة على ذلك، فلا يجب أن تكون الأشكال الانتقالية على خط التحدر المباشر من سلف إلى متحدر حي، فمن الممكن أن يكونوا أقارب تطوريين قد انقرضوا. فكما سوف نرى، فإن الديناصورات التي أدت إلى نشوء الطيور قد اكتست بريش، لكن بعض هذه الديناصورات المريشة قد استمرت في الوجود جيداً بعد تطور الكائنات الأكثر شبهاً بالطير. هذه الديناصورات المريشة المتاخرة تظل تقدم الدليل على التطور، لأنها تخبرنا شيئاً عن من أين جاءت الطيور.

إذن، فتاريخ الكائنات الانتقالية وإلى حد ما مظهرها الجسدي يمكن التنبؤ به من النظرية التطورية. بعض من أكثر التنبؤات المتحققة حداثة ودرامية هي ضمن مجموعتنا الخاصة: الفقاريات.

على البر: من السمك إلى البرمائيات

واحد من أعظم التنبؤات المتحققة لعلم الأحياء التطوري هو الاكتشاف_في عام2004_لشكل انتقالي بين السمك والبرمائيات. هذه هي متحجرة النوع تيكتاليك Tiktaalik roseae، التي تخبرنا الكثير عن كيفية بدء الفقاريات في الحياة على البر. اكتشافها هو إثبات مذهل لنظرية التطور.

حتى حوالي 390 مليون سنة ماضية، كانت الفقاريات الوحيدة هي الأسماك، لكن بعد ثلاثين مليون عام لاحقة، نجد كائنات رباعية الأرجل بوضوح: فقاريات ذوات أربع أرجل سارت على البر. كانت رباعيات الأرجل المبكرة هذه تشبه البرمائيات الحديثة من نواحي: لها رؤوس وأجساد مسطحة، ورقبة واضحة، وأرجل كأطراف متطورة جيداً. إلا أنها كذلك تُظهِر صلات قوية مع السمك الأقدم منها، خاصة المجموعة المسماة الأسماك فصية الزعانف، التي سميت هكذا بسبب زعانفها العظمية القوية التي مكنتها من دعم نفسها على قيعان البحيرات أو الأنهار الضحلة. البنيوات الشبه سمكية لرباعيات الأرجل المبكرة تتضمن حراشف وعظام أطراف وعظام رأس. (انظر الشكل التوضيحي8)



الشكل التوضيحي 8 أ : غزو البر. رباعي الأقدام ساكن البر Acanthostega gunnari من جرين لاند، منذ حوالي 365 مليون سنة، وسمكة فصية الزعانف مبكرة Eusthenopteron foordi منذ حوالي 385 مليون سنة، والشكل الانتقالي Tiktaalik roseae من جزيرة Ellesmere Island منذ حوالي 375 مليون سنة. يظهر توسط شكل جسد التيكتاليك من خلال توسط أطرافه، التي لها بنية عظمية تتوسط بين التي للزعانف القوية للأسماك فصية الزعانف والأطراف الأكثر قوة المتساوية لرباعي الأرجل. العظام المظللة هي التي ستتطور لاحقاً إلى عظام الأذرع للثدييات الحديثة: فالعظمة المظللة بالتظليل الأغمق ستصير أعضادنا، والعظام الظللة بالتظليل الوسط والخفيف ستصير الأذرع والأزناد، على الترتيب.

كيف تطورت الأسماك العتيقة لتبقى حية على البر؟ كان هذا هو السؤال الذي أهمَّ_أو بالأحرى أقلق_زميلي بجامعة شيكاجو Neil Shubin . لقد قضى Neil سنواتٍ يدرس تطور الأطراف من الزعانف، ووصل لفهم المراحل الأسبق لذلك الظهور.

جاءت الفكرة بالحيثية التالية: إذا كانت الأسماك فصية الزعانف قد وُجِدت منذ حوالي 390 مليون سنة، لكن لم توجد فقاريات برية، وبوضوح تظهر الفقاريات البرية منذ 360 مليون سنة، فأين ستتوقع أن تجد الأشكال الانتقالية؟ في مكان ما بين الاثنين. متبعاً هذا المنطق، تنبأ نيل شوبين أنه لو وُجِدَت الأشكال الانتقالية، فسيُعثَر عليها في طبقة عمرها حوالي 375 مليون سنة. علاوة على ذلك، ستكون الصخور من المياه العذبة عوضاً عن الرسوبيات البحرية، لأن كلاً من الأسماك فصية الزعانف المتأخرة والبرمائيات المبكرة قد عاشوا في المياه العذبة.

باحثاً في كتابه الجامعي عن خريطة لرواسب ماء عذب مكشوفة من العصر الملائم، عين شوبين وزملاؤه منطقةً غير مستكشفة حفرياً من القطب الشمالي الكندي: جزيرة Ellesmere Island، التي تقع في المحيط القطبي الشمالي شمال كندا. وبعد خمس سنوات طِوالٍ من البحث المجدب والمكلف، حازوا آخر الأمر اكتشافاً مُحرِزاً: مجموعة من الهياكل العظمية المتحجرة المتكدسة أحدها فوق الآخر في صخر رسوبي من نهر قديم. عندما رأى شوبين لأول وهلة وجه المتحجرة يبرز من الصخر، علم أنه قد وجد في النهاية شكله الانتقالي. وتكريماً للسكان الإسكيمويين أو الإنيوئت المحليين والمانح الذي ساعد في تمويل البعثات، سُميت المتحجرة Tiktaalik roseae، حيث "تيكتاليك" تعني بلغة الإنيوئت "سمكة المياه العذبة الكبيرة"، و" roseae" هو إشارة خفية إلى المانح المجهول.

للتيكتاليك صفات تجعل منه رابطاً مباشراً بين الأسماك فصية الزعانف الأقدم والبرمائيات اللاحقة. بخياشيم، وحراشف، وزعانف، فقد كان بوضوح سمكة اعتاشت في الماء. إلا انها لها كذلك صفات شبه برمائية. لأجل عدة أشياء: رأسها كان مسطحاً كالذي للسلامندر، مع العينين والمنخرين على قمة الجمجة بدلاً من جانبيها. هذا يوحي أنها عاشت في المياه الضحلة واستطاعت النظر_وربما التنفس_فوق السطح. صارت الزعانف أكثر قوة، مُمَكِّنةً الحيوان من ثني نفسه إلى الأعلى لمساعدته على فحص بيئاته. و_كالبرمائيات المبكرة_ كان للتيكتاليك رقبة. ليس للأسماك رقاب، فجماجمها تتصل مباشرة بكواهلها.

الأكثر أهمية، أن التيكتاليك كان له صفتان جديدتان برهنتا على فائدتهما في مساعدة متحدريه على غزو البر. الأولى هي مجموعة من الضلوع القوية التي ساعدت الحيوان على ضخ الهواء إلى رئتيه وتحريك الأكسجين من خياشيمه (كان التيكتاليك يمكنه التنفس بالطريقتين). وعوضاً عن العظام الصغيرة الكثيرة في زعانف السمك فصي الزعانف، امتلك التيكتاليك عظاماً أقل وأقوى في الأطراف، عظاماً مشابهة في العدد والمواقع لما لدى كل كائن بري نشأ لاحقاً، بما في ذلك نحن. في الحقيقة يُستحسن وصف أطرافه كزعانف جزئياً، أرجل جزئياً.

على نحو واضح، فإن التيكتاليك كان متكيفاً جيداً للحياة والزحف في المياه الضحلة، والنظر فوق السطح، وتنفس الهواء. محددين بنيته، يمكننا أن نتصور الخطوة التطورية الحاسمة التالية، والتي ربما تضمنت سلوكاً جديداً. قليل من متحدري التيكتاليك كانوا جريئين كفاية للمغامرة خارج الماء على أطرافهم الزعنفية القوية، ربما لأخذ سبيلهم إلى نهر آخر (كما تفعل سمكة الطين القافزة المدهشة في المدار الاستوائي اليوم)، أو لتجنب المفترِسين، أو ربما لإيجاد طعام من الحشرات الضخمة الكثيرة التي تطورت من قبل. لو كان هناك أفضليات للمغامرة على البر، فيمكن للانتخاب الطبيعي تشكيل أولئك المستكشفين من سمك إلى برمائيات. تكشفت تلك الخطوة الصغيرة الأولى على الشاطئ عن قفزة عظيمة للنوع الفقاري، مؤدية في النهاية إلى تطور كل كائن مستوطن البر ذي عظمة ظهرية.

لم يكن التيكتاليك نفسه جاهزاً للحياة على الشاطئ. لأجل شيء واحد، فهو لم يطوِّر بعد أطرافاً تمكِّنه من المشيء. ولا زال لديه خياشيم داخلية للتنفس تحت الماء. لذا بوسعنا عمل تنبؤ آخر: في مكان ما، في رواسب المياه العذبة التي تعود إلى حوالي 370 مليون سنة، سوف نجد مستوطناً للبرية مبكراً جداً ذا خياشيم أقل وأطراف أقوى بقليل عن التي للتيكتاليك.

يُظهر التيكتاليك أن أسلافنا كانوا سمكاً مفترساً مسطح الرأس كمنوا في مياه الأنهار الضحلة. إنها متحجرة تربط على نحو مدهش السمك بالرمائيات. والمدهش على نحو مساوٍ أن اكتشافها لم يكن متوقعاً فحسب، بل ومتنبأً بظهوره في صخور عصر معين وفي مكان معين.

إن أفضل طريقة لاكتشاف أحداث التطور المثيرة هي رؤية المتحجرات بنفسك، أو الأفضل علاوة على ذلك، التعامل معها. حظي طلابي بهذه الفرصة عندما أحضر نيل Neilنموذجاً للتيكتاليك إلى الفصل، ممرراً إياه، ومرياً كيف أنه يشغل مكان شكل انتقالي. كان هذا_بالنسبة لهم_ أكثر دليل ماديةً على أن التطور حقيقة. كم كثيراً مرة تتوصل إلى وضع يديك على قطعة من التاريخ التطوري، الأقل منهم قد يكون سلفك البعيد؟

انظر صورة تشريحية لمتحجرة التيكتاليك في ملحق الصور برقم صورة 8ب


خلال الهواء: نشأة الطيور من الزواحف

فيما يستعمل نصف جناح؟ حتى منذ عصر دارون، طُرِح هذا السؤال لإلقاء التشكك على التطور والانتخاب الطبيعي. يخبرنا علماء الأحياء أن الطيور تطورت من زواحف عتيقة، لكن كيف قدر حيوان مستوطن البر على تطوير القدرة على الطيران؟ يعترض الخلقيون بأن الانتخاب الطبيعي لا يمكنه شرح هذه الانتقالة، لأنها ستتطلب مراحل متوسطة تكون الحيوانات فيها لديها بدايات الأجنحة فقط. فهذا سيبدو على الأرجح يثقل الكائن أكثر من إعطائه أفضلية انتخابية.

إلا أنك لو فكرت قليلاً بعد، فإنه ليس صعباً جداً اكتشاف مراحل وسطى في تطور الطيران، مراحل ربما كانت مفيدة لممتلكيها. إن التزلق الهوائي هو أول خطوة واضحة. وقد تطور التزلق الهوائي مراتٍ كثيرة كلٌ منها باستقلال: في بعض الثدييات المشيمية، والجِرابِيات، وحتى السحالي. تنزلق السناجب الطائرة على نحو جيد تماماً بامتدادت جلدية تمتد على جانبي الواحد منها. طريقة جيدة للانتقال من شجرة إلى أخرى للفرار من المفترسين أو إيجاد الجوز والبندق. وهناك حتى (ليمور أو هبَّار طائر) أكثر جدارة بالذكر، أو الـ Colugo الجنوب شرق آسيوي، الذي لديه غشاء مثير للإعجاب يمتد من الرأس إلى الذيل (انظر صورة 9/0). لقد شوهد أحد الـ Colugo ينزلق هوائياً لمسافة 450 قدماً، وهو تقريباً طول ستة ملاعب لكرة المضرب. بينما خسر أربعين قدماً ارتفاعاً فحسب. ليس من الصعب تصور الخطوة التالية: رفرفة الأطراف المماثلة للكولوجية لإنتاج طيران حقيقي، كما نرى في الخفافيش. إلا أننا لسنا مضطرين إلى تخيل هذه الخطوة فحسب من بعد، إذ أننا اليوم لدينا المتحجرات التي تُظهِر بوضوح كيف تطورت الطيور الطائرة.

منذ القرن التاسع عشر، قاد التشابه بين الهياكل العظمية للطيور وبعض الديناصورات علماء المتحجرات إلى وضع نظرية أن لهما سلفاً مشتركاً. وخاصةً الـ The Theropods : وهو اسم يعني باللاتينية الرشيقة، ديناصورات لاحمة سارت على رجلين. منذ حوالي مئتي مليون سنة يُظهر السجل الأحفوري وفرة من Theropods لكن لا شيء يبدو ولو حتى شبيهاً بالطير على نحو باهت. ومنذ نحو سبعين مليون سنة نرى متحجرات طيور تبدو حديثة بوضوح. إن كان التطور حقيقة، فإذن ينبغي أن نتوقع رؤية الانتقالة الزاحف طيرية في الصخور بين السبعين والمئتي مليون عام الماضية.

وهناك ثَمَّ هُمّ، إن الرابط الأول المكتشف بين الطيور والزواحف كان في الحقيقة معلوماً لتشارلز دارون، الذي أشار إليه بدقة واختصار في طبعة متأخرة لأصل الأنواع، وكحادث فريد فحسب إذن وقتئذٍ. إنه لربما هو أشهر كل الأشكال الانتقالية: الطائر العتيق أو Archaeoeryx lithographica الذي بحجم الغراب، اكتُشِف في محجر للحجر الجيري بجرمانيا عام 1860م. (الاسم أركيوبتركس يعني باللاتينية الجناح العتيق، و lithographica تأتي من اسم محجر الحجر الجيري، المتجزع على نحو لطيف كفاية لعمل صفائح جيرية والاحتفاظ بانطباعات الريش الدقيقة). إن للأركيوبتركس مجموعة الصفات التي سيتوقع المرء إيجادها في شكل انتقالي تماماً. ويعود عمره إلى حوالي 145 مليون سنة، متوضعاً حيث ستتوقع العثور عليه.

الأركيوبتركس حقاً زاحف أكثر منه طائر. فهيكله العظمي متطابق تقريباً مع الذي لبعض الديناصورات الـ Theropods. في الحقيقة، فإن بعض علماء الأحياء القدماء الذين لم ينظروا إلى متحجرات الأركيوبتركس ملياً كفاية فاتهم الريش، وأخطؤوا تصنيف الكائن كـ Theropods. (يُظهر الشكل التوضيحي 9 أ التشابه بين النوعين). تتضمن الصفات الزاحفية فكاً ذا أسنان، وذيلاً عظمياً طويلاً، ومخالب، وأصابع منفصلة على الجناح (في الطيور الحديثة هذه العظام مندمجة، كما يمكنك رؤية ذلك بتفحص جناح دجاجة أو بطة مما نأكل)، ورقبة متصلة بالجمجمة من الخلف كما في الديناصورات بدلاً من الأسفل كما في الطيور الحديثة. عدد الصفات شبه الطيرية اثنتان فقط: ريش عريض وأصابع أقدام متلاقية، ربما استخدمت للجثوم. ما زال من غير الواضح ما إذا كان هذا الكائن_رغم تريشه تماماً_قد استطاع الطيران. لكن ريشه الغير متماثل_أحد جانبي الريشة أعرض من الآخر_يوحي بأنه قد استطاع. إن الريش الغير متماثل_مثله مثل أجنحة الطائرة_يصنع شكل كسوة الطيران الضرورية للطيران الديناميكي الهوائي. لكن حتى لو كان قد استطاع الطيران، فالأركيوبتركس ديناصوري بالدرجة الأساسية. إنه أيضاً ما يدعوه علماء التطور (فسيفسائي): فبدلاً من امتلاك كل صفة تكون وسطاً بين التي للطيور والزواحف، فقد كان لدى الأركيوبتركس مقدار قليل من الصفات الشبه طيرية تماماً، بينما معظم المقدار صفات زاحفية تماماً. (انظر مجموعة صور لمتحجرات شهيرة له في الملحق برقم 9ب)



الشكل التوضيحي 9 أ: هياكل عظمية لطائر حديث (دجاجة)، وأحد الأشكال الانتقالية (الأركيوبتركس) وديناصور رشيق Theropod لاحم منتصب القامة (Compsognathus) مشابهاً لأحد أسلاف الأركيوبتركس. كان لدى الأركيوبتركس قليل من صفات كالتي للطيور المعاصرة (ريش وأصابع أقدام متلاقية)، لكن هيكله مشابه جداً للذي للديناصورات، بما في ذلك أسنان وحوض وذيل عظمي طويل. كان الأركيوبتركس بحجم الغراب تقريباً. أما Compsognathus فكان أكبر بمقدار ضئيل.

بعد اكتشاف الأركيوبتركس، لم يُعثَر لسنوات طوال على متوسطات زاحف طيرية أخرى، تاركاً فجوة واسعة بين الطيور وأسلافهم. ثم في منتصف التسعينيات من القرن العشرين، بدأ فيض من الاكتشافات المدهشة من الصين في سد الفجوة. هذه المتحجرات_معثوراً عليها في رواسب بحيرية تحفظ انطباع الأجزاء الرقيقة_تمثل استعراضاً حقيقياً للديناصورات الرشيقة Theropods المريشة. (8) البعض منها كان لديه بنيوات شعيرية صغيرة جداً تغطي كل الجسد، ربما ريش مبكر. أحدهم هو الجدير بالملاحظة Sinornithosaurus millenii (تعني Sinornithosaurus الطائر السحلية الصيني)، والذي كان كل جسده مغطى بريش طويل رفيع، ريش صغير جداً بحيث لا يمكن بأية حال أن يكون قد ساعده على الطيران (الصورة 10 أ في ملحق الصور). وأصابع يديه وأسنانه وذيله العظمي الطويل تُظهِر بوضوح أن هذا الكائن كان بعيداً عن أن يكون طائراً حديثاً. (9).

تُظهر ديناصورات أخرى ريشاً متوسط الحجم على الأطراف االأمامية والذيل أكثر شبهاً بالطيور الحديثة. الأكثر إدهاشاً بين الجميع هو Microraptor gui، "الديناصور رباعي الأجنحة". بخلاف أي طائر حديث، فهذا الكائن العجيب ذي طول الثلاثين بوصة كان لديه ذراعان ورجلان مريشتان تماماً (الصورة 10 ب)، والتي ربما كانت تُستعمل للتزلق الهوائي عندما تُنشَر. (10)

لم يكن لدى الديناصورات الرشيقة فحسب صفات بدائية شبه طيرية، فيبدو أنها حتى قد تصرفت بطرق شبه طيرية. وصف عالم الإحاثة والمتحجرات Mark Norell وفريقه متحجرتين تُظهران سلوكاً عتيقاً، ولو كان هناك على الإطلاق متحجرات يمكن وصفها بالمؤثِّرة فهما هاتان. أحدهما لديناصور صغير مريش نائماً ورأسه مغطى تحت ذراعه الشبيه بالجناح المطوي، بالضبط كما تنام الطيور الحديثة (الصورة 11في ملحق الصور)، أُعطي الحيوان الاسم العلمي Meilong (بالصينية أي: التنين النائم تماماً)، ولابد أنه مات أثناء هجوعه. أما المتحجرة الأخرى فهي لأنثى ديناصور رشيق Theropod لاقت حتفها بينما تقبع في عشها المحتوي على اثنين وعشرين بيضة، سلوك فقس مماثل للذي للطيور.

إن كل متحجرات الديناصورات المريشة غير الطائرة تؤرخ ما بين 135 و110 مليون عام ماضٍ، متأخرة عن الأركيوبتركس الذي يعود إلى 145 مليون عام ماضٍ. هذا يعني أنهم لا يمكن أن يكونوا أسلاف الأركيوبتركس، لكنهم قد يكونون أقاربه. ربما استمرت الديناصورات المريشة في الوجود بعد أن أدى أحد أنسبائهم إلى نشوء الطيور. ينبغي_إذن_أن نكون قادرين على إيجاد ديناصورات مريشة أقدم أيضاً كانت أسلاف الأركيوبتركس. المشكلة أن ذلك يُحفَظ في رواسب خاصة فقط: الطمي المتجزع برفق لبيئات هادئة كقيعان البحيرات أو الأهوار. وهذه الظروف نادرة جداً. إلا أننا يمكننا عمل التنبؤ التطوري القابل للاختبار التالي: يوماً ما سوف نجد متحجرات لديناصورات مريشة أقدم من الأركيوبتركس. (11)

إننا لسنا متأكدين ما إذا كان الأركيوبتركس هو النوع الوحيد الذي أدى إلى نشوء الطيور. ويبدو بعيد الاحتمال أنه هو "الرابط المفقود". لكن بغض النظر، فإنه واحد من سلسلة طويلة من المتحجرات (بعضهم اكتُشِف من قِبَل الجريء Paul Sereno) تُوثِّق بجلاءٍ نشأة الطيور الحديثة. وكلما صارت هذه المتحجرات أحدث، نرى أن الذيل الزاحفي يتقلص، والأسنان تختفي، وتندمج الأصابع معاً، وتظهر عظمة الصدر العريضة لتثبيت عضلات الطيران.

رابطين الأشياء ببعضها، فإن المتحجرات تُظهر أن المخطط الهيكلي الأساسي للطيور، وذلك الريش الجوهري، قد تطورا قبل أن تستطيع الطيور الطيران. كان هناك الكثير من الديناصورات المريشة، وريشهم مرتبط بوضوح مع الذي للطيور الحديثة. لكن إذا لم يكن الريش قد نشأ كتكيف للطيران، فما الذي كان له على الأرض؟ مجدداً، إننا لا نعلم. ربما كان يستعمل للتزين أو الاستعراض، ربما لجذب العشراء. ويبدو رغم ذلك أكثر ترجيحاً أنهم قد استعملوا لعزل الحرارة. فبخلاف الزواحف الحديثة، ربما كانت الديناصورات الرشيقة حارة الدماء جزئياً، وحتى لو لم يكونوا فإن الريش كان سيساعد في الحفاظ على درجة حرارة الجسد. وما الذي تطور منه الريش هو سؤال أكثر غموضاً. التخمين الأفضل هو أنه قد نشأ من نفس الخلايا التي أنشأت حراشف الزواحف، لكن ليس كل العلماء متفقين على هذا التخمين.

رغم الأمور المجهولة، يمكننا عمل بعض التخمينات عن كيفية تشكيل الانتخاب الطبيعي للطيور الحديثة. لقد طورت الديناصورات اللاحمة المبكرة أطرافاً وأيدي أطول، والتي ربما ساعدتهم على الإمساك بالفريسة والتعامل معها. هذا النوع من الإمساك سيؤيد تطور العضلات التي ستنشر الطرفين الأماميين وتجذبهم إلى الجسد سريعاً: تماماً نفس الحركة المستعملة في السباحة الانحدارية في الطيران الحقيقي. ثم يتبعه الغطاء الريشي، ربما للعزل. مفترضين هذه الأفكار المبتكرة، فهناك على الأقل إذن سبيلان يمكن أن يكون الطيران قد تطور من أحدهما. الأول يدعى سيناريو "الهبوط من الأشجار". هناك أدلة على أن بعض الديناصورات الرشيقة Theropods عاشت جزئياً على الأشجار. كانت ستساعد الأطراف المريشة تلك الزواحف على التزلق الهوائي من شجرة إلى أخرى، أو من شجرة إلى الأرض، مما كان سيساعدهم على الهرب من المفترِسين، وإيجاد طعام بسهولة أكثر، أو تلطيف سقطاتهم.

سيناريو مختلف واكثر ترجيحاً، يُدعى نظرية "الارتفاع من الأرض"، التي ترى أن الطيران قد تطور نتيجة الجري والوثب بذراعين مفتوحتين الذي ربما قامت به الديناصورات المريشة للإمساك بفرائسها. ربما قد تطورت الأجنحة الأطول أيضاً كمساعِدات على الجري. طائر الحجلة chukar partridge، وهو طائر أحجل درسه Kenneth Dial بجامعة University of Montana، يمثل مثالاً حياً على هذه الخطوة. فطيور الحجلة هذه لا تطير أبداً تقريباً، ويرفرفون بأجنحتهم لمساعدتهم على الجري صُعُدَاً على نحو أساسي. الرفرفة لا تعطيهم فقط دفعاً إضافياً، بل أيضاً مقاومة أكثر ضد جاذبية الأرض. تستطيع أفراخه المولودة حديثاً الصعود على منحدرات بدرجة 45 درجة، ويمكن لبالغيه صعود منحدرات بميل 145درجة، متدلين أكثر من كونهم عموديين! بمجرد الركض والرفرفة بأجنحتهم. الأفضلية الواضحة هي أن التسلق صعداً يساعد هذه الطيور على الهرب من المفترسين. الخطوة التالية في تطوير الطيران ستكون قفزات هوائية قصيرة جداً، كالتي يقوم بها الديك الرومي والسلوى هرباً من الخطر.

سواء في سيناريو (الهبوط من الأشجار) أم (الارتفاع عن الأرض)، كان يمكن للانتخاب الطبيعي البدء في تأييد الأفراد الذين استطاعوا الطيران أبعد، بدلاً من مجرد التزلق، أو القفز، أو الطيران لاندفاعات قصيرة. ثم ستأتي المبتكرات الأخرى التي تشترك فيها الطيور الحديثة، بما فيها العظام المجوفة لأجل الخفة، وعظمة الصدر العريضة تلك.

بينما قد نخمن بصدد التفاصيل، فإن وجود المتحجرات الانتقالية، وتطور الطيور من الزواحف هو حقيقة. تُظهر المتحجرات كالأركيوبتركس وأقاربه اللاحقين خليطاً من الصفات الشبه طيرية والزاحفية القديمة، وهم يظهرون في الوقت الصحيح في السجل الأحفوري: تنبأ العلماء أن الطيور قد تطورت من االديناصورات الرشيقة، وعلى نحو مؤكد كفاية وجدنا ديناصورات رشيقة ذوي ريش. إننا نرى تقدماً عبر الزمن من ديناصورات رشيقة مبكرة لديها أغطية للجسد رفيعة شعيرية إلى لاحقين ذوي ريش مميز، ربما كانوا متزلقين هوائيين ماهرين. ما نراه في تطور الطيور هو إعادة تشكيل لصفات قديمة (أطراف ذوات أصابع وشعيرات رفيعة على الجلد) إلى أخرى جديدة (أجنحة بلا أصابع وريش)، تماماً كما تتنبأ النظرية التطورية.



عودة إلى الماء: تطور الحيتان

اشتهر الخلقي الأمركي Duane Gish لأجل محاضراته النشيطة والشعبية (وإن تكن مضللة على نحو متطرف) المهاجمة للتطور. حضرت ذات مرة إلى إحداها، وخلالها سخر Gish من نظرية علماء الأحياء بأن الحيتان تحدرت من حيوانات برية ذوي صلة بالأبقار. وسأل كيف يمكن أن تحدث هذه الانتقالة، حيث أن الشكل الوسيط سيكون متكيفاً على نحو رديء لكل من البر والماء، وهكذا لا يمكن أن يُبْنى بالانتخاب الطبيعي؟ (هذا يماثل جدلية النصف جناح ضد تطور الطيور). لتوضيح قصده، عرض Gish شريحة صورة على الشاشة لحيوان كرتوني شبيه بعروس البحر نصفه الأمامي بقرة منقطة والخلفي سمكة. محير بجلاء بصدد مصيره التطوري، كان هذا الحيوان الكرتوني رديء التكيف على نحو جلي يقف على حافة الماء، فيما حامت علامة استفهام كبيرة فوق رأسه. كان للكرتون التأثير المطلوب: اندفع الجمهور في الضحك، وفكروا كم هم أغبياء علماء الأحياء التطورية.

في الواقع، فإن "البقرة-عروس البحر" الكرتونية هي مثال مضحك لشكل انتقالي بين الثدييات البرية والبحرية، "إخفاق ثديي" حسبما دعاه Gish، لكن فلننسَ الأضحوكات والخطابة، وننظر إلى الطبيعة. هل نستطيع أن نجد أي ثديي يعيش على كلٍ من البر والماء، نوع الكائن الذي يٌفترض أنه لم يستطع التطور؟

بسهولة، فإن فرس أو جاموس النهر مرشح جيد، الذي رغم صلته الوثيقة بالثدييات البرية، يمكنه أن يصير مائياً مثلما هو بري تقريباً. هناك نوعان: جاموس النهر القزم، وجاموس النهر "القياسي"، الذي اسمه العلمي على نحو ملائم Hippopotamus amphibious جاموس النهر البرمائي. تقضي جواميس النهر معظم وقتها غاطسة في الأنهار والمستنقعات الاستوائية، ماسحين مجالهم بعيون وأنوف وآذان متموضعة أعلى رؤوسهم، كل منها يمكنه الانغلاق بإحكام تحت الماء. تتزاوج جواميس النهر في الماء، وأطفالهم الرضع_الذين يقدرون على السباحة قبل أن يقدروا على المشي_يولَدون ويرضعون تحت الماء. ولأنهم مائيون في الغالب عليهم، فإن لجواميس النهر تكيفات خاصة للصعود على الشاطئ للرعي: فهم عادة يرعون ليلاً، و_لأنهم عرضة لحروق الشمس_يفرزون سائلاً زيتياً أحمر يحتوي على صبغ، حمض عَرقي جاموسنهري، يعمل كعازل للشمس وربما كمضاد حيوي. هذا ما أدى إلى نشوء أسطورة أن جواميس النهر يعرقون دماً. جواميس النهر متكيفون جيداً على نحو واضح مع بيئتهم، وليس من الصعب رؤية أنهم لو وجدوا طعاماً كافياً في الماء، لكانوا تطوروا آخر الأمر إلى مائيين بالكامل، إلى كائنات شبيهة بالحيتان.

إلا أننا لسنا مضطرين إلى مجرد تخيل كيفية تطور الحيتان بالاستقراء من كائنات حية. فقد صادف أن للحيتان سجلاً أحفورياً ممتازاً، متوافقاً مع عاداتهم المائية وعظامهم القوية سهلة التحجر. وقد بزغت معرفة كيفية تطورهم خلال العشرين سنة الأخيرة فقط. هذا واحد من أفضل أمثلتنا على الانتقال التطوري، حيث لدينا سلسلة مرتبة زمنياً من المتحجرات، ربما خط تحدر من الأسلاف والمتحدرين، يُظهِر تحركهم من البر إلى الماء.

لقد أُدرِك منذ القرن السابع عشر أن الحيتان وأقاربهم: الدلافين وحيتان خنازير البحر ثدييات. وأنهم حارو الدماء، وينجبون أطفالاً أحياء يضرعونهم الحليب، ولهم شعر حول منخري الواحد منهم. والأدلة من الحمض النووي للحيتان، وكذلك التراكيب الأثرية اللاوظيفية كالحوض والرجلين تُظهر أن أسلافهم عاشوا على البر. تطورت الحيتان على نحو مؤكد تقريباً من نوعٍ من شفعيات الأصابع: مجموعة الثدييات التي لها عدد فردي من الأظلاف، كالجمال والخنازير. (12)

يعتقد علماء الأحياء اليوم أن أوثق الكائنات الحية قرابة إلى الحيتان هم_ولعلك خمنتَ هذا_جواميس النهر، لذا ربما سيناريو جاموس النهر إلى الحوت ليس متكلفاً جداً برغم كل شيء.

إلا أن للحيتان صفاتهم الخاصة الفريدة التي تجعلهم ملحوظين أكثر من أقاربهم البريين. هذا يتضمن غياب الرجليين الخلفيتين، والطرفين الأماميين المشكلين كالمجدافين، والذيل المسطح الشبيه بشعبة المرساة، وفتحة نفخ (فتحة أنف أعلى الرأس)، ورقبة قصيرة، وأسنان مخروطية بسيطة (مختلفة عن الأسنان المعقدة والمتعددة الأنياب للثدييات البرية)، وصفات خاصة للأذنين تمكنهم من السماع تحت الماء، ونتوآت قوية على أعلى العمود الفقري لتثبيت عضلات السباحة القوية للذيل. بفضل سلسلة مدهشة من المتحجرات وُجِدَت في الشرق الأوسط، يمكننا تتبع كل واحدة من هذه الصفات_عدا الذيل غير العظمي الذي لا يتحجر_من شكل بري إلى شكل مائي.

منذ ستين مليون عام ماضٍ هناك وفرة من متحجرات الثدييات، لكن لا متحجرات حيتان. تظهر الكائنات الشبيهة بالحيتان الحديثة بعد ثلاثين مليون عام لاحقة. ينبغي أن نكون قادرين_من ثم_على العثور على أشكال انتقالية خلال هذه الفجوة. ومرة أخرى، هذا بالضبط حيث يوجدون.
يُظهر الشكل التوضيحي 12، في ترتيب زمني، بعض المتحجرات المتضمنة في هذه الانتقالة، تشغل الحقبة ما بين الـ52 و40 مليون عام ماضٍ.




شكل توضحي 12: أشكال انتقالية في تطور الحيتان الحديثة من السلف شفعي الأظلاف Indohyus إلى الحوت صفائحي الأسنان الحديث Balaena ذي الحوض والطرفين الخلفيين الأثريين، بينما الأشكال الأخرى هي متحجرات انتقالية. تظهر الأحجام النسبية للحيوانات في التظليل الرمادي.
ليس هناك حاجة لوصف هذه الانتقالة بالتفاصيل، إذ يتحدث الشكل التوضيحي المرسوم بوضوح_إن لا يكن على نحو صارخ_عن كيفية لجوء حيوان عائش فوق البر إلى الماء. تبدأ السلسلة بمتحجرة مكتشفة حديثاً لقريب وثيق الصلة إلى الحيتان، حيوان بحجم الشره (الراكون) يدعى Indohyus . عاش منذ 48 مليون عام، وقد كان Indohyus لديه الصفات الخاصة للأذنين والأسنان التي تُرى فقط في الحيتان الحديثة وأسلافهم المائيين. رغم أن Indohyus يظهر متأخراً قليلاً عن الأسلاف المائية الضخمة للحيتان، فإنه ربما كان قريباً للغاية مما كان يبدو عليه سلف الحيتان. وقد كان مائياً جزئياُ على الأقل. نعلم هذا لأن عظامه كانت أكثر كثافة من التي للثدييات البرية تماماً، التي تحول دون تمايل الكائن يمنى ويسرى في الماء، ولأن النظائر الذرية المستخلصة من الأسنان تُظهر أنه امتص وفرة من الأكسجين من الماء، فربما خاض في الأنهار أو البحيرات الضحلة للرعي على النباتات أو الهرب من أعدائه، بصورة مشابهة للغاية لما يفعل اليوم حيوان مشابه، الـ Chevrotain المائي الإفريقي. (13) ربما وضعت هذه الحياة التي جزء منها في الماء أسلافَ الحيتان على طريق صيرورتهم مائيين على نحو كامل.

لم يكن Indohyus سلفاً للحيتان، إلا أنه كان على نحو مؤكد تقريباً قريبهم. لكن لو وعدنا في الزمن أربعة ملايين سنة أخرى، إلى 52 مليون سنة ماضية، نرى ما لعله ذلك السلف تماماً. إنها متحجرة جمجمة من كائن بحجم الثعلب يُدعى Pakicetus، الذي كان أشبه بالحوت أكثر بقليل جداً من Indohyus، لديه أسنان أكثر بساطة وأذنين أشبه بالحيتان أكثر. لا زال الـ Pakicetus لا يبدو شبيهاً في شيء للحيتان الحديثة، لذا فلو كنت في الجوار آنذاك لرؤيته لما كنت ستحدس أنه أو أحد أقاربه الوثيقين سيؤدي إلى نشوء تشعب تطوري درامي. ثم يتلو ذلك_في تتابع سريع_سلسلة من المتحجرات اللاتي تصير أكثر فأكثر مائية مع الزمن. عند خمسين مليون سنة ماضية كان هناك الـ Ambulocetus الجدير بالملاحظة (يعني اسمه باللاتينية الحوت السائر)، ذو جمجمة ممتدة وأطراف ناقصة لكن لا تزال قوية، أطراف تنتهي بأظلاف تشي بسلفيتها. ربما قضى معظم وقته في الماء الضحل، وتهادى على نحو أخرق على البر، على نحو شديد الشبه بالفقمة. أماRodhocetus منذ 47 مليون عام ماضٍ فكان مائياً بدرجة أكبر. تحرك منخراه إلى حد ما إلى الخلف، وكان له جمجمة أكثر امتداداً، مع امتدادات قوية على العمود الظهري لتثبيت عضلات ذيله، لابد أنه كان سابحاً ماهراً، لكنه كان معاقاً على البر بسبب حوضه وطرفيه الخلفيين الصغار. قضى الكائن بالتأكيد معظم إن لم يكن كل وقته في البحر. آخراً عند أربعين مليون سنة ماضية، نجد متحجرات الـ Basilosaurus and Dorudon، وهي ثدييات مائية على نحو كامل بوضوح ذوي رقاب قصيرة ومنخرين أعلى الجمجمة. لا يمكن أن يكونوا قد قضوا أي وقت على البر، لأن أحواضهم وأرجلهم الخلفية كانت ضامرة (كان لـ Dorudon ذي طول الخمسين قدماً رجلان طول الواحدة منهما قدمان فقط) وكانت غير مرتبطة ببقية الهيكل العظمي.

لقد كان تطور الحيتان من حيوانات برية سريعاً على نحو ملحوظ: معظم التغير حدث خلال عشرة ملايين سنة فقط. هذا ليس أكثر بكثير من الوقت الذي استغرقناه للانفصال عن سلفنا المشترك مع الشمبانزي، وهي انتقالة تضمنت تعديلاً أقل بكثير للجسد. بهدوء وثبات، لم يتطلب التكيف للحياة في البحر تطور أية صفات جديدة كأنها علامة تجارية، بل فقط تعديلات على القديمة.

لكن لماذا تعود بعض الحيوانات إلى الماء على نحو عام؟ مع أن منذ ملايين السنوات الأسبق غزا أسلافهم البر. إننا لسنا متأكدين لماذا كانت هناك هجرة عكسية، إلا أن هناك أفكاراً عديدة. إحدى الاحتمالات تتضمن اختفاء الديناصورات إلى جانب أقاربهم المائيين المفترِسين، mosasaurs, ichthyosaurs, and plesiosaurs آكلي السمك. هذه الكائنات لم تكن ستتنافس فقط مع الثدييات المائية على الطعام، بل ربما جعلت منهم وجبة. مع انقراض منافسيهم، ربما وجد أسلاف الحيتان كوة مفتوحة، خالية من المفترسين وغنية بالطعام. كان البحرمستعداً للاجتياح. كل منافعه كانت على بُعد طفرات وراثية قليلة.

ما الذي تقوله المتحجرات

إن تكن عند هذه النقطة شاعراً بالربكة مع المتحجرات، فكن متعزياً بأني أهملتُ المئات من الأخرى التي تُظهر أيضاً التطور. فهناك انتقالة بين الزواحف والثدييات، موثقة بإسهاب للغاية مع "الثدييات شبيهة الزواحف" الوسيطة التي هي مادة العديد من الكتب. ثم هناك الأحصنة كشجيرة تطورية متفرعة أدت من سلف صغير خماسي الأظلاف إلى النوع ذي الحوافر الفخيم للعصر الحالي (صورة 12ب). وبالتأكيد هناك سجل أحفوري بشري، وصفناه في الفصل الثامن. بالتأكيد أفضل مثال على تحقيق تنبؤ تطوري.

خشية الإطناب سأشير فقط على نحو مختصر إلى القليل من الأشكال الانتقالية الهامة الأخرى. الأول هو حشرة. لقد افترض علماء الحشرات منذ زمن طويل من التشابهات التشريحية أن النمل قد تطور عن زنابير غير اجتماعية. في عام 1961 عثر E.o.Wilson وزملاؤه على "نملة انتقالية"، محفوظة في الكهرمان، تحمل بالضبط تقريباً مجموعة الصفات شبه النملية وشبه الزنبورية التي تنبأ بها علماء الحشرات. (شكل توضيحي وصورة برقم 13 في ملحق الصور).

على نحو مماثل، افتُرِض منذ زمن طويل أن الثعابين قد تطورت من زواحف شبيهة بالسحالي فقدت أرجلها، حيث أن الزواحف ذوات الأرجل تظهر في السجل الأحفوري قبل الثعابين تماماً. في عام 2006 عثر علماء متحجرات منقبين في Patagonia على متحجرة لأقدم ثعبان معروف، يعود إلى تسعين مليون سنة. تماماً كما قد تُنبِأ، كان لديه حزام حوضي ضئيل ورجلين خلفيتين ضامرتين. (صورة 13ب في ملحق الصور)

وربما أكثر اكتشاف مثير من بين الجميع هو متحجرة عمرها 530 مليون عام من الصين تدعى Haikouella lanceolata، تشبه سمكة أنقليس ذات زعنفة ظهرية مشرشبة. ولها أيضاً رأس ومخ وقلب وعمود غضروفي على طول الظهر: الحبل الشوكي. هذا يعينها ربما كأقدم حبلي، المجموعة التي أدت إلى نشوء كل الفقاريات أو الحبليات، بما في ذلك نحن. ربما يكمن في هذا الكائن المعقد ذي طول البوصة الواحدة جذور تطورنا.

يُعلِّمنا سجل الأحافير ثلاثة أشياء. أولاً، إنه يتحدث بصوت عالٍ وعلى نحو بليغ عن التطور. يؤكد السجل في الصخور تنبؤات عديدة لنظرية التطور: التغير التدرجي خلال خطوط التحدر (الذُريَّات)، وانشقاق خطوط التحدر، ووجود أشكال انتقالية بين كل نوعين مختلفين من الكائنات. ليس هناك من سبيل لتجنب لهذه الأدلة، ولا إقصائها، التطور قد حدث، وفي حالات كثيرة نرى كيف.

ثانياً، عندما نجد أشكالاً انتقالية، فهي تظهر في السجل الأحفوري تماماً حيث ينبغي أن تكون. أقدم الطيور تظهر بعد الديناصورات لكن قبل الطيور الحديثة. نرى حيتاناً سلفية تسد الفجوة بين أسلافهم عديمي الخبرة بالسباحة والحيتان الحديثة تماماً. إن لا يكن التطور حقيقة، لما ظهرت المتحجرات في ترتيب له منطق تطوري. مسؤولاً ما هي الملاحظة الممكن تصورها تدحض التطور، تذمر عالم الأحياء سريع الغضب J. B. S. Haldane حسبما يُقال مجيباً: "متحجرات أرانب في العصر الكامبريّ!" (العصر الجيولوجي الذي انتهى عند 542 مليون عام ماضٍ). ليس هناك من حاجةٍ للقول، لم يُعثَر قط على أرانب قبل كامبرية أو أي متحجرات أخرى منطوية على مفارقة تاريخية.

آخراً، فإن التغير التطوري_حتى من النوع الكبير_يتضمن دوماً تقريباً إعادة تشكيل القديم إلى الجديد. فأرجل الحيوانات البرية هي تغييرات على الأطراف القوية للسمك السلفي. عظام الأذن الوسطى الصغيرة للثدييات هي إعادة تشكيل لعظام الفك لأسلافهم الزاحفيين. أجنحة الطيور معدلة عن أرجل الديناصورات. والحيتان هي حيوانات برية ممطوطة صارت أطرافها مجاديف وتحركت مناخيرها إلى أعلى الرأس.

ليس هناك سبب لكي يقوم مصمم سماوي بتشكيل الكائنات من نقطة انطلاق، مثل مهندس معماري يصمم مباني، وينبغي عليه عمل نوع جديد بإعادة تشكيل ملامح الموجودة، كل نوع كان يمكن أن يُبنى من المرتبة الدنيا إلى العليا. لكن الانتخاب الطبيعي يمكنه فقط العمل بتغيير ما هو موجود فعلياً. فهو لا يمكنه إنتاج صفات جديدة من العدم: تتنبأ نظرية التطور_إذن_أن الأنواع الجديدة سوف تكون نسخاً معدلة من القديمة. يؤكد السجل الأحفوري بإسهاب هذا التنبؤ.
04-23-2012 06:03 PM    
عرض جميع مشاركات هذا العضو     إقتباس هذه الرسالة في الرد
راهب العلم غير متصل
مرشد إلى الإلحاد
**

المشاركات : 12
الإنتساب : Jul 2008    
مشاركات : #3
RE: للتحميل: لماذا النشوء والتطور حقيقة
الفصل الثالث
الآثار: الأعضاء الأثرية والأجنة والتصميمات الرديئة والجينات الميتة

‘‘لا شيء في علم الأحياء يكون له معنى منطقي إلا في ضوء التطور’’

Theodosius Dobzhansky

في أوربا القرون الوسطى، قبل أن يكون هناك ورق، كانت تصنع المخطوطات بالكتابة على الرقاق والرقاع، صفحات من جلد الحيوان المجفف. ولأن إنتاجها كان صعباً، أعاد كثير من كتبة القرون الوسطى ببساطة استعمال الكتب القديمة بكشط الكلمات القديمة والكتابة على الصفحات النظيفة من جديد. هذه المخطوطات المعاد تدويرها تُدعى في الإنجليزية Palimpsests من الكلمة اليونانية Palimpsestos أي "مكشوطة مجدداً".

غالباً، رغم ذلك، بقيت آثار رقيقة من الكتابة الأقدم. هذا تكشف عن دور هام في فهمنا للعالم القديم. فكثير من النصوص العتيقة في الحقيقة معروفٌ لنا فقط بالتحديق أسفل طبقة الكتابة الفوقية لتغطية الكلمات الأصلية. ربما أشهر هؤلاء هي مخطوطة أرخميدس، كُتِبَت أولاً في القسطنطينية في القرن العاشر الميلادي ثم استُنظِفت وُكتِب فوقها بعد ثلاثة قرون لاحقة كتاب صلاة من قِبَل كاهن. في عام 1906 تعرف عالم كلاسيكيات دنماركي على النص الأصلي لأرخميدس. منذ ذلك الحين، استُعملت مجموعة من أشعة X ، وإدراك ألفبائي بصري، ووسائل معقدة أخرى لكشف النص الأصلي التحتي. أنتج هذا العمل المضني ثلاثة أبحاث رياضية لأرخميدس مكتوبة في اليونانية العتيقة. اثنان منهم كانا مجهولين سابقاً وهامان على نحو ماس في تاريخ العلم. بمثل هذه الوسائل الملغزة نسترجع الماضي.

كمثل هذه النصوص القديمة، الكائنات مخطوطات تاريخية معاد كشطها، التاريخ التطوري. فضمن أجساد الحيوانات والنباتات توجد مفاتيح لأصلها السلفي، مفاتيح هي شهادة على التطور، وهي كثيرة. خُفِيَت هاهنا سمات خاصة "أعضاء أثرية"، التي يكون لها منطق فقط كبقايا سمات كانت قديماً مفيدة في سلف. ونجد أحياناً "تأسل" أي عودة إلى صفات الأسلاف تَنتج بالانبعاث المُجَدَّد العَرَضيّ لجينات سلفية أُسكِتَتْ منذ زمن بعيد. اليوم لأننا يمكننا قراءة تسلسلات الحمض النووي مباشرة، نجد أن الأنواع هي أيضاً مخطوطات تاريخية أحيائي جزيئية معاد كشطها: ففي جينوماتها (مجاينها) كُتِب الكثير من تاريخهم التطوري، متضمناً حطام الجينات التي كانت مفيدة قديماً. ما هو فوق هذا، أنه في تطورهم من أجنة، الكثير من الأنواع تمر بتحويرات غريبة للشكل: أعضاء وسمات أخرى تظهر، ثم تتغير بطريقة درامية أو حتى تختفي تماماً قبل الولادة. والأنواع ليست بذلك التصميم الجيد تماماً، فأيضاً يُظهر الكثير منهم عيوباً هي علامات ليس على مهندس سماوي، بل على التطور.

دعا Stephen Jay Gould هذه المخطوطات الحيوية معادة الكتابة عليها بـ "العلامات الخالية من المعنى للتاريخ". لكنهم ليسوا بلا معنى في الحقيقة، إذ أنهم يؤلفون بعض أقوى الأدلة على التطور.


الأعضاء الأثرية

عندما كنت طالباً متخرجاً في Boston، كنت متطوعاً لمساعدة عالم متقاعد قد كتب ورقة عما إذا كان أكثر فعالية للحيوانات حارة الدماء أن تسير على رجلين أم أربعة. اعتزم على إرسال الورقة إلى دورية الطبيعة Nature، إحدى أكثر الدوريات العلمية مهابة، وسألني أن أساعده على أخذ صورة أخاذة كفاية لوضعها على غلاف الدورية ولجذب الانتباه إلى عمله. متحمساً للخروج من المعمل، قضيت عصراً كاملاً طارداً حصاناً ونعامة حول حظيرة، آملاً الحصول عليهما جاريين جوار بعضهما، مظهراً أسلوبَيْ الركض في صورة واحدة. غني عن القول أن الحيوانين رفضا التعاون، و_كون كليهما قد أُنهِك_أقلعنا عن الأمر في النهاية، رغم أننا لم نحصل على الصورة قط.(14) لقد علمتني الخبرة درساً بيولوجياً: أن النعام لا يقدر على الطيران، لكن لا يزال يقدر على استعمال جناحيه. فعندما يجري يستخدم جناحيه للتوازن، ناشراً إياهما على الجانبين لحفظه من الانقلاب. وعندما تصير نعامة مستثارة_كما حاولت أن تفعل عندما طاردتها حول حظيرة_تجري اتجاهك مباشرة، ناشرة جناحيها في استعراض مهدد. هذه إشارة للابتعاد عن الطريق، لأن النعامة المستاءة يمكنها بسهولة نزع أحشائك بركلة سريعة واحدة. يستخدمون أجنحتهم أيضاً في استعراضات التزاوج (15)، وينشرونها لتظليل أفراخهم من الشمس الإفريقية القاسية. الدرس_مع ذلك_يصير أعمق. إن جناحي النعامة هما صفة أثرية: سمة لنوع كانت تكيفاً في أسلافه، لكنها إما فقدت فائدتها على نحو كامل أو_كما في النعام_اكتسبت استعمالات جديدة. ككل الطيور غير الطائرة، ينحدر النعام من أسلاف طائرين. نعلم هذا من كلٍ من الدليل الأحفوري ومن نمط السلفية الذي تحمله الطيور غير الطائرة في حمضها النووي. إلا أن الأجنحة_رغم أنها لا تزال موجودة_لم تعد تقدر على مساعدة الطائر في الطيران إلى علف أو الهرب من المفترِسين أو الطلاب المتخرجين المزعِجين. ومع ذلك فالأجنحة ليست غير مفيدة، فقد طورت وظائف جديدة. فهي تساعد الطائر في الحفاظ على التوازن، والتزاوج، وتهديد أعدائه.

النعام الإفريقي ليس الطائر غير الطائر الوحيد. فبجوار طائفة مسطحات الصدر (مجموعة طيور غير طائرة ذوو عظم صدر مسطح بلا بروز للقص_المترجم): الطيور غير الطائرة التي تتضمن الرِيَة الجنوب إفريقي والإيمو الأسترالي والكيوي الأسترالي، هناك دستات من أنواع الطيور الأخرى التي فقدت على نحو مستقل القدرة على الطيران. هؤلاء يتضمنون الـ rais، والطيور الغواصة، والبط، وبالتأكيد البطريق. ربما الأكثر غرابة هو الكاكابو Kakpo النيوزيلندي، ببغاء بدين غير طائر يعيش بشكل رئيسي على الأرض لكن يمكنه أيضاً تسلق الأشجار والهبوط بلطف إلى أرض الغابة. إن الكاكابو عرضة لخطر الانقراض على نحو خطر: أقل من مئة لا زالوا يوجدون في البرية. بسبب عدم قدرتهم على الطيران، هم فريسة سهلة للمفترِسين المجلوبين إلى البيئة كالقطط والفئران.

كل الطيور غير الطائرة لديها أجنحة، في بعضها_كالكيوي_تكون الأجنحة صغيرة جداً، فقط بضع بوصات طولاً ومدفونة تحت ريشهم، إلى حد أنه لا يبدو أن لها أية وظيفة. هم فقط بقايا. في آخرين¬_كما رأينا مع النعام_الأجنحة لها استعمالات جديدة. في البطاريق تطورت الأجنحة السلفية إلى زعانف، تُمكِّن الطائر من السباحة تحت الماء بسرعة مدهشة. ومع ذلك كلهم لديهم نفس العظام بالضبط التي نراها في أجنحة الأنواع التي تستطيع الطيران. ذلك لأن أجنحة الطيور غير الطائرة ليست مُنتَج تصميم مُتعَمَّد (لماذا سيستخدم خالقٌ نفس العظام بالضبط في الأجنحة الطائرة وغير الطائرة، بما في ذلك أجنحة البطاريق السابحة؟)، بل منتج التطور من أسلاف طائرين.

دائماً ما يقول معارضو التطور نفس الجدلية عندما يُستشهد بالسمات الأثرية كدليل على التطور، يقولون: "السمات ليست بلا فائدة، فهم إما مفيدون لشيء ما، أو إننا لم نكتشف بعدُ لأجلِ ماذا هي." هم يدعون_بعبارة أخرى_أن السمة لا يمكن أن تكون أثرية إن كانت لا يزال لها وظيفة، أو وظيفة لم تُكتشَف بعد.

لكن هذا الجواب يفتقد غرضه. فالنظرية التطورية لا تقول أن الخصائص الأثرية ليس لها وظيفة بالضرورة. فيمكن لصفة أن تكون أثرية ووظيفية في نفس الوقت. إنها أثرية ليس لأنها لا وظيفية، بل لأنها لم تعد تقوم بالوظيفة التي تطورت لأجلها. فجناحا النعامة مفيدان، لكن هذا لا يعني أنهما لا تقولان شيئاً عن التطور. ألن يكون غريباً لو ساعد خالقٌ النعامَ على موازنة أنفسهم بإعطائهم لواحق يصادف تمامً أن تبدو مثل الأجنحة الضامرة، ومبنية بنفس الطريقة بالضبط التي للأجنحة المستخدمة للطيران؟

في الواقع نحن نتوقع أن الصفات السلفية سوف تطور استعمالات جديدة، هذا هو ما حدث تماماً عندما بنى التطور صفات جديدة من القديمة. لاحظ دارون نفسه أن: "عضوٌ يُجعَل_خلال عادات الحياة المتغيرة_لا وظيفياً أو مؤذياً لأحد الأغراض، يمكن بسهولة أن يُعدَّل ويُستخدَم لغاية أخرى."

لكن حتى عندما نحدد أن صفة هي أثرية، لا تنتهي الأسئلة. ففي أي أسلافٍ كانت وظيفية؟ ما الذي كانت تُستعمَل له؟ لماذا فقدت وظيفتها؟ لماذا ما زالت موجودة بدلاً من الاختفاء على نحو كامل؟ وأي وظائف جديدة_إن يكن هناك أيٌ منها_قد طورتها؟

فلنتناول الأجنحة مجدداً. على نحو واضح، هناك أفضليات كثيرة لامتلاك جناحين، أفضليات تشاركتها الأسلاف الطائرة للطيور غير الطائرة. وبالتالي لماذا فقدت بعض الأنواع قدرتها على الطيران؟ إننا لسنا متأكدين على نحو جازم، إلا أن لدينا بعض المفاتيح القوية. فمعظم الطيور التي طورت عدم الطيران عملت ذلك على جزر: الدودو المنقرض على جزيرة Mauritius، الـ rail الهاوييّ، الكاكابو والكيوي في نيوزيلاند، والكثير من الطيور غير الطائرة تُسمى بأسماء بعد أسماء الجزر التي تسكن فيها: (the Samoan wood rail, the Gough island moorhen, the Auckland Island teal، وهلم جراً). كما سنرى في الفصل القدام، أحد السمات الملاحظة للجزر البعيدة افتقارها للثدييات والزواحف، الأنواع التي تفترس الطيور. لكن ماذا عن مسطحات الصدر التي تعيش على القارت، كالنعام والإيمو؟ كلُ من هذين قد تطور في نصف الكرة الجنوبي حيث هناك مفترسون ثدييون أقل بكثير مما في الشمال.

إن خلاصة الموضوع هي هذا: الطيران مكلف أيضياً، يستنفد وفرة من الطاقة يمكن بدلاً من ذلك أن تُحوَّل إلى التكاثر. إن كنت تطير على نحو أساسي للابتعاد عن المفترِسين، لكن المفترسين غالباً مفتقدون في الجزر، أو الطعام منال بسهولة على الأرض، كما يمكن أن يكون على الجزر (والتي غالباً ما تفتقر إلى الأشجار الكثيرة)، من ثم لماذا تحتاج أجنحة وظيفية بالكامل؟ في وضع كهذا، الطيور ذوات الأجنحة الضامرة لها أفضلية تكاثرية، ويمكن للانتخاب الطبيعي أن يؤيد عدم الطيران أيضاً بضمورها. في كلتا الحالتين، سيؤيد الانتخاب مباشرةً الطفرات التي تؤدي إلى أجنحة أصغر تدريجياً، مؤدياً إلى عدم القدرة على الطيران.

إذن لماذا لم يختفوا على نحو كامل؟ في بعض الحالات هم تقريباً لديهم: جناحا الكيوي هما نتوآت لاوظيفيان، لكن عندما يقوم الجناحان باستعمالات جديدة_كما في النعام_سيُبقي الانتخاب الطبيعي عليهما. برغم أنهما في شكل لا يُمكِّن من الطيران. في أنواع أخرى، ربما تكون الأجنحة في عملية الاختفاء، ونحن ببساطة في وسط هذه العملية.

العيون الأثرية شائعة أيضاً، فالعديد من الحيوانات، بما في ذلك الحفارون وقاطنو الكهوف، تعيش في ظلام تام، لكننا نعلم من بناء الأشجار التطورية أنهم انحدروا من أنواع عاشت فوق الأرض وكان لها عيون وظيفية. كالأجنحة، العينان عبء عندما لا تحتاجهما. فهما يستهلكان طاقة للبناء، ويمكن أن يُجرَحوا بسهولة. بالتالي فإن أي طفرات تؤيد فقدانها ستكون مفيدة بجلاءٍ عندما يكون هناك ظلام لا يُمكِّن من الرؤية تماماً. بشكل اختياري، يمكن أن تتراكم الطفرات الوراثية المقللة للرؤية طالما أنها لا تساعد ولا تؤذي الحيوان.

تماماً مثل الفقدان التطوري للعيون الذي حدث في أسلاف الجرذ الخلدي الأعمى في منطقة شرق البحر المتوسط، وهو قارض طويل إسطواني ذو أرجل قصيرة غليظة، يشبه قطعة سجق مكسوة بالفرو ذات فم صغير. يقضي هذا الكائن كل حياته تحت الأرض. ومع ذلك فلا يزال يحتفظ بأثر عين، عضو صغير قطره مليمتر واحد فقط ومخبأ بالكامل تحت طبقة حامية من الجلد. لا يمكن أن تصنع العين المتبقية صوراً. يخبرنا الدليل الجزيئي أن منذ حوالي 25 مليون سنة ماضية، تطورت الجرذان الخلدية العمياء من قوارض مبصرة، وعيونهم الضامرة تشهد على هذه السلفية. لكن لماذا تبقى هذه البقايا على العموم؟ تُظهر الدراسات المعاصرة أنها تحتوي على صبغيات رؤية حساسة لمستويات منخفضة من الضوء، وتساعد على تنظيم إيقاع نشاط الحيوان اليومي. هذه الوظيفة المتبقية، مقادة بكميات ضئيلة من الضوء النافذ إلى تحت الأرض، يمكنها تفسير استمرار العيون الأثرية. (انظر صورة 14أ)
أما الخِلدان الحقيقية، التي ليست قوارض بل ثدييات آكلو حشرات، قد فقدت على نحو مستقل عيونها، محتفظة بعضو أثري مغطى بالجلد فقط. يمكنك رؤيته بدفع الفرو الذي على رأسه جانباً.

على نحو مماثل، في بعض الثعابين الحفارة تكون العيون مخبأة على نحو كامل تحت الحراشف. الكثير من حيوانات الكهوف كذلك لها عيون ضامرة أو مفقودة. هذا يتضمن سمكاً (مثل سمكة الكهوف العمياء، يمكنك شراء واحدة من محلات الحيوانات الأليفة)، وعناكب، وسلاماندرات، وجمبري، وخنافس. هناك حتى جراد بحر أعمى لا يزال لديه سويقتي العينين لكن لا عينين فوقهما.

الحيتان هم كنز مكتشف من الأعضاء الأثرية. الكثير من الأنواع الحية لديها عظام حوض وأرجل خلفية أثريين، تشهد_كما رأينا في آخر فصل_على تحدرهم من أسلاف برية رباعية الأرجل. إن نظرت إلى هيكل عظمي كامل لحوت في متحف، غالبا سترى عظام الرجلين الخلفيتين والحوض الصغار معلقين ببساطة ببقية الهيكل العظمي بأسلاك. هذا لأنهم في الحيتان الحية ليسوا مربوطين ببقية العظام، بل ببساطة مطمورون في النسيج. لقد كانوا قديماً جزءً من الهيكل العظمي، لكن صاروا غير مرتبطين وصغاراً لما لم يعد لهم احتياج. إن قائمة الأعضاء الأثرية في الحيوانات يمكن أن تملأ دليلاً كبيراً. دارون نفسه_الذي كان جامع خنافس نهم في صغره_أشار إلى أن بعض الخنافس غير الطائرة لا يزال لديها آثار الأجنحة تحت الأغطية الجناحية المدموجة ("قوقعة" الخنفس).

نحن البشر لدينا الكثير من الصفات الأثرية المثبتة أننا تطورنا. أشهرها هو الزائدة. المعروفة طبياً بالزائدة دودية الشكل Vermi form ، إنها إسطوانة رفيعة بحجم القلم من النسيج الكيسي أو المصران الأعور، الذي يتموضع عند ملتقى أمعائنا الغليظة والرقيقة، كالكثير من الصفات الأثرية، فإن حجمها ودرجة تنميها متنوعة بدرجة عالية: ففي البشر، يتراوح طولها ما بين حوالي البوصة إلى ما فوق القدم. حتى أن بعض الناس تولد بدون واحدة.

في الحيوانات آكلي العشب كالكوالات والأرانب والكانجارو، يكون الأعور وطرفه المستدق الزائدي أكبر مما لدينا. هذا أيضاً ينطبق على الرئيسيات آكلي الأوراق كالليمورات، والليمورات البليدة (ليمور صغير بطيء الحركة عديم الذيل يسعى ليلاً بغابات آسيا)، والقرود العنكبوتية. يُستعمَل الكيس المتسع كوعاء تخمر (كـ "الأمعاء الإضافية" لدى الأبقار)، محتوياً على بكتريا تساعد الحيوان على تحليل السليلوز إلى سكريات قابلة للاستعمال. أما في الرئيسيات الذين يحتوي نظامهم الغذائي على أوراق أقل، كالأورانجوتانات (إنسان الغاب) والمكاك، يكون الأعور والزائدة ضامرين. في البشر الذين لا يأكلون أوراق الشجر ولا يمكنهم هضم السليلوز، قد انقرضت الزائدة تقريباً. على نحو واضح، كلما كان الحيوان أقل عشبية، صغر المصران والزائدة. بعبارة أخرى: فإن زائدتنا هي ببساطة بقية عضو كان هاماً على نحو خطر لأسلافنا آكلي الأوراق، لكن بلا قيمة فعلية لنا اليوم.

هل تقوم الزائدة بأي فائدة لنا على الإطلاق؟ إن تكن كذلك، فهذا غير واضح. فإن إزالتها لا تؤدي إلى أية آثار جانبية سيئة أو زيادة معدل الوفاة (في الحقيقة، يبدو أن إزالتها تقلل التهاب القولون). باحثاُ حول الزائدة في كتابه الدراسي الجامعي الشهير (الجسم الفقاري)، علق عالم الإحاثة Alfred Romer باقتضاب: "أهميتها الرئيسية تتبدى كدعم مالي لمهنة الجراحة". لكن لنكون متحرين الدقة، ربما تكون ذات استعمال ضئيل. تحتوي الزائدة على قطع من النسيج ربما تعمل كجزء من النظام المناعي. لقد اقتُرِح أيضاً أنها تُزوِّد بملجأ للبكتريا المعوية عندما تُزيلها عدوى من بقية جهازنا الهضمي.

لكن هذه الفوائد الثانوية مرجوحة حتماً بالمشاكل الخطيرة التي تأتي من الزائدة البشرية. فضيقها يجعلها تنسد بسهولة، مما يمكن أن يؤدي إلى إصابتها بالعدوى والالتهاب. أو ما يُعرف بالتهاب الزائدة الدودية. إن لم تعالج، فالزائدة المنفجرة يمكن ان تقتل المصاب. لديك احتمال واحد على خمسة عشر للإصابة بالتهاب الزائدة في حياتك. لحسن الحظ، بفضل الممارسة الحديثة المتطورة للجراحة، فاحتمال الموت عندما تُصاب بالتهاب الزائدة هو فقط 1%. لكن قبل أن يبدأ الأطباء في إزالة الزوائد الملتهبة في أواخر القرن التاسع عشر، لربما فاق معدل الوفاة 20%. بعبارة أخرى، قبل عصر الإزالة الجراحية، أكثر من شخص من كل مئة مات من التهاب الزائدة. هذا كان انتخاباً طبيعياً قوياً جيداً.

خلال حقبة التطور البشري المديدة_أكثر من 99% منها_لم يكن هناك جراحون، وقد عشنا بقنبلة موقوتة دقاقة في حشانا. عندما تزن المزايا الضئيلة للزائدة مقابل مضارها الفادحة، فمن الواضح أنها إجمالاً شيء سيء امتلاكه ببساطة. لكن بصرف النظر عما إذا كانت جيدة أم سيئة، لا تزال الزائدة البشرية أثرية، لأنها لم تعد تقوم بالوظيفة التي تطورت لأجلها.

إذن لماذا لا زلنا نملك واحدة؟ لم نعرف الإجابة بعد. ربما في الحقيقة قد كانت في طريقها إلى الاختفاء، لكن الجراحة قد تخلصت من الانتخاب الطبيعي ضد الناس ذوي الزوائد الدودية. هناك احتمالية أخرى ان الانتخاب لا يمكنه تقليص الزائدة أكثر من ذلك دون أن تصير ضارة بدرجة أكبر: الزائدة الأصغر ربما تشكل خطراً أكثر بانسدادها. ذلك ربما هو عقبة طريق تطورية لاختفائها بالكامل.

تعج أجسادنا ببقايا أخرى من السلفية الرئيسية. فلدينا ذيل أثري: العصعص، أو النهاية مثلثية الشكل لعمودنا الفقري، إنها مصنوعة من فقرات مستقلة مدموجة معلقة أسفل أحواضنا. إنها ما تبقى من الذيل الطويل المفيد لأسلافنا (الصورة 14). إنها لا تزال لها وظيفة (بعض العضلات المفيدة مرتبطة إليها)، لكن تذكر أن أثريتها لا تُشخَّص بعدم فائدتها بل لأنها لم يعد لها الوظيفة التي تطورت أصلاً لأجلها. على نحوٍ معبر، بعض البشر لديهم عضلة ذيلية أثرية (العضلة الباسطة العصعصية)، متطابقة للتي تحرك ذيول القرود والثدييات الأخرى. إنها لا تزال متصلة بعصعصنا، لكن بما أن العظام غير قادرة على التحرك، فإن العضلة غير مفيدة. ربما يكون لديك واحدة لكنك لا تعرفها حتى.

عضلات أثرية أخرى تصير ظاهرة في الشتاء، أو عند مشاهدة أفلام الرعب. هذه هي العضلات ناصبة الشعر، عضلات ضئيلة متصلة بقاعدة كل شعرة من شعر الجسد. عندما تنقبض يقف الشعر، معطياً إيانا "نتوآت إوزية"، تسمى هكذا بسبب تشابها مع جلد الإوزة منتوفة الريش. لا تقوم النتوآت الإوزية والعضلات التي تسببها بأي وظيفة نافعة، على الأقل في البشر. أما في ثدييات أخر_رغم ذلك_فهي توقف الفرو للعزل عندما يكون الجو بارداً، وتجعل الحيوان يبدو أكبر عندما يقوم بالتهديد أو يتلقاه. فكر في القط، الذي يتشعث فروه عندما يكون الجو بارداً أو غاضباً. تَنتج نتوآتنا الإوزية الأثرية بنفس المنبهات: البرد أو اندفاع الأدرينالين.

وهاكم مثالاً أخيراً: إن كنت تستطيع لي أذنيك، فأنت تثبت التطور. إننا نملك ثلاث عضلات تحت فروة رأسنا المتصلة بآذاننا. في معظم الأفراد هي غير مفيدة، لكن القليل من الناس يمكنهم استعمالها للي آذانهم (أنا واحد من هؤلاء المحظوظين، وكل عام أعرض هذه المهارة لفصلي التطوري، في المعظم لتسلية الطلاب). هذه هي نفس العضلات المستعملة من قِبَل حيوانات أخرى_كالقطط والأحصنة_لتحريك آذانهم هنا وهناك، مساعِدة إياهم على تحديد مواضع الأصوات. في هذه الأنواع، يساعد تحريك الآذان على كشف المفترسين، وتعيين مواقع صغارهم، وما إلى ذلك. لكن في البشر هذه العضلات جيدة فقط للتسلية. (16)

كإعادة صياغة للاقتباس من عالم الوراثة Theodosius Dobzhansky الذي افتتَح هذا الفصل، يكون للصفات الأثرية معنى فقط في ضوء التطور. أحياناً مفيدة، لكن في الأغلب ليست، إنها بالضبط ما سنتوقع إيجاده إذا كان الانتخاب الطبيعي أزال تدريجياً السمات غير المفيدة أو عدَّلها إلى أخرى جديدة أكثر تكيفاً. إن الأجنحة الضئيلة غير الوظيفية، والزائدة الدودية الخطرة، والعيون التي لا ترى، وعضلات الأذنين المضحكة ببساطة لا يكون لها معنى أو منطق إن تكن تعتقد أن الأنواع قد خُلِقَت خلقاً خصوصياً.

التأسل

من حين لآخر يطرأ فرد ذو شيء شاذ يبدو كعودة ظهور لصفة سلفية. يمكن ان يولد حصان ذو أصابع إضافية، طفل بشري ذو ذيل. هذه البقايا الظاهرة على نحو متقطع من السمات السلفية تدعى تأسلات atavisms، من الكلمة اللاتينية atavus أي سلف (وفي العربية تأسل الابن أباه أي نزع إليه في الشبه). تختلف عن الصفات الأثرية لأنها تحدث من حين إلى آخر فقط بدلاً من أن تكون في كل فرد.

التأسلات الحقيقية ينبغي أن تستعيد صفة سلفية، وبنفس الطريقة بالضبط. هم ليسوا حيوانات مشوهة ببساطة. فالإنسان المولود برجل إضافية _كمثال_ليس تأسلاً إذ لا أحد من أسلافنا كان له خمسة أطراف. لعل أشهر التأسلات الحقيقية هي أرجل الحيتان. لقد تعلمنا من قبل أن بعض أنواع الحيتان تحتفظ بأحواض وأرجل خلفية أثريين، إلا أن حوالي حوتاً واحداً من كل خمسمئة يولَد برجلين خلفيتين ناتئتان خارج جدار الجسد. تُظهِر هذه الأطراف كل درجات التشذيب، مع كون العديد منهم يحتوون بوضوح على عظام الرجل الرئيسية للثدييات البرية: عظم الفخذ والساق والشظية الصغرى، البعض لديه حتى أقدام وحوافر!

لماذا تحدث تأسلات كهذه على العمو؟ أفضل نظرياتنا أنها تأتي من عودة تعبير جينات كانت وظيفية في الأسلاف، لكنها أُسكِتت بفعل الانتخاب الطبيعي عندما لم يعد هناك حاجة لها. إلا أن هذه الجينات الخاملة يمكن في بعض الأحيان أن تستيقظ مجدداً عندما يسير شيء ما بشكل منحرف في التطور الجنيني. لا تزال الحيتان تحتوي بعض المعلومات الجينية لعمل الأرجل، لبس أرجلاً كاملة، حيث أن المعلومات قد أُفسِدت خلال ملايين السنين التي كمنت فيها غير مستعملة في الجينوم (المجين)، إلا أنها أرجل رغم ذلك. وتلك المعلومات هي هناك لأن الحيتان تحدرت من أسلاف رباعية الأطراف. كأحواض الحيتان التي في كل أفرادها، فإن أرجل الحيتان النادرة دليل على التطور.

تُظهِر الأحصنة الحديثة_والتي انحدرت من أسلاف خماسية الأصابع وأصغر_تأسلات مماثلة. يُوَثِّق السجل الأحفوري الخسارة التدريجية للأصابع خلال الزمن، نتيجة لهذا تبَقَّى في الأحصنة الحديثة الأوسط فقط: الحافر. إنه يَظهر أن أجنة الأحصنة تبدأ التطور بثلاثة أصابع، والتي تنمو بمعدلات متساوية، لاحقاً_رغم ذلك_يبدأ الإصبع الأوسط في النمو أسرع من الأخريين، واللتين تُتركان عند الولادة كعظام شظوية رفيعة على كلا جانبي القدم (العظام الشظوية هي سمات أثرية صحيحة، عندما يلتهبان يُصاب الحصان بالتضخم العظمي في عظم الشظية). في أحيان نادرة_رغم ذلك_ تستمر الإصبعان الإضافيتان في التطور حتى تصيرا إصبعين زائدتين حقيقيتين، كاملين مع حافريهما. غالباً لا تمس هذه الأصابع الأرض إلا إذا ركض الحيوان. هذا ما كان يبدو عليه بالضبط الحصان العتيق منذ 15 مليون عام ماضٍ. قديماً كانت تُعتبر الأحصنة زائدة الأصابع عجائب خارقة للطبيعة، فقيل أن كلاً من يوليوس القيصر والإسكندر الأعظم قد ركبا عليهم. وهم عجائب من نوع معين، عجائب الاتطور، لأنهم يُظهرون بجلاء النسب الجيني بين الأحصنة العتيقة والحديثة.

أكثر التأسلات إدهاشاً في نوعنا يُدعى بـ "البروز العصعصي"، يُعرف أكثر بالذيل البشري. كما سوف نتعلم على نحو موجز، مبكراً في تطور الأجنة البشرية يكون لديهم ذيل شبه سمكي كبير، والذي يبدأ في الاختفاء عند حوالي الأسبوع السابع (تُمتَص عظامه وأنسجته ثانية ببساطة من قِبَل الجسد). نادراً_رغم هذا_أن لا يرتد على نحو كامل، ويولَد طفل ذو ذيل يبرز من قاعدة عموده الفقري (الصورة 14في ملحق الصور). تتنوع الذيول على نحو واسع: فالبعض رقيق بلا عظام، بينما الأخرى تحتوي فقرات. الفقرات عينها التي تندمج على نحو طبيعي مع بعضها في عظم ذيلنا. بعض الذيول طولها بوصة، وأخرى قدم تقريباً. وهي ليست مجرد سِدْلات من الجلد، بل يمكن أن يكون لديها شعر، عضلات، أوعية دموية، وأعصاب. البعض يمكن حتى أن يتلوَّى! لحسن الحظ، هذه البروزات غير الملائمة تُزال بالجراحة بسهولة.

ما الذي يمكن أن يعنيه هذا، سوى أننا لازلنا نحمل برنامجاً تطورَ جنينيّ لعمل الذيول؟ في الحقيقة، فإن البحث الوراثي المعاصر قد أظهر أننا نحمل نفس الجينات بالضبط التي تعمل الذيول في الحيوانات كالفئران، إلا أن هذه الجينات تُعطَّل على نحو طبيعي في الأجنة البشرية بعد ثلاثة أشهر. تتضح الذيول كتأسلات حقيقية.

يمكن إنتاج بعض التأسلات في المعمل. أكثرها إدهاشاً هو ذلك المثال النادر: أسنان الدجاج. في عام 1980، ضم E. J. Kollar and C. Fisher من جامعة University of Connecticut نسيجي نوعين، لاحمين النسيج المبطن لفم جنين دجاجة بأنسجة من فك فم متطور. على نحو مدهش، أنتج النسيج الدجاجي آخر الأمر بينوات شبيهة بالأسنان، بعضها بجذور وتيجان واضحة! وبما أن أنسجة الفم الأساسي وحدها لا يمكن أن تنتج أسنان، فقد خمنا أن الجزيئات من الفم أعادت إيقاظ برنامج تطور جنيني خامل لعمل الأسنان في الدجاج. هذا عنى أن الدجاج لديه كل الجينات الصحيحة لعمل الأسنان، إلا أنها كانت تفتقد عامل تنشيط والذي استطاع النسيج الفمي تقديمه. بعد عشرين سنة لاحقة، كشف العلماء الأحياء الجزيئي وأثبتوا أن اقتراح Kollar and Fisher كان صائباً: الطيور لديها حقاً السبل الجينية لإنتاج الأسنان، إلا أنها لا تعملها لأن بروتيناً واحداً حاسماً مفتقد. عندما يتم الإمداد بذلك البروتين، تتكون البنيوات الشبيهة بالأسنان على المنقار. ستتذكر أن الطيور تطورت من زواحف ذوي أسنان. لقد فقدوا تلك الأسنان منذ أكثر من ستين مليون سنة، إلا أنهم بجلاء لا زالوا يحملون بعض الجينات لعملها. جينات هي بقايا من سلفيتهم الزاحفية.

الجينات الميتة

ترينا التأسلات والصفات الأثرية أنه عندما لا تعود صفة مستعملة، أو تصير ضامرة، لا تختفي الجينات التي تعملها فورياً من الجينوم: فالتطور يوقف عملها بتعطيلها، لا بقصها من الحمض النووي. من هذا يمكننا عمل تنبؤ. نتوقع أن نجد_في جينومات الكثير من الأنواع_جينات مُسكَتَة أو "ميتة": الجينات التي كانت قديماً مفيدة لكنها لم تعد سليمة أو معبرة. بعبارة أخرى، ينبغي أن يكون هناك جينات أثرية. بالمقارنة فإن كل فكرة أن كل الأنواع قد خُلِقَت من تصميم تتنبأ بأن لا جيناتِ كهذه ستوجد، بما أنه لن يكون هناك أسلاف مشتركة كانت تعمل بهم تلك الجينات.

منذ ثلاثين عاماً ماضية لم نكن نستطيع اختبار هذا التنبؤ لأنه لم يكن لدينا سبيل لقراءة شفرات أحماضهم النووية. اليوم_مع ذلك_سهلٌ تماماً قراءة تسلسل الجينومات الكاملة للأنواع، وقد تم هذا للكثير منهم، بما فيهم البشر. هذا يعطينا أداة فريدة لدراسة التطور عندما ندرك أن الوظيفة الطبيعية لجين هي صنع بروتين، بروتين تسلسلاته من الأحماض الأمينية محددة بتتابعات القواعد النيوكليوتيدية التي تؤلف الحمض النووي. وحالما يكون لدينا تسلسل الحمض النووي لجين محدد، يمكننا عادةً تقرير ما إذا كان يُعَبَّر على نحو طبيعي، أي: ما إذا كان يصنع بروتيناً وظيفياً أم مُسكَتَاً ولا يصنع شيئاً. يمكننا أن نرى_كمثال_ما إذا كانت الطفرات الوراثية قد غيَّرت الجين لذا لم يعد يمكنه صنع بروتين صالح للاستعمال، أم أن المناطق "المتحكمة" مسؤولة عن تشغيل جين قد عُطِّل. الجين الذي لا يعمل يسمى جيناً زائفاً a pseudogene.

وقد تحقق التنبؤ التطوري بأننا سنجد جينات زائفة، بإسهاب. فعلياً تؤوي كل الأنواع جينات ميتة، الكثير منها ما زالت نشطة في أقاربها. هذا يتضمن أن تلك الجينات كانت أيضاً نشطة في سلف مشترك، وحُطِّمَت في بعض المتحدرين ولكن في آخرين استمرت.(17) كمثال، من حوالي ثلاثين ألف جين، نحمل نحن البشر أكثر من ألفي جين زائف. إن جينومنا_والآخرين الذي للأنواع الأخرى_عامرون حقاً بمقابر الجينات الميتة.

أشهر جين زائف بشري هو GLO، سُمي هكذا لأنه في الأنواع الأخرى يُنتِج إنزيماً يُدعى L-gulono--lactone oxidase . يُستعمَل هذا الإنزيم في عمل ڤيتامين C (الحمض الأسكوربي) من سكر الجلوكوز البسيط. إن ڤيتامين C أساسي لتمثيل غذائي سليم، وفعلياً كل الثدييات لديها السبيل لصنعه، الكل، أي عدا الرئيسيات وخفافيش الفاكهة وقوارض خنازير غينيا. في هذه الأنواع، يُحصَل على ڤيتامين C مباشرة من طعامهم، والأنظمة الغذائية الطبيعية عادة بها كفاية. إن لم نتناول كمية كافية من ڤيتامين C، تعتل صحتنا: فقد كان داء الإسقربوط شائعاً بين البحارة المحرومين من الفواكه في القرن التاسع عشر. السبب في أن الرئيسيات وهذه الثدييات القلائل الأخرى لا تصنع ڤيتامين C الخاص بها هو أنها لا تحتاج إلى ذلك. إلا أن تتابع الحمض النووي يخبرنا أن الرئيسيات لا تزال تحمل معظم المعلومات الجينية اللازمة لصنع الڤيتامين.

يتضح أن سبيل صنع ڤيتامين C من الجلوكوز يتضمن تسلسلاً من أربع مراحل، كل واحدة تؤسَّس بنِتاج جين مختلف. لا يزال لدى الرئيسيات وقواراض خنازير غينيا جينات نشطة لأول ثلاث مراحل، لكن آخر مرحلة، التي تتطلب إنزيم GLO، لا تحدث، فقد عُطِّل GLO بطفرة وراثية. لقد صار جيناً زائفاً، يدعى ψGLO (حيث ψ هي الحرف اليوناني Psi يرمز إلى Pseudo أي زائف). لا يعمل ψGLO بسبب افتقاد نيوكليوتيد واحد في تسلسل الحمض النووي للجين. وهذا بالضبط نفس النيوكليوتيد المفتقد في سائر الرئيسيات. هذا يُظهر أن الطفرة التي دمرت قدرتنا على صنع ڤيتامين C كانت موجودة في سلف كل الرئيسيات، ومُرِّرَت إلى متحدريه. إنه مرجح بدرجة عالية أنه بما أن خفافيش الفاكهة وخنازير غينيا والرئيسيات نالت وفرة من ڤيتامين C في تغذيتهم، لم يكن هناك عاقبة لتعطيل السبيل الذي يصنعه. هذا ربما كان حتى مفيداً بما أنه يتخلص من بروتين ربما يكون مكلفاً في إنتاجه.

الجين الميت في نوع، والذي يكون نشطاً في أقاربه هو دليل على التطور، لكن هناك ما هو أكثر. عندما ننظر إلى ψGLO في الرئيسيات الحية، نكتشف أن تسلسلاته أكثر تشابهاً بين الأقارب الأوثق عما بين الأقارب الأكثر بعداً. تسلسلات ψGLO للإنسان والشمبانزي _ كمثال_تشابه بعضها الآخر على نحو وثيق، لكن تختلف أكثر عن ψGLO للأوانجوتانات (إنسان الغاب)، الذين هم أقارب بعيدون. ما هو أكثر، تسلسل ψGLO لخنازير غينيا مختلف جداً عن الذي لكل الرئيسيات.

فقط التطور والسلفية المشتركة يمكن أن يُفسِّرا هذه الحقائق. كل الثدييات قد ورثت نسخة عاملة من جين GLO. منذ حوالي أربعين مليون سنة ماضية، في السلف المشترك لكل الرئيسيات، الجين الذي لم يعد له حاجة عُطِّلَ بطفرة وراثية. ورثت كل الرئيسيات نفس الطفرة. بعد أن أُسكِتَ جين GLOاستمرت طفرات أخرى في الحدوث في الجين الذي لم يعد يُعَبَّر. تراكمت هذه الطفرات خلال الزمن_فهي غير ضارة إذا كانت تحدث في جينات ميتة فعلياً_ونُقِلت إلى الأنواع المتحدرة. وبما أن الأقارب الأوثق صلة يتشاركون سلفاً مشتركاً أكثر حداثة، فإن الجينات التي تتغير بطريقة ترتهن بالزمن تتبع نموذج السلفية المشتركة، مؤدية إلى أن تسلسلات الحمض النووي تكون أكثر تشابهاً في الأنواع الأقارب الأوثق صلة عن بعيديها. هذا يحدث سواء كان الجين ميتاً أم لا. إن تسلسل ψGLO في خنازير غينيا مختلف جداً لأنه قد عُطِّل على نحو مستقل، في خط تحدر قد انفصل عن الثدييات سابقاً. و ψGLOليس فريداً في إظهاره هذ النماذج، فهناك جينات زائفة كثيرة أخرى.

لكن لو اعتقدتَ أن الرئيسيات وقوارض خنازير غينيا قد خُلِقوا خلقاً خصوصياً، لا يكون لهذه الحقائق منطق. فلماذا سيضع خالقٌ سبيلاً لصنع ڤيتامين C في كل هذه الأنواع، ثم يعطله؟ ألن يكون من الأسهل ببساطة حذف كل السبيل منذ البداية؟ لماذا ستوجد نفس الطفرة المُعطِّلة في كل الرئيسيات، وأخرى مختلفة في قوارض خنازير غينيا؟ لماذا تعكس تسلسلات الجينات الميتة بالضبط نموذج التشابه المتنباً به من السلفية المعروفة لهذه الأنواع؟ وفي المقام الأول لماذا لدى البشر أكثر من ألفي جين زائف؟

نحن أيضاً نؤوي جينات ميتة أتت من أنواع أخرى، أعني الڤيروسات. البعض منها_ويدعي "الڤيروسات العكسية داخلية المنشأ" يمكنه نسخ جينومه وإدخاله إلى الحمض النووي الخاص بالأنواع التي يُعيدها (HIV المسبب للـ AIDS نقص المناعة المكتسبة أحدهم). إذا عدت الڤيروسات الخلايا التي تصنع الحيوانات المنوية والبييضات، يمكن أن يُنقلوا إلى الأجيال المُستقبلية. يحتوي الجينوم البشري على آلاف من الڤيروسات كهذه، كلهم تقريباً قد جُعِلوا غير ضارين بطفرات. هذه هي آثار عداوى قديمة. لكن بعض هذه البقايا توجد في نفس المواضع على صبغيات البشر والشمبانزي بالضبط. هذه كانت بالتأكيد ڤيروسات عدت سلفنا المشترك ونُقِلَت إلى كلا المتحدِرَيْن. وبما أنه لا احتمال تقريباً لأن تُدخِل الڤيروسات نفسها على نحو مستقل في نفس النقاط بالضبط في النوعين، فهذه النقاط تشير بقوة إلى السلفية المشتركة.

حكاية مثيرة أخرى عن الجينات الميتة تتضمن حاسة شمنا، أو بالأحرى حاسة شمنا البائسة، إذ البشر حقاً متشممون رديئون بين الثدييات البرية. ومع ذلك، لا نزال نقدر على التمييز بين فوق العشرة آلاف رائحة. كيف يمكننا إنجاز مثل هذه المهارة؟إلى وقت قريب كان هذا لغزاً بالكامل. الإجابة توجد في حمضنا النووي، في جيناتنا العديدة المستقبِلة الشمية (م ش) أو olfactory receptor (OR) genes.

إن قصة الـ OR أو الجينات المستقبلية الشمية قد أُنجِزت من قِبَل Linda Buck and Richard Axel ، الذين فازا بجائزة نوبل لأجل هذا الإنجاز في عام 2004، فلننظر إلى جينات OR في متشمم ممتاز: الفأر.

يعتمد الفئران على نحو كثيف على حواس شمهم، ليس فقط لإيجاد الطعام أو تجنب المفترِسين، بل أيضاً لاستبيان فرمونات أحدهم الآخر. العالم الحسي لفأر مختلف على نحو واسع عن الخاص بنا، الذي فيه الرؤية أهم بكثير من الشم. لدى الفئران حوالي ألفي جين مستقبل شمي نشط. كلها تنحدر من جين سلفي واحد نشأ منذ ملايين السنين وصار مضاعفاً مرات كثيرة، كل جين يختلف قليلاً عن الآخرين. وكل واحد يُنتِج بروتيناً مختلفاً_مستقبِلاً شمياً_يتعرف على جزيء منقول جواً مختلف. كل بروتين مستقبل شمي يُعَبَّر عنه بنمطٍ مختلف قليلاً من الخلايا المستقبِلة في النسيج المبطِّن للأنف. تحتوي الروائح المختلفة على مجموعات مختلفة من الجزيئات، وكل مجموعة تثير مجموعة مختلفة من الخلايا. تبعث الخلايا إشارات إلى المخ، الذي يدمج ويحل شفرة الإشارت المختلفة. تلك هي كيفية تمييز الفئران رائحة القطط عن التي للجبن. بدمج مجموعات الإشارات، تقدر الفئران أن تتعرف على روائح أكثر بكثير مما يملكون من جينات مستقبلة شمية (OR) genes.

إن القدرة على التعرف على الروائح المختلفة مفيد: فهي تمكنك من تمييز القريب من غير القريب، وإيجاد العشير، وتحديد مواقع الطعام، والتعرف على المفترِسين، ورؤية من يغزو منطقتك. أفضليات البقاء ضخمة. فكيف اختارها الانتخاب الطبيعي؟ في البدء، صار جين سلفيّ مضاعفاً عدداً من المرات. تضاعف كهذا يحدث من وقتٍ إلأى آخر كحادثٍ أثناء انقسام الخلية. على نحو تدريجي، اختلفت النسخ المضاعفة أحدها عن الآخر، والتي كلٌ منها مربوط بجزيء رائحة مختلف. نشأ نوع مختلف من الخلايا لكلٍ من العشرة آلاف جين مستقبل شمي. وفي نفس الوقت، صار المخ ممداً بوصلات جديدة لجمع الإشارات من الأنواع الكثيرة من الخلايا لعمل أحاسيس الروائح المختلفة. إنه حقاً لإنجاز مذهل للتطور، مُقاداً بالقيمة البقائية المحضة للشم الفطِن!

لا تداني حاسة شمنا تلك التي للفأر إطلاقاً. أحد الأسباب أننا نعبِّر جينات OR أقل، حوالي أربعمئة فقط، لكننا لا نزال نحمل مجموع ثمانمئة جين OR، تشكل 3% تقريباً من جينومنا الكلي. ونصف هذه الجينات تماماً جينات زائفة. عُطلت باستمرار بطفرات. نفس الأمر صحيح بالنسبة إلى معظم الثدييات الأخرى. كيف حدث هذا؟ ربما لأننا نحن الرئيسيات_الذين ننشط أثناء النهار_نعتمد على الرؤية أكثر من الشم، ولذا لا نحتاج إلى التمييز بين روائح كثيرة جداً. تصير الجينات غير المحتاج لها مُزاحَة بالطفرات. على نحو قابل للتنبؤ، فإن الرئيسيات ذوي الرؤية اللونية، ومن ثم التمييز الأعظم للبيئة، لديهم جينات OR ميتة أكثر.

إن نظرتَ إلى تسلسلات جينات الاستقبال الشمي البشرية OR، كلٌ من النشطة والمعطلة، فهي أكثر تشابهاً مع التي للرئيسيات الأخرى، أقل تشابهاً للتي لثدييات بدائية كالبلاتيبوس (مفلطح الفم أو منقار البطة الأسترالي)، وأقل شبهاً أكثر إلى جينات الاستقبال الشمي لأقارب بعيدين كالزواحف. لماذا ستُظهِر الجينات الميتة علاقة كهذه، إن لم يكن لأجل التطور؟ وحقيقة أننا نؤوي جينات معطلة كثيرة جداً دليل بدرجة أكبر على التطور: نحن نحمل هذه الأمتعة البالية لأنها كانت محتاجاً لها في أسلافنا البعيدين الذين اعتمدوا على حاسة شم قوية للبقاء أحياء.
إلا أن أكثر الأمثلة إدهاشاً على التطور_أو إزالة التطور_جينات الاستقبال الشمي للدولفين. لا تحتاج الدلافين إلى استبيان روائح متطايرة في الهواء، حيث أنهم يمارسون شؤون حيواتهم تحت الماء، ولديهم مجموعة مختلفة بالكامل من الجينات لاستبيان المواد الكيميائية المنقولة بالماء. كما قد يتنبأ المرء، فإن جينات OR للدلافين معطلة. في الحقيقة فإن 80% منها معطلة. مئات منها لا تزال موجودة بصمت في جينوم الدولفين، شهادة صامتة على التطور. وإن تنظر إلى تسلسلات الحمض النووي لهذه الجينات الميتة للدلافين، ستجد أنها مشابهة للتي للثدييات البرية. هذا يصير له منطق عندما تدرك أن الدلافين تطورت من ثدييات برية والذين صارت جينات الاستقبال الشمي أو ORالخاصة بهم بلا فائدة عندما لجؤوا إلى الماء. (18) هذا لا يكون له منطق أو معنى إن كانت الدلافين قد خُلِقت خلقاً خصوصياً.
يمكن أن تتماشى الجينات الأثرية مع التراكيب الأثرية. لقد تطورنا نحن الثدييات من أسلاف زاحفية، كانت تضع البيض. استغنت الثدييات عن وضع البيض، وتغذي الأمهات صغارها مباشرةً من خلال المشيمة بدلاً من التزويد بمستودع من المح (صفار البيض). باستثناء رتبة أحاديات المخرج التي تحتوي على آكل النمل الشوكي والبلاتيبوس أو مفلطح الفم الأستراليين). وتحمل الثدييات ثلاثة جينات تقوم في الزواحف والطيور بإنتاج البروتين المحي المغذي (Vitellogenin)، والذي يملأ كيس المح. إلا أن هذه الجينات ميتة فعلاً في كل الثدييات. معطلة تماماً بالطفرات. فقط أحاديات المخرج لا تزال تنتج الـ Vitellogenin ، ممتكلة جيناً واحداً نشطاً واثنين ميتين. ما هو أكثر من ذلك، فإن الثدييات مثلنا لا تزال تُنتج كيس مح، لكنه أثري وبلا مح، بالون مليء بالسائل، مربوط بالقناة الهضمية الجنينية (الصورة 15في ملحق الصور). في الشهر الثاني من الحمل البشري ينفصل عن الجنين.

مع منقاره الشبيه بالبطة، وذيله السمين، والمهامز الحادة على الأرجل الخلفية لذكوره، وقدرة إناثه على وضع البيض، فإن البلاتيبوس أو مفلطح الفم الأسترالي (صورة 15ب في ملحق الصور) شاذ من أوجه عديدة. إن كان هناك على الإطلاق كائن يبدو مصمماً بطريقة غير ذكية_أو ربما لأجل تسلية صانع_ فهو هذا. إلا أن البلاتيبوس لديه صفة أخرى إضافية غريبة: إنه يفتقد المعدة. فبخلاف كل الفقاريات تقريباً، الذين لديهم معدة شبيهة بالجراب فيها تُحلل الإنزيمات الهضمية الطعام، فإن "معدة" البلاتيبوس هي مجرد انتفاخ ضئيل للمريء حيث يتصل بالمعى. تفتقد هذه المعدة بالكامل الغدد المنتِجة للإنزيمات الهضمية في الفقاريات الأخرى. لسنا متأكدين من سبب إزالة التطور للمعدة، ربما النظام الغذائي للبلاتيبوس من الحشرات اللينة لا يتطلب معالجة كثيرة. لكننا نعلم ان البلاتيبوس أتى من أسلاف ذوي معدات. أحد الأسباب هو أن جينوم البلاتيبوس يحتوي على جينين زائفين لإنزيمات ترتبط بالهضم. لم يعد لهما احتياج، فعُطِّلوا بطفرة، لكنهما لا يزالان يشهدان على تطور هذا الحيوان الغريب.


المخطوطات المعاد الكتابة عليها في الأجنة

في الواقع منذ ما قبل عصر دارون، كان علماء الأحياء منشغلين بدراسة كلٍ من علم الأجنة (كيف تتنمى الحيوانات) وعلم التشريح المقارن (التشابهات والاختلافات في بنيتي حيوانين مختلفين). كشف جهدهم عن الكثير من الأشياء الغريبة التي _في ذلك الوقت_لم يكن لها منطق. على سبيل المثال، تبدأ كل الفقاريات في التنمي بنفس الطريقة، بادية إلى حد ما كسمكة جنينية. عندما يتقدم التنمي، تبدأ الأنواع المختلفة في الاختلاف، لكن بطرق غريبة. تختفي فجأة الأوعية الدموية، والأعصاب، والأعضاء التي كانت موجودة في أجنة كل الأنواع في البداية، بينما تمر الأخرى بتحويرات غريبة وهجرات. في آخر الأمر، فإن رقصة التنمي تبلغ أوجها في الأشكال المختلفة للغاية للأسماك والبرمائيات والزواحف والثدييات والطيور. مع أنه حين يبدأ التطور الجنيني يبدون متشابهين جداً. أخبر دارون بقصة كيف صار عالم الأجنة الجرماني العظيم Karl Ernst von Baer مرتبكاً بالتشابه بين الأجنة الفقارية. كتب von Baer إلى دارون:

"بحوزتي جنينان صغيران في الكحول، اللذان أهملتُ لصقَ اسميهما، وفي الوقت الحاضر أنا غير قادر تماماً على التقرير إلى أي تصنيف ينتميان. ربما كانا سحليتين أو طيرين صغيرين، أو ثديين صغيرين جداً، كامل جداً هو التشابه في طريقة تشكل الرأس والبدن في هذين الحيوانين."

ومجدداً، كان دارون من وفَّق بين الحقائق المتنوعة بصدد علم الأجنة التي شغلت الكتب الدراسية في عصره، وأظهر أن السمات الملغزة للتطور الجنيني فجأة يكون لها معنى كامل تحت فكرة التطور المُوَحِّدة:

"يزداد علم الأجنة أهميةً على نحو عظيم، عندما ننظر هكذا إلى الجنين كصورة_باهتة إلى درجة ما_للشكل الأبوي المشترك لكل التصنيفات الكبرى للحيوانات."

فلنبدأ مع ذلك الجنين المتكون (بعد الشهر الثاني_المترجم) السمكي لكل الفقاريات، بلا أطراف ومبدياً ذيلاً شبه سمكي. ربما أكثر السمات شبه السمكية إدهاشاً هي سلسلة من خمسة إلى سبعة أكياس، مُباعَدة بأخاديد، تقع على كلا جانبي الجنين قرب رأسه المستقبلي. تُدعى هذه الأكياس بالأقواس الخيشومية، لكننا سندعوها بالأقواس على سبيل الاختصار (الشكل التوضيحي 16). يحتوي كل قوس على أنسجة تتطور إلى أعصاب، وأوعية دموية، وعضلات، وعظم أو غضروف. أما عندما تتطور أجنة الأسماك والقروش، فإن أول قوس يصير الفك ويصير البقية تراكيب خيشومية: الشقوق بين الأكياس تنفتح لتصير الشقوق الطولية الخيشومية وتُطوِّر الأكياس أعصاباً للتحكم في حركة الخياشيم. وأوعية دموية لنقل الأكسجين من الماء، وقضيبين من العظم أو الغضروف لدعم بنية الخيشوم. إذن، ففي الأسماك والقروش، فإن تطور (تنمِّي جنيني) الخياشيم من الأقواس الخيشومية الجنينية مباشر تقريباً: فهذه السمات الجنينية ببساطة تُكَبَّر دون تغير كبير لتُكوِّن الجهاز التنفسي الناضج.

لكن في الفقاريات الأخر الذين ليس لديهم خياشيم في الناضجين، تتحول هذه الأقواس إلى بنيوات مختلفة جداً، بنيوات تؤلِّف الرأس. ففي الثدييات_كمثال_تشكِّل العظام الصغيرة الثلاثة للأذن، وقناة إستاكيوس، والشريان السباتي، ولِوَز الحلق، والحنجرة، والأعصاب الدماغية. في بعض الأحيان تخفق الشقوق الخيشومية الجنينية في الانغلاق، مؤدية إلى طفل رضيع ذي كيس على رقبته. هذه الحالة_وهي بقية تأسلية من أسلافنا السمكيين_يمكن تصحيحها بالجراحة.



شكل توضيحي16: أقواس خيشومية لجنين قرش (في اليسار بالأعلى) وجنين بشري (في اليسار بالأسفل). في القروش والسمك (مثل القرش المنمش basking shark Cetorhinus maximus الذي يبدو في الأعلى) تتطور الأقواس مباشرة إلى البنيوات الخيشومية الناضجة، بينما في الإنسان والثدييات الأخر تتطور إلى بينوات متنوعة في الرأس الناضجة والجذع العلوي.
تمر أوعيتنا الدموية بالذات بتعرجات غريبة. ففي السمك والقروش، يتطور النموذج الجنيني للأوعية الدموية دون تغير كبير إلى الجهاز الناضج. أما حينما تتطور أجنة الفقاريات الأخر، تتحرك الأوعية هنا وهناك، وبعضها يختفي. تُترَك الثدييات_مثلنا_بثلاثة أوعية دموية رئيسية فقط من الستة الأصلية. الشيء المثير حقاً أنه حين يتقدم تطورنا الجنيني تشابه التغيرات تسلسلاً تطورياً. إن جهازنا الدوري المشابه للسمكي يتحول إلى مشابه للذي للأجنة البرمائية. في البرمائيات، تتحول الأوعية الجنينية مباشرة إلى أوعية ناضجة، لكن الخاصة بنا تستمر في التغير إلى جهاز دوري مشابه للذي للأجنة الزاحفية. في أجنة الزواحف، يتطور هذا الجهاز بعد ذلك مباشرة إلى ناضج. إلا أن التغيرات تمضي أكثر عندنا، مضيفة تعرجات قليلة أكثر تحوله إلى جهاز دوري ثديي صحيح، كاملاً مع الشريان السباتي، والرئوي، والشرايين الظهرية. (الشكل التوضيحي 17)



شكل توضيحي 17: تبدأ الأوعية الدموية للأجنة البشرية (والثديية) مشابهة للتي لجنين سمكة، مع وعائين علوي وسفلي مرتبطين بأوعية متوازية، واحد على كل جانب، "أقواس أورطية". في السمك تحمل هذه الأوعية الجانبية الدم إلى ومن الخياشيم. لدى الأسماك الجنينية والناضجة ستة أزواج من الأقواس، هذا هو التصميم القاعدي الذي يظهر عند بداية تطور أجنة كل الفقاريات. في الجنين البشري، تتشكل الأقواس الأول والثاني والخامس لفترة وجيزة عند بداية التطور الجنيني، لكنها تختفي عند عمر أربعة أسابيع، بينما تتشكل الأقواس الثالث والرابع والسادس (مميزة بدرجات مختلفة من التظليل). بعمر سبعة أسابيع تعيد الأقواس الجنينية تنظيم نفسها، بادية أكثر شبهاً بالأوعية الجنينية لزاحف. في النهاية شكل ناضج، حيث يُعاد تنظيم الأوعية أكثر بعد، مع تلاشي البعض أو تحويل أنفسها إلى أوعية مختلفة. لا تمر الأقواس الأورطية للسمك بمثل هذا التغير.
هذه الأنماط تطرح الكثير من الأسئلة. أولاً، لماذا تبدأ الفقاريات المختلفة التي تنتهي إلى أن تبدو مختلفة للغاية عن بعضها البعض، كلها التطور الجنيني بادية كجنين سمكة؟ لماذا تشكِّل الثدييات رؤوسها ووجوهها من نفس البينوات الجنينية ذاتها التي تصير الخياشيم في السمك؟ لماذا تمر الأجنة الفقارية بمثل هذه السلسلة المتعرجة من التغيرات في الجهاز الدوري؟ لماذا لا يبدأ الجنين البشري، أو جنين السحلية التطور مع جهازهم الدوري الناضج في ذلك الحين في وضعه العادي، بدلاً من عمل الكثير من التغيرات لما تتطور أبكرَ؟ ولماذا تحاكي سلسلة تطورنا الجنيني ترتيب أسلافنا (السمك إلى البرمائيات، إلى الزواحف إلى الثدييات)؟ كما جادل دارون في (أصل الأنواع)، فهذا ليس لأن الأجنة تُخْبُر سلسلة من البيئات خلال التطور الجنيني إلى ما يجب أن يتكيفوا معه بنجاح، أولاً مشابه للسمك، ثم زاحفي، وما إلى ذلك:

"إن مراحل البناء، التي تشابه فيها أجنة الحيوانات المختلفة إلى حد كبير من نفس التصنيف بعضها للبعض، غالباً ليس له علاقة مباشرة بظروف وجودهم. فلا نستطيع _كمثال_افتراض أن طريقة التطور الجنيني الغريبة في أجنة الفقاريات الشبيهة بأنشوطة للشرايين قرب الشقوق الخيشومية تتعلق بالظروف المتماثلة. في الثديي الصغير الذي يُغذى في رحم أمه، وفي بيضة الطائر التي تُفقَس في عش، وفي جرثومة ضفدع تحت الماء."

يُرى "التلخيص" لسسلة تطورية في السلسلة التطور جنينية لأعضاء أخرى، كُلانا، على سبيل المثال. فخلال التطور الجنيني، يُكَوِّن الجنين البشري في الحقيقة ثلاثة أنواع مختلفة من الكلى، واحدة تلو الأخرى، مع نبذ أول اثنتين قبل أن تنشأ كلانا النهائية. وهاتان الكليتان المؤقتتان تماثلان اللتان نجدهما في النوعين الذين نشآ قبلنا في السجل الأحفوري: الأسماك عديمة الفك والزواحف، على التوالي، ما الذي يعنيه هذا؟

يمكنك الإجابة على هذا السؤال ظاهرياً كالتالي: يمر كل فقاري بالتطور الجنيني في سلسلة من المراحل، وهذه السلسلة من هذه المراحل يظهر مصادفة أنها تتبع السلسلة التطورية لأسلافه. لذا، فعلى سبيل المثال، تبدأ سحلية التطور الجنيني مشابهة سمكة جنينية، ثم لاحقاً قليلاً برمائياً جنينياً، وآخِراً زاحفاً جنينياً. تمر الثدييات بنفس السلسلة، لكن تُضيف المرحلة النهائية لثديي جنيني.

هذه الإجابة صحيحة، لكنها في النهاية تطرح مسائل أعمق. لماذا يحدث التطور الجنيني عادة بهذه الطريقة؟ لماذا لم يُزِل الانتخاب الطبيعي مرحلة "جنين السمكة" في التطور البشري، بما أن تركيب الذيل، والأقواس الخيشومية المشابهة للسمك، والجهاز الدوري المشابه للسمك لا يبدون ضروريين لجنين بشري؟ لماذا لا نبدأ ببساطة التطور الجنيني كبشر صغار_كما ظن بعض علماء الأحياء في القرن السابع عشر أننا نفعل_ وفقط نصير أكبر فأكبر حتى نولد؟ لماذا كل التحول وإعادة التنظيم؟

الإجابة المرجحة_وهي جيدة_تتضمن أن عندما يتطور نوع إلى آخر، فإن المتحدر يرث البرنامج التطور جنيني لسلفه، بما يعني:كل الجينات التي تشكل البنيوات السلفية. والتطور الجنيني هو عملية مقاومة للتغير جداً. فالكثير من البنيوات التي تتكون لاحقاً في التطور الجنيني تتطلب "تلميحات" كيميائي حيوية من السمات التي تنشأ أبكر. فإذا_على سبيل المثال_حاولت سمكرة الجهاز الدوري بإعادة تصميمه من بداية التطور الجنيني ذاتها، ربما تسبب كل أنواع الآثار الجانبية المؤذية، فإنه عادةً أسهل إلحاق تغيرات أقل عنفاً ببساطة على ما هو خطة تطور جنينية صحية وقاعدية. إنه أفضل للأشياء التي تطورت لاحقاً أن تُبرمَج على التطور الجنيني لاحقاً في الجنين.

يشرح مبدأ "إضافة جوهر جديد على القديم" هذا أيضاً لماذا تعكس سلسلة التغيرات التطور جنينية السلسلة التطورية للكائنات. عندما تنشأ مجموعة من أخرى، فهي عادة تضيف برنامجها التطور جنيني فوق القديم.

ملاحِظاً هذا المبدأ، صاغ عالم التطور الجرماني Ernst Haeckel والمعاصر لدارون "قانوناً نشوءَحياتيٍّ" في عام 1866، أُجمِل على نحو شهير كـ "تلخيصات النشوء للنمو التطوري". هذا يعني أن التطور الجنيني لكائن ببساطة يعيد عرض تاريخه التطوري. لكن هذه الفكرة العامة صحيحة في معنى محدد فقط: لا تشابه المراحل الجنينية الأشكال الناضجة لأسلافها، كما ادعى Haeckel، بل تشابه الأشكال الجنينية لأسلافها. فالأجنة البشرية المتشكلة (بعد الشهر الثالث)_على سبيل المثال_لا تشابه البتة سمكاً أو زواحف ناضجة، بل يشابهون في نواح معينة الأسماك والزواحف الجنينية. أيضاً، فإن التلخيص ليس تاماً ولا حتمياً. ليس كل سمة لسلفٍ للجنين تظهر في متحدريه، ولا تتطور كل مراحل التطور الجنيني في ترتيب تطوري صارم. بالإضافة إلى ذلك، بعض الأنواع_كالنباتات_تستغني عن كل آثار سلفيتها تقريباً خلال تطورها الجنيني. لقد سقط قانون Haeckel في سوء السمعة ليس فقط لأنه ليس صحيحاً على نحو تام، بل أيضاً لأنه اتهم _على نحو ظالم إلى حد بعيد_بالتلاعب ببعض رسومات الأجنة المبكرة لجعلهم يبدون أكثر تشابهاً مما هم عليه حقيقةً. (19) إلا أننا لا ينبغي أن ننبذ الجمل بما حمل. تظل الأجنة تُظهِر شكلاً من التلخيص: السمات التي نشأت أبكر في التطور غالباً ما تظهر أبكر في التطور الجنيني. وهذا يكون له منطق فقط لو كان للأنواع تاريخ تطوري.
وبعد، فأننا لسنا متأكدين بشكل مطلق لماذا تتذكر بعض الأنواع الكثير من تاريخها التطوري أثناء التنمي الجنيني. إن مبدأ "إضافة جوهر جديد على القديم" هو نظرية فحسب، تفسير لحقائق علم الأجنة. إنه من العسير إثبات أنه كان أسهل لبرنامج تطور جنيني أن يبدأ بسبيل معين بدلاً من آخر. لكن تبقى حقائق علم الأجنة، ويكون لها منطق فقط في ضوء التطور. تبدأ كل الفقاريات التطور الجنيني مشابهة لسمك جنيني لأننا كلنا تحدرنا من سلف شبيه بالسمك ذي أجنة شبيهة بالسمك. إننا نرى تعرجات غريبة واختفاآت أعضاءٍ، وأوعيةٍ دموية، وشقوقٍ خيشومية لأن المتحدرين لا يزالون يحملون جينات وبرامج الأسلاف التطور جنينية. وأيضاً سلسلة التغير التطور جنيني لها منطق: في إحدى مراحل التطور الجنيني يكون للثدييات جهازاً دورياً جنينياً كالذي للزواحف، لكننا لا نرى الحالة المعاكسة؟ لماذا؟ لأن الثدييات تحدرت من زواحف عتيقة وليس العكس.

عندما كُتِب (أصل الأنواع)، اعتبر دارون علم الأجنة أقوى أدلته على التطور. اليوم لكان على الأرجح أعطى أفضل مكانة للسجل الأحفوري. ومع ذلك، يستمر العلم في تكديس معالم آسرة عن التنمي الجنيني تدعم التطور. فالحيتان والدلافين الجنينية تُكَوِّن براعم أرجل خلفية، نتوآت نسيج، والتي في الثدييات رباعية الأرجل تصير الأرجل الخلفية. لكن في الثدييات البحرية يُعاد امتصاص البراعم بعد أن تتكون بقليل. تُظهر الصورة 18(في ملحق الصور) هذا الارتداد في التنمي الجنيني للدولفين المنقط.

إن الحيتان صفائحية الأسنان Balen whales التي تفتقد الأسنان لكن أسلافها كانت حيتاناً ذوي أسنان، تنمي أسناناً جنينية تختفي قبل الميلاد.

أحد حججي المفضلة من أدلة علم الأجنة على التطور هي الجنين البشري المتشكل (بعد الشهر الثالث) المكسو بالفراء. نحن معروفون على نحو شهير كـ "قرود جرداء" لأننا _على خلاف الرئيسيات الأخرى_ليس لدينا غطاء سميك من الشعر. لكن في الحقيقة لفترة قصيرة_كأجنة_ نفعل. فحوالي الشهر السادس بعد الحمل، نصير مغطين بالكامل بكسوة رقيقة زغباء من الشعر تدعى الزغب Lanugo. يتساقط الزغب عادة قبل شهر من الولادة تقريباً، عندما يُستبدَل بشعر موزع على نحو أكثر تناثراً والذي نولَد به. (رغم ذلك، فالأطفال الخدج أحياناً يولدون بزغب، والذي يتناقص خلال فترة وجيزة). الآن حيث أن ليس هناك حاجة لامتلاك جنين بشري لكسوة شعر مؤقتة، فمع ذلك إن الحرارة في الرحم هي 37 درجة مئوية دفئاً. يمكن أن يُفسَّر الزغب فقط كبقايا سلفيتنا الرئيسية: فإن الأجنة القردية المتشكلة أيضاً تنمي كسوة شعر في نفس مرحلة التنمي تقريباً. إلا أن شعرهم لا يتساقط، بل يستمر ليصير الكسوة الناضجة. وأجنة الحيتان المتشكلة_كالبشر_لديها أيضاً زغب، بقية من أسلافهم عندما عاشوا على الأرض.

المثال الأخير من البشر يأخذنا إلى مجال التخمين، لكنه أكثر جاذبية من أن نحذفه. إنه (رد الفعل الإمساكي) للأطفال المولودين حديثاً. إن دخلت على رضيع، ولاطفت راحتي يديه. سيُظهر الرضيع رد فعل انعكاسي بعمل قبضة حول إصبعك. في الحقيقة فإن الإمساك أكثر إحكاماً عن قدرة رضيع، فلا يمكنه استعمال يديه، ليتعلق عدة دقائق من عصا مكنسة. (تحذير: إياك أن تحاول عمل تجربة كهذه في المنزل!). ربما يكون رد الفعل الإمساكي_الذي يختفي بعد عدة أشهر من الميلاد_سلوكاً تأسلياً تماماً. فالقرود والقرود العليا لديهم نفس رد الفعل، لكنه يستمر خلال فترة الحداثة، ممكِّناً الصغار من التشبث بفرو أمهاتهم بينما يحملنهم هنا وهناك.

إنه لمن المحزن أنه بينما يقدم علم الأجنة كنزاً ذهبياً من الأدلة على التطور، غالباً ما تخفق الكتب الدراسية لعلم الأجنة في الإشارة إلى هذا. لقد قابلت أطباء ولادة_على سبيل المثال_يعرفون كل شيء عن الزغب عدا سبب ظهوره في المقام الأول.

كالسمات الغرائبية للتطور الجنيني، هناك أيضاً سمات غرائبية لبنيوات الحيوانات يمكن تفسيرها بالتطور فقط. هذه هي حالات (التصميم الرديء)

التصميم الرديء

في الفلم السينمائي المعرض للنسيان عادة "رجل السنة" Man of the year ، يلعب الممثل الكوميدي Robin Williams دور مضيف برنامج حوارات تلفزيوني، والذي خلال سلسلة من الأحداث العجيبة يصبح رئيس الولايات المتحدة. خلال نقاشٍ قبل الترشيح، تُسْأَل شخصية روبن وليامز بصدد التصميم الذكي. فيجيب: "يقول الناس التصميم الذكي، ينبغي أن نُدرِّس التصميم الذكي. انظروا إلى جسد الإنسان، هل ذلك ذكي؟ لديكَ آلة معالجة نفاية متموضعة بجوار منطقة استجمام!"

إنها إشارة جيدة، فرغم أن الكائنات المتعضية تبدو مصممة جيداً لتلائم بيئاتها، فإن فكرة التصميم الكامل وهم. كل نوع معيب في عدة نواحٍ. فالكيوي لديه جناحان عديما الفائدة، والحوت لديه حوض أثري، وزائدتنا هي عضو شنيع.

ما أعنيه بـ(التصميم السيء) هو مفهوم أن الكائنات لو كانت من تصميمِ مُصَمِّمٍ_الذي استعمل قوالب البناء الحيوي من الأعصاب والعضلات والعظم وما إلى ذلك_لما كانت لديهم مثل هذه العيوب. التصميم الكامل كان سيكون حقاً علامة على مصمم ماهر وذكي. إن التصميم المعيب هو علامة التطور، في الحقيقة هو ما تتوقعه بالضبط من التطور. لقد تعلمنا أن التطور لا يبدأ من رسمِ تصميمٍ. تتطور الأجزاء الجديدة من القديمة، ويحتاج إلى العمل على الأجزاء التي قد نشأت من قبل فعلياًً. بسبب هذا، ينبغي أن نتوقع تسويات: بعض السمات التي تعمل على نحو جيد تماماً، لكن ليس كما ينبغي لها، أو سمات_كجناحي الكيوي_لا تعمل على الإطلاق، لكنها بقايا تطورية.

مثال جيد للتصميم السيء هو سمك الـ Flounder المفلطح (سمك موسى،كمثال)، الذي تأتي شعبيته كسمك مأكول جزئياً من تسطحه، ما يجعله سهل نزع العظم. هناك حقيقة حوالي خمسمئة نوع من السمك المفلطح: الهلبوت، وسمك الترس، وسمك موسى، وأقربائهم. كلهم يوضعون في رتبة Pleuronectiformes. وهي كلمة تعني (السابحات جانبياً)، وصف هو الأساسي لتصميمهم البائس. تولد الأسماك المفلطحة كأسماك تبدو عادية تسبح رأسياً، مع عين متوضعة على كلا جانبي الجسد فطيري الشكل. لكن بعد ذلك بشهر، يحدث شيء غريب: تبدأ إحدى العينين في التحرك إلى الأعلى. إنها تهاجر على الجمجمة وتنضم إلى العين الأخرى على جانب واحد من الجسد، إما اليمين أو اليسار، تبعاً للنوع. تغيِّر الجمجمة شكلها أيضاً لتعزيز هذه الحركة، وهناك تغيرات في الزعانف واللون. في تناغم، تميل السمكة على جانبها الجديد عديم العين، نتيجة لهذا كلا العينين تصيران بالأعلى. إنها تصير ساكنة قاع البحر مسطحة مموهة تفترس الأسماك الأخرى. عندما تحتاج إلى السباحة، تقوم بذلك على جانبها. السمك المفلطح هو أشهر الفقاريات اللامتماثلة الجانبين في العالم. خذ عينة المرة القادمة عندما تذهب إلى سوق السمك.

إن أردت أن تصمم سمكة مفلطحة، لما كنت فعلتها بتلك الطريقة. لكنت أنتجت سمكة تشبه المزلجة، مسطحة من الميلاد وتنام على بطنها، ليس واحدة تحتاج إلى إنجاز التسطح بالنوم على أحد جانبيها، محركة عينها، ومشوهة جمجمتها. لقد صُمِّمَت الأسماك المفلطحة على نحو رديء. لكن التصميم الرديء يأتي من ميراثهم التطوري. إننا نعلم من شجرة عائلتهم أن الفلاوندر_ككل الأسماك_تطوروا من أسماك عادية متماثلة. بجلاء، لقد وجدوا أنه من المفيد الميل على جوانبهم والاضطجاع على قاع البحر، مخبئين أنفسهم من كلٍ من المفترِسين والفرائس. هذا_ بالتأكيد _خلق مشكلة: العين السفلى ستصير عديمة الاستعمال وسهلة الانجراح كلا الأمرين. لحل هذا، أخذ الانتخاب الطبيعي السبيل المتعرج لكنه المتاح لنقل عينها، هذا غير تشويه جسدها. (انظر صور 18ب في ملحق الصور)

إحدى أسوأ تصميمات الطبيعة نراه في العصب الحنجري المنعطف للثدييات. ممتداً من المخ إلى الحنجرة، يساعدنا هذا العصب على الكلام والابتلاع. الشيء الغريب أنه أطول بكثير مما يحتاج أن يكون. فبدلاً من مسلك مباشر من المخ إلى الحنجرة_مسافة حوالي قدم في البشر_يمتد العصب سفلاً إلى صدرنا، متحلقاً حول الشريان الأورطي ورباط ممتد من شريان، ثم يطوف عائداً علواً "يرجع" للاتصال بالحنجرة (الشكل التوضيحي 19). أنه يصل وطوله ثلاثة أقدام. في الزراف، يتخذ العصب مساراً مماثلاً، باستثناء أنه يسلك كل الطريق الذي للرقبة الطويلة سفلاً ثم يعود صعداً مجدداً: مسافة أطول بخمسة عشر قدماً عن المسلك المباشر.! عندما سمعت أول مرة عن هذا العصب الغريب، عانيت مشكلة في تصديق هذا. راغباً في الرؤية بنفسي، استجمعت شجاعتي لعمل زيارة إلى معمل تشريح بشري وفحصت أول جثة في حياتي. أراني أستاذ جامعي لطيف العصب، متتبعاً مساره بقلم رصاص نزولاً إلى الجذع وصعوداً راجعاً إلى الحنجرة.

هذا السبيل غير المباشر للعصب الحنجري المنعطف ليس تصميماً رديئاً فحسب، بل إنه تكيف رديء. لأن الطول الإضافي يجعله أكثر عرضة للانجراح. فيمكن له_كمثال_أن يتضرر بضربة على الصدر، جاعلاً التكلم أو البلع صعباً. لكن المسلك يصير له منطق عندما نفهم كيف نشأ العصب الحنجري المُعاوِد. كان في أسلافنا شبيهي الأسماك_مثل الشريان الأورطي نفسه في الثدييات_ينحدر من تلك الأقواس الخيشومية في الأجنة المبكرة الشبيهة بالسمك لكل الفقاريات، يمتد العصب من الأعلى إلى الأسفل جنباً إلى جنب مع الوعاء الدموي القوسي الخيشومي السادس، إنه قوس لأطول الأعصاب الجمجمية وهو العصب المبهم الذي يطوف على طول الظهر إلى المخ. وفي الأسماك الناضجة، يظل العصب في ذلك الوضع، واصلاً المخ إلى الخياشيم ويساعدها على ضخ المياه.

أثناء تطورنا، اختفى الوعاء الدموي من القوس الخامس، وتحركت الأوعية الدموية من الأقواس الرابع والسادس إلى الأسفل إلى الجذع المستقبلي، لكي يستطيعوا أن يصيروا الشريان الأورطي وشرياناً يصل الأورطي بالشريان الرئوي. لكن العصب الحنجري_الذي ما زال خلف القوس الخامس_يحتاج إلى البقاء متصلاً بالبنيوات الجنينية التي تصير الحنجرة، البنيوات التي ظلت قرب المخ. لأن الشريان الأورطي المستقبلي تطور إلى الوراء اتجاه القلب، أجبر العصب البصري على التطور إلى الوراء جنباً إلى جنب معه. لكان اكثر فعالية للعصب الحنجري ان ينعطف حول الأورطي، متوقفاً ثم يعيد تشكيل نفسه في مسلك أكثر مباشرة، لكن الانتخاب الطبيعي لم يمكنه تحقيق ذلك، لأن فصل وإعادة وصل عصب هي خطوة تقلل الكفاءة. لمجاراة التطور الخلفي للأورطي، احتاج العصب الحنجري أن يصير طويلاً ومنعطفاً. وذلك السبيل التطوري يُلخَّص أثناء التنمي الجنيني، فعندما نكون أجنة نبدأ بنمط سلفي شبه سمكي للأعصاب والأوعية الدموية. في النهاية، نُترَك بتصميم رديء.



الشكل التوضيحي 19: المسلك الملتف للعصب الحنجري المنعطف الأيسر في البشر هو دليل على تطورهم من سلف شبيه بالسمك. في الأسماك فإن القوس الخيشومي السادس الذي يصير لاحقاً خيشوماً، يغذى بالقوس السادس الأورطي. يمتد القوس الرابع للعصب المبهم الجمجمي وراء هذا القوس.تظل هذه البنيوات جزئياً في الجهاز الخيشومي في الأسماك الناضجة، مُعَصِّبة الخياشيم وجالبة الدم من الخياشيم. إلا أنه في الثدييات، تطور جزء من القوس الخيشومي إلى الحنجرة. ظلت الحنجرة وعصبها متصلين أثناء هذه العملية، لكن القوس السادس الأورطي على جانب الجسد الأيسر تحرك سفلاً إلى الصدر ليصير بقية لاوظيفية يدعى ligamentum arteriosum. لأن العصب الحنجري ظل خلف هذا القوس لكن لا زال باقياً متصلاً إلى البنية في الرقبة، فقد أُجبِر على تطوير مسلك يطوف سفلاً إلى الصدر، متحلقاً حول الأورطي وبقايا العصب السادس الأورطي. ثم يطوف راجعاً صعداً إلى الحنجرة. لا يعكس هذا السبيل غير المباشر تصميماً ذكياً، لكن يمكن أن يُفهَم فقط كنتاج تطورنا من أسلاف كان لها أجساد مختلفة جداً.

بالاتساق مع التطور، فإن أجهزة التكاثر البشري أيضاً مليئة بالسمات المجهزة بلهوجة. لقد تعلمنا من قبل أن الخصى الذكرية_نتيجة لتطورها من غدد تناسلية سمكية_تخلق نقاطاً ضعيفة في التجويف البطني يمكن أن تسبب حالات الفتق. الذكور أكثر تضرراً بعد بسب التصميم الرديء للإحليل، الذي يصادف أنه يمتد خلال غدة البروتستاتا تماماً التي تنتج بعضاً من سائلنا المنوي. كإعادة لصياغة كلام روبن وليامز، إنه أنبوب قاذورات بالوعة يجري مباشرة خلال منطقة استجمام. يتعرض جزء كبير من الذكور لتضخم البروتستاتا متأخراً في حيواتهم، مما يضغط على الإحليل ويجعل التبول عسيراً ومؤلماً. (من المحتمل أن هذه لم تكن مشكلة خلال معظم تطور البشر، حين عاش القليل من البشر حتى الثلاثين). لم يكن مصمم ذكي ليضع قناة قابلة للانهيار خلال عضو عرضة للعدوى والتورم. لقد حدث هذا بهذه الطريقة لأن غدة البروتستاتا الثديية تطورت من أنسجة في جدران الإحليل.

لا يحدث للنساء ما هو أفضل. فهن يلدن من خلال الحوض، وهي عملية مؤلمة وغير كفأة كانت_قبل الطب الحديث_تقتل عدداً يمكن تقديره من الأمهات والأطفال الرضع. المشكلة هي أننا حين طورنا دماغاً كبيرة، صارت رأس الجنين أكبر بكثير بالنسبة إلى فتحة الحوض، والتي احتاجت إلى أن تظل ضيقة لتمكِّن من مشي منتصب (على رجلين) كفء. أدت هذه التسوية إلى صعوبات الولادة البشرية وألمها الشنيع. إن صممتَ أنثى بشرية، ألم تكن لتعيد توجيه جهاز التكاثر الأنثوي بحيث يخرج الطفل من خلال أدنى البطن بدلاً من الحوض. تخيل كم كانت ستكون الولادة أسهل! لكن البشر قد تطوروا من كائنات وضعت البيض ثم وضعت مواليد حية_بطريقة أقل ألماً منا_من خلال الحوض. إننا مقيدون بتاريخنا التطوري.

وهل كان مصمم ذكي سيخلق الفجوة الصغيرة بين المبيض البشري وقناة فالوب، نتيجةً لذلك يجب أن تعبر البيضة هذه الفجوة قبل أن يمكنها الانتقال خلال القناة والانغراس في الرحم؟ أحياناً لا تقوم بييضة ملقحة بالقفزة بنجاح وتنغرس في البطن. هذا يسبب (الحمل البطني)، وهو دوماً تقريباً مميت للطفل و_إذا لم يتم التدخل الجراحي_للأم. هذه الثغرة هي بقية من أسلافنا السمك والزواحف، الذين طرحوا البيض من الرحم مباشرة إلى خارج إجسادهم. قناة فالوب هي رابط معيب، لأنها تطورت لاحقاً، كإضافة في الثدييات. (20)

يجيب بعض الخلقيين بأن التصميم الرديء ليس برهاناً على التطور. ذلك أن مصمماً ذكياً فائقاً للطبيعة يمكن أنه قد خلق مع ذلك سمات معيبة. يدعي نصير التصميم الذكي Michael Behe في كتابه (الصندوق الأسود لدارون): "السمات التي تدهشنا كغريبة في تصميم ربما وُضِعَت هناك من قِبَل مصمِّمٍ لسبب، لأسباب فنية، للتنوع، للتباهي، لأغراض_مع ذلك_عملية غير غير ممكن اكتشافها، أو لأسباب غير ممكن تخمينها، وربما لا تكون كذلك." لكن هذا يفتقد الحجة. أجل، قد يكون لمصمِّمٍ أفكار لا يمكن سبر أغوارها. لكن التصميمات الرديئة المعينة التي نراها لها منطق فقط لو كانت تطورت من صفات أسلاف أقدم. إن كان لمصمم أفكار قابلة للإدراك عند خلق الأنواع، فلابد أن إحداها بالتأكيد هو خداع علماء الأحياء بعمل كائنات تبدو كما لو كانت تطورت.

















ملاحظات

1- لا تزال النظرية الحديثة للتطور تدعى بالـ(دارونية) أو (الدارونية الحديثة)، رغم أنها قد تقدمت كثيراً للغاية عما افترضه دارون أولاً (فهو لم يعرف شيئاً_كمثال_عن الحمض النووي أو الطفرات). هذا من النمط من التسمية الشخصية غير معتاد في العلم. فنحن لا ندعو الفيزيائيات التقليدية بالـ "نيوتنية" أو الفيزياء النسبية بالـ "أينشتاينية". إلا أن تشارلز دارون كان صائباً للغاية ومنجِزاً في كتاب (أصل الأنواع)، لدرجة أن علم الأحياء التطوري قد صار بالنسبة لكثير من الناس مرادفاً لاسمه. سأستعمل أحياناً لفظة (الدارونية) خلال الكتاب، لكن فليتذكر القارئ أن ما أعنيه هو (النظرية التطورية الحديثة).

ملاحظة من المترجم: لم أستحب تسمية النظرية باسم أشهر واضعيها ومؤسسيها دارون، لأن كثيرين قبله لاحظوها دون أن يتعرفوا على آلياتها، ومعاصره ألفرد والس اكتشفها بُعَيدَه بقليل جداً على نحوٍ مستقل، وإن كان لم يحشد لها كل ذلك البحث والشواهد كدارون، لذا آثرت ترجمة الدارونية Darwinism إلى (نظرية التطور).

2- على خلاف علب الكبريت، فإن لغات البشر توجد في تسلسل متداخل، مع تشابه بعضها مع بعضها الآخر (كالإنجليزية والجرمانية) أكثر بكثير من اللغات الأخرى (مثلاً الصينية). يمكنك في الحقيقة أن تبني شجرة تطورية للغات بناءً على التشابه في الكلمات والقواعد. سبب كون اللغات يمكن أن تُصنف هكذا هو أنها اجتازت شكلها الخاص من التطور، متغيرةً تدريجاً خلال الزمن ومستنوِعةً كلما تحرك الناس إلى مناطق جديدة وفقدوا التواصل مع بعضهم الآخر. كالأنواع، فإن اللغات لها استنواع وسلفية مشتركة. لقد كان دارون هو أول من لاحظ هذا التشابه الجزئي.

3- لقد انقرضت فيلة الماموثات ذوات الصوف منذ حوالي عشرة آلاف سنة، على الأرجح اصطيدت حتى الانقراض من قِبَل أسلافنا. على أية حال لقد كانت إحدى النماذج محفوظة على نحو جيد للغاية بالتجمد لدرجة أنها استُعمِلت كطعام لعشاء نادي مستكشفين عام 1951م في نيويورك.

4- إنه مرجح أن الثدييات السلفية قد احتفظت بخصاها الناضجة في البطن (بعض الثدييات كمفلطح الفم البلاتيبوس والفيل لا تزال تفعل)، مما يجعلنا نتساءل لماذا أيَّد التطور تحركَ الخصيتين إلى موضع سهل الانجراح خارج الجسد. إننا لا نزال لا نعرف الإجابة بعد، لكن مفتاحاً هو أن الإنزيمات المتضمنة في صنع الحيوانات المنوية ببساطة لا تعمل بشكل جيد عند درجة حرارة الجسد الداخلية (هذا سبب نصح الأطباءِ الآباءَ المستقبليين بتجنب الحمامات الساخنة قبل الجنس). إنه مرجح أن عند نشوء حرارة الدم في الثدييات، أُجبِرَت الخصى في بعض المجموعات على النزول لتظل باردة. إلا أنه قد تكون الخصى الخارجية قد تطورت لأسباب أخرى، وفقدت ببساطة الإنزيمات المتضمنة في صنع الحيوانات المنوية قدرتها على العمل في درجات الحرارة الأعلى.

5- كثيراً ما يدعي معارضو التطور أن نظرية التطور يجب أن تفسر كذلك كيفية نشوء الحياة، وأن الدارونية تخفق لأننا لا نملك الإجابة بعد. إن هذا الاعتراض مضلل. فالنظرية التطورية تتعامل فقط مع ما يحدث بعد مجيء الحياة إلى الوجود (والتي سأُعرِّفها ككائنات أو جزيئات ناسخة لنفسها). أما نشوء الحياة ذاتها فلا يُحال إلى علم الأحياء التطوري، بل إلى علم النشوء الذاتيّ abiogenesis، وهو مجال علمي يشمل الكيمياء وعلم طبقات الأرض وعلم الأحياء الجزيئي. ولأن هذا المجال لا يزال في مهده، ولم يعطِ حتى الآن سوى إجابات قليلة، فقد أهملتُ في هذا الكتاب أي بحث عن كيفية بدء الحياة على الأرض. لإلقاء نظرة عامة على النظريات العديدة المتنافسة، انظر ما هو بمثابة سفر تكوين Robert Hazen: (البحث العلمي بصدد نشأة الحياة) The Scientific Quest for Life’s Origin.

6 - مع ملاحظة أنه للنصف الأول من تاريخ الحياة كانت الأنواع الوحيدة هي البكتريا. ولم تظهر الكائنات عديدة الخلايا المعقدة حتى آخر 15% من تاريخ الحياة. لرؤية تسلسل زمني تطوري في مقياس صحيح، مظهراً كيفية نشوء الكثير من أشكال الحياة المألوفة حالياً، زر موقع http://andabien.com/html/evolutiontimeline.htm and keep scrolling.

7- كثيراً ما يستعمل الخلقيون المفهوم الكتابي لـ"الأنواع" للإشارة إلى المجموعات التي خُلِقَت خلقاً خصوصياً (انظر سفر التكوين 1: 12-25)، لكن ضمنها بعض التطور مفسوح له المجال. يدعي أحد المواقع الخلقية، شارحاً لفظة "الأنواع": "كمثال، قد يكون هناك أنواع كثيرة من الحمام، لكنها تظل كلها حماماً. لذا، يكون الحمام "نوعاً" من الحيوان، طائراً، في الحقيقة". هكذا، فإن التطور الضئيل مفسوح له المجال ضمن "الأنواع"، لكن التطور الكبير بين الأنواع غير ممكن الحدوث ولم يحدث حسب اعتقادهم. بعبارة أخرى، أعضاء النوع لهم سلف مشترك، وأعضاء الأنواع المختلفة ليس لها حسب اعتقادهم. المعضلة هي أن الخلقيين لا يقدِّمون معياراً لتعريف (الأنواع)، فهل يقابلون الجنس البيولوجي؟ أم الأسرة؟ هل كل الأعضاء الطائرين من نوع واحد، أم أنواع مختلفة؟، لذا فلا يمكننا الحكم على ما يرونه كحدودٍ للتغير التطوري. إلا أن كل الخلقيين يتفقون على شيء واحد: الإنسان الحكيم Homo Sapiens هو (نوع) وحدَه، ولذا ينبغي أن يكون قد خُلِقَ. إلا أنه ليس هناك شيء في نظرية التطور ولا معطياتها يدل على أن التغير التطوري يمكن أن يُحدَّ: بقدر ما يمكننا أن نرى، فإن التطور الكبير هو ببساطة التطور الضئيل ممتداً خلال حقبة طويلة من الزمن. انظر لرؤية وجهة النظر الخلقية عن (الأنواع) http://www.clarifyingchristianity.com/creation.shtml و http://www.nwcreation.net/biblicalkinds.html ولرؤية دحض http://www.geocities.com/CapeCanaveral/H.../kinds.htm .

8- يعتقد علماء المتحجرات اليوم أن كل الديناصورات الرشيقة Therapods_وهذا يتضمن Tyrannosaurus rex الشهير_كانت مغطاة بشكل ما من الريش. هذا لا يُظهَر عادةً في إعادات بناء المتاحف للمتحجرات، أو في أفلامٍ كالحديقة الجوارسية Jurassic Park. سيكون من السيء لسمعة T. rex المرعِب أن يُعلَم أنه كان مغطى بالزغب!

9- لأجل وصف مشوق لكيفية العثور على أول عينة للـ Sinornithosaurus إعدادها، والمسماة "Dave"، انظر http://www.amnh.org/learn/pd/dinos/markmeetsdave.html.

10- قامت قناة NOVAبتقديم برنامج تلفزيوني رائع موثق للعثور على الـ Microraptor gui والجدل التالي بصدد ما إذا كان استطاع الطيران. يمكنك مشاهدة "الديناصور رباعي الأجنحة" على الهواء، بموقع http://www.pbs.org/wgbh/nova/microraptor/program.html..

11- في إنجاز مدهش معاصر، قد نجح علماءُ في الحصول على شظايا من بروتين الكولاجين من متحجرة عمرها 68 مليون عام للـ T. rex، وتعيين تسلسل الحمض الأميني لهذه الشظايا. يُظهِر التحليل أن الـ T. rex أوثق صلةً إلى الطيور الحية (الدجاج والنعام) من أي فقاريات حية أخرى. تؤكد العينة ما ظنه العلماء منذ زمن طويل: لقد انقرضت الديناصورات ما خلا خط تحدر واحد أدى إلى نشوء الطيور. على نحو متزايد، يقر علماء الأحياء بأن الطيور مجرد ديناصورات مُعدَّلة إلى حدٍ كبير. في الواقع، كثيراً ما تُصنَّف الطيور كديناصورات.

12- يثبت تسلسل الحمض النووي والبروتيني للحوت أنه من بين الثدييات فالأوثق صلةً به هي شفعيات الأصابع، وهو اكتشاف يتسق تماماً مع الدليل الحفري.

13- لرؤية Chevrotain مائي ينزل إلى الماء ليفر من نسر، زر موقع http://www.youtube.com/watch?v=GQbTljxs .

14- لقد نُشِرَتْ الورقة_رغم ذلك_وأثبتت أن رغم نمطي جريهما المختلفين، يستهلك النعام والخيول كميات متماثلة من الطاقة لقطع نفس المسافة:M. A. Fedak and H. J. Seeherman  . ويثبت تقييم جديد لطاقات التحرك تكلفاتٍ متطابقة في ثنائيات ورباعيات الأرجل بما في ذلك النعام والخيول. Nature 282: 713-716.

15- يعرض هذا الڤيديو كيف تُستعمَل الأجنحة في التزاوج: http://revver.com/video//masai-ostrich-mating/.

16- الحيتان_التي تفتقد الآذان الخارجية_لديهم أيضاً عضلات أذن لاوظيفية (وأحياناً فتحات آذان ضئيلة لاوظيفية)، كلها موروثة من أسلافهم البريين.

17- الجينات الزائفة_على حد علمي_لا يُعاد ابتعاثها أبداً. فعندما يخضع جين لطفرة تعطله، سرعان ما تتراكم طفرات أخرى تفسِد معلومات ِ صنع بروتينه أكثر. احتمال أن تُبطِل تلك الطفراتُ نفسَها لتعيد إحياء الجين هو صفر تقريباً.

18- على نحوٍ قابل للتنبؤ، فإن الثدييات البحرية التي تقضي جزءً من وقتها على البر_كأسد البحر وكلب البحر_لديها جينات المستقبلات الشمية (OR) أكثر مما لدى الحيتان أو الدلافين، من المحتمل لأنها لا تزال تحتاج استبيان الروائح المحمولة جواً.

19- كثيراً ما يستشهد الخلقيون برسوم Haeckel "الملفقة" كوسيلة للهجوم على التطورعامةً، فيدعون أن التطوريين يحرفون الحقائق لدعم "الدارونية المضلِّلة". لكن قصة Haeckel ليست بهذه البساطة. لعل Haeckel ليس مذنباً بانتهاك القانون، بل بالإهمال فقط: لأن "حيلته" تألفت كليةً من رسم ثلاثة أجنة مختلفة مستعملاً نفس القالب. عندما سوئِل، اعترف بالغلط وأصلحه. ليس هناك ببساطة دليل على أنه حوَّر عن قصدٍ مظهر الأجنة ليجعلهم يبدون أكثر تشابهاً مما هم عليه. يحكي R. J. Richards (2008، الفصل 8) القصة كاملةً.

20- لقد تركت لنا سلفيتنا كوارث جسدية كثيرة أخرى.كالبواسير، والظهور الرديئة، والفواق (الزغطة)، والزوائد الدودية الملتهبة. كل هذه الحالات هي ميراث تطورنا.يصف Neil Shubin هذه الحالات والكثير غيرها في كتابه (سمكتك الداخلية) Your Inner Fish.

21- لقد ألهمت أيضاً قصيدةَ William Cowper: (عزلة ألكسَندر سلكيرك)، بمطلعها الشهير:

أنا ملك كل ما يمتد إليه بصري
لا أحد يجادل في حقي
من المركز كله وحتى البحر
أنا سيد الطير والوحش

22- للاطلاع على رسم متحرك للانجراف القاري خلال المئة وخمسين مليون عام الأخيرة، زر موقع http://mulinet.li.mahidol.ac.th/cd-rom/...onanim.gif ، ورسوم متحركة أكثر شمولاً خلال كامل تاريخ الأرض بموقع http://www.scotese.com/ .

23- هذه العبارة، التي هي بالتأكيد أشهر عبارات Tennyson، مقتبسة من قصيدته في In Memoriam A.H.H.

(الإنسان) الذي يثق بأن الرب كان محبةً حقاً
وأن الحب قانونُ الخلقٍ النهائيّ
رغم أن الطبيعة_حمراءَ الأسنان والحافرةَ للشِعْبِ_
تصرخ ضد اعتقاده.

24- ڤيديو تصويريّ لافتراس دبابير يابانية لنحلٍ مجلوب، وطبخها حتى الموت بدفاع النحل الياباني، يمكن رؤيته بموقع http://www.youtube.com/watch?v=DcZCttPGyJ . لقد وجد العلماء مؤخراً وسيلة أخرى يقتل بها النحلُ الدبابيرَ، بالخنق. ففي قبرص، يُكَوِّن النحل أيضاً كرةً حول الدبابير الداخلة عنوة. فالزنابير تتنفس بنشر وتقليص بطونها، نافخةً الهواء إلى أجسادها عبر ممرات صغيرة. تمنع كرة النحل الضيقة الزنابيرَ من تحريك بطونها، حارمةً إياها من الهواء.

25- في كتابه (الطفيليّ الملك) يسرد Carl Zimmer الكثير من الوسائل الأخرى الفاتنة والمريعة التي قد طورتها الطفيليات للتلاعب بمضيفيها.

26- هناك جانب آخر في هذه القصة بنفس درجة الإثارة تقريباً: فالنمل الذي يقضي الكثير من الوقت على الأشجار، قد طور قدرة على التزلج الهوائي. فعندما يسقطون من فرع، يمكنهم أن يناوروا في الهواء لكي_بدلاً من الهبوط على أرضية الغابة المعادية_ينقضون مجدداً على جذع الشجرة الآمن. إنه غير معلومٍ بعد كيف تستطيع نملة ساقطة أن تتحكم في اتجاه تزلجها، لكن يمكنك رؤية ڤيديوهات لهذا السلوك الجدير بالملاحظة على موقع http://www.canopyants.com/video.html .

27- يستشهد الخلقيون أحياناً بهذا اللسان كمثال لصفة لا يمكن أن تكون قد تطورت، بما أن المراحل المتوسطة للتطور عن الألسنة القصيرة إلى الطويلة كانت على نحوٍ افتراضي سيئة التكيف. هذا الزعم لا أساس له. للاطلاع على وصفٍ للسان الطويل والكيفية التي تطور بها بالانتخاب الطبيعي على نحوٍ مرجح، انظر موقع http://www.talkorigins.org/faqs/woodpeck...ecker.html .

28- بينما أكتب هذا الكتاب، ظهر تقريرٌ تواً يُثبِت أن الحمض النووي المستخرج من عظام البشريين النندرثاليين يحتوي على شكل آخر للون الفاتح من الجين. من ثم، فإنه مرجح أن بعض البشريين النندرثاليين كان لديهم شعر أشقر.

29- تُعتبَر كل السلالات المختلفة من النوع Canis lupus familiaris لأنهم يمكنهم التهجن بنجاح. لو كانوا وُجِدوا كمتحجرات فقط لكانت اختلافاتهم الهائلة قد أدت إلى استنتاجنا أن هناك بعض الحواجز الجينية المانعة إياهم من التهجن، وبالتالي أنهم يجب أن يُمثِّلوا أنواعاً مختلفة.

30- لقد تكيفت الحشرات أيضاً مع كيميائيات أنواع النباتات، لدرجة أن كل شكل جديد من البقة ينمو بشكلٍ أفضل على النباتات المجلوبة التي يسكنها أكثر من أجمة الصابون العتيقة.

31- لمشاهدة وصف لكيفية تخثر الدم وكيف يمكن أن يكون السوط قد تطور من خلال الانتخاب الطبيعي، انظر كتاب Kenneth Miller "مجرد نظرية"، وكذلك M. J. Pallen and N. J. Matzke (2006) .

32- لمشاهدة الطيهوج الحكيم متبختراً في المُستعرَض أمام الإناث، اذهب إلى موقع http:// http://www.youtube.com/watch?v=qcWxVbT_j8..

33- أقدم كائن متكاثر جنسياً معروف حتى الآن هو طحلب أحرم، يُسمَّى على نحو ملائم Bangiomorpha pubescens. الجنسان مرئيان بوضوح في متحجراته منذ 1.2 مليار سنة ماضية.

34- إنه من الهام أن نتذكر أننا نتحدث عن الاختلاف بين الذكور والإناث في تفاوت النجاح التزاوجي. على النقيض من هذا، فإن متوسط النجاح التزاوجي للذكور والإناث ينبغي أنه متساوٍ، لأن كل نسلٍ لابد أن له أباً واحداً وأماً واحدة. في الذكور، يحوز هذا المتوسط القليل منهم منجَباً لهم معظم النسل بينما البقية ليس لهم نسل...على جانب آخر، فإن كل أنثى لها نفس العدد تقريباً من النسل.

35- عندما يُضغَط عليهم، يفسر الخلقيون ثنائيات الأشكال الجنسية باللجوء إلى الأهواء الغامضة للخالق. في كتابه (دارون في المحاكمة)، يجيب مناصر التصميم الذكي Phillip Johnson على سؤال التطوري Douglas Futuyma: "هل يفترِض علماء الخلق حقاً أن خالقهم رأى أنه ملائمٌ خلق طائر لا يمكنه التكاثر بدون ستة أقدام من الريش ثقيل التحريك مما يجعله فريسة سهلة للنمور؟" يجيب Johnson: "لا أعلم ما قد يفترضه علماء الخلق، لكن يبدو لي أن الطاووس والطاووسة هما تماماً نوع المخلوقات التي سيُفضِّلها خالقٌ ذو أهواء، لكن عملية آلية غير مبالية كالانتخاب الطبيعي ما كانت ستسمح لها بالتطور." لكن فرضيات قابلة للاختبار كالانتخاب الطبيعي تفوق بالتأكيد لجوءً غير قابل للاختبار إلى الأهواء الغامضة لخالقٍ.

36- قد تتساءل لماذا_إن تكن الإناث لديها تفضيل للصفات غير المبداة_لم تنشأ هذه الصفات قط في الذكور. أحد التفسيرات هو أن الطفرات الملائمة لم تحدث ببساطة. وآخَر هو أن الطفرات الملائمة قد حدثت، لكنها قلّلت بقاء الذكر أكثر مما عزَّزت قدرته على جذب العشيرات.
37- قد تعترض بأن هذا التوافق يثبت فقط أن كل الأدمغة البشرية متصلة عصبياً لتصنيف ما هو في الحقيقة سلسلة متصلة من الطيور عند نفس النقاط الاعتباطية. لكن هذا الاعتراض يفقد قوته عندما نتذكر أن الطيور نفسها تدرك نفس المجموعات. فعندما يحين وقت التكاثر، يتودد طائر أبي الحناء الذكر فقط إلى طيور أبي الحناء الإناث، ليس إلى طيور الدوري أو الزرزور أو الغربان الإناث. إن الطيور_كالحيوانات الأخرى_ جيدة في التعرف على الأنواع المختلفة.

38- على سبيل المثال، إن ينقرض 99% من كل الأنواع المُنتَجَة، سنظل نحتاج استنواعاً ذا معدل من نشوء نوع جديد واحد فقط لكل مئة مليون سنة لإنتاج مئة مليون نوع حي.

39- للاطلاع على عرضٍ واضح لكيفية إعادة بناء العلم للأحداث القديمة في علم طبقات الأرض والأحياء والفضاء، انظر كتاب C. Tunney (عظام وصخور ونجوم: علم متى حدثت الأشياء) Bones, Rocks, and Stars: The Science of When Things Happened. MacMillan, New York

40- هنا وصف أكثر تفصيلاً لكيفية نشوء نوع متعدد الصبغيات متباين جديد. تحمل معي، إذ رغم أن فهم العملية ليس صعباً، فإنها تتطلب تسلسل أفكار قليلة العدد. يحمل كل نوع_عدا البكتريا والڤيروسات_نسختين من كل كروموسوم (صبغي). فنحن البشر_كمثال_لدينا 46 كروموسوماً، تؤلف 22 زوجاً أو مقترناً، إضافةً إلى كروموسومي الجنس: XX في الإناث، و XY في الذكور. يورث واحد من كل زوج كروموسومات من خلال الأب، والآخر من خلال الأم. عندما يصنع أفرادُ نوعٍ الأمشاجَ (الحيوانات المنوية والبييضات في الحيوانات، اللقاح والبييضات في النباتات)، تنفصل المقترنات عن بعضها البعض، ويذهب فرد واحد من كل زوج إلى الحيوان المنوي أو حبة اللقاح أو البييضة. لكن قبل ذلك، يجب أن تصطف المقترنات وتقترن مع بعضها الآخر لكي يمكنها الانفصال بنجاح. إن لا تستطع الكروموسومات الاقتران بنجاح، لا يستطع الفرد إنتاج الأمشاج ويكون عقيماً.

إن هذا الإخفاق في الاقتران هو أساس الاستنواع تعددي الصبغيات التبايني. افترض_كمثال_أن نوعاً من النبات (فلنكن خياليين ونسمِه أ) له ست كروموسومات، أي ثلاثة أزواج من المقترنات. افترض علاوة أن له قريب، هو النوع (ب)، ذو عشرة كروموسومات، أي خمسة أزواج. سيكون الهجين بين النوعين ثمانية كروموسومات، حاصلاً على ثلاثة من النوع أ وخمسة من النوع ب (تذكر أن مشيجي كلا النوعين يحملان نصف كروموسوماتهما فقط). هذا الهجين قد يكون صالحاً للحياة ونشطاً، لكنه عندما يحاول تكوين حبوب لقاح أو بييضات يدخل في الاضطراب. حين تحاول خمس كروموسومات من نوعٍ الاقترانَ مع ثلاثة من نوع آخر تصنع فوضى. يخفق تكوين المشيج، ويكون الهجين عقيماً.

لكن افترض أن الهجين بطريقة ما استطاع مضاعفة كل كروموسوماته، رافعاً العدد من 8 إلى 16. سيكون هذا الهجين الفائق الجديد قادراً على اقتران كروموسومي سليم: فكلٌ من الصبغيات الستة من النوع أ ستجد قرينها، وبطريقة مماثلة الصبغيات العشرة من النوع ب. ولأن الاقتران يحدث على نحو سليم، سيكون الهجين الفائق خصيباً، منتِجاً حبوب لقاح أو بييضات تحمل ثمانية صبغيات. يعرف الهجين الفائق اصطلاحياً بـ allopolyploid، من الكلمتين اليونانيتين بمعنى (مختلف) و(مضاعَف عدةَ أضعافٍ). في صبغياته الستة عشر يحمل المادة الجينية الكاملة لكلا النوعين الأبويين أ و ب. وسنتوقع أنه يبدو متوسطاً بين الأبوين نوعاً ما. وقد تمكِّنه تأليفته الجديدة من السمات من العيش في كوة بيئية جديدة.

متعدد الصبغيات أ ب ليس فقط خصيباً، بل سينتِج نسلاً لو لُقِّحَ من قِبَل متعدد صبغيات مماثل آخر. كلٌ من الوالدين يسهم بثمانية صبغيات للبذرة، والتي ستنمو لتكونَ نبات أ ب ذا 16 كروموسوماً آخر، تماماً كوالديه. تؤلف مجموعة من مثل هذه المتعددات الصبغيات مجموعة سكانية متزاوجة مديمة لذاتها. وسيكون أيضاً نوعاً جديداً. لماذا؟ لأن متعدد الصبغيات أ ب معزول تكاثرياً عن كلا النوعين الأبويين. فعندما يتهجَّن سواء مع النوع أ، سينتِج متعدد الصبغيات أمشاجاً ذوات ثمانية صبغيات ثلاثة منها تعود أصلاً إلى النوع أ وخمسة من النوع ب. هذه تتحد مع أمشاج النوع أ والتي تحتوي على ثلاثة صبغيات. سيكون لدى النبات الناشئ من هذا الاتحاد 11 كروموسوماً. وسيكون عقيماً، لأنه بينما كل صبغي (كروموسوم) أ له شريك مقترن، فليس لصبغيات ب. تحدث حالة مشابهة عندما يتزاوج متعدد الصبغيات أ ب مع النوع ب: سيكون للنسل 13 صبغياً، ولا تستطيع الخمسة صبغيات الخاصة بـ أ الاقترانَ أثناء تكوُّن المشيج.

إذن، يُنتِج متعدد الصبغيات الجديد هجناً عقيمة فقط عندما يتزاوج مع أي النوعين الأبويين على السواء اللذين جلباه للوجود. لكن عندما تتزاوج متعددات الصبغيات مع بعضها الآخر، سيكون النسل خصيباً، ممتلكاً كل الستة عشر صبغياً لأبويه. بعبارة أخرى، يشكِّل متعدد الصبغيات مجموعة متزاوجة معزولة تكاثرياً عن المجموعات الأخرى، وهذا ما يحدد نوعاً حيوياً متميزاً. وقد نشأ هذا النوع بدون انعزال جغرافي، ذلك بالضرورة لأنه إذا كان نوعان سيكونان هجناً، فلابد أن يعيشا في نفس المكان.

كيف يتكوَّن النوع متعدد الصبغيات في المقام الأول؟ لا نحتاج إلى الدخول في التفاصيل الصعبة هنا عدا القول أنه يتضمن تكوُّن هجين بين نوعين أبويين، متبوعاً بسلسلة من الخطوات فيها تُنتِج تلك الهجنُ حبوبَ لقاح وبييضات حاملة مجموعات مضاعفة من الصبغيات في جيلين فقط. وكل هذه الخطوات قد وُثِّقَتْ في كلٍ من البيوت الزجاجية والطبيعة.

41- كمثالٍ على تعدد الصبغيات الذاتي، فلنفترض أن أفراد نوعٍ نباتٍ لهم 14 صبغياً، أو 7 أزواج. قد يُنتِج فردٌ أحياناً أمشاجاً غير مُقلَّلة تحتوي كلَّ الـ 14 صبغياً بدلاً من 7. لو اندمج هذا المشيج مع طبيعي، أي مشيج ذي 7 صبغيات من فردٍ آخر من نفس النوع، سيَنتُج نبات شبه عقيم له 21 صبغياً: إنه عقيم تقريباً لأن أثناء تكون المشيج، تحاول ثلاثة صبغيات مقترنات (أو قرينات أو متشابهات أو أنداد homologous) الاقتران بدلاً من الاثنين الطبيعيين، وهذا لا يعمل على نحوٍ حسن. لكن إن يُنتِج هذا الفردُ مجدداً أمشاجاً ذوات 21صبغياً غير مقللة قليلة لتتحد مع الأمشاج الطبيعية من نفس النوع، يَنتُج فردٌ ذاتي التعدد الصبغي ذو 28 صبغياً. إنه يحمل نسختين كاملتين من الجينوم الأبوي. يمكن أن تُعتبَر مجموعةٌ من مثل هؤلاء الأفراد نوعاً جديداً، لأنهم يمكنهم التزاوج مع ذاتيات التعدد الصبغي المماثلة الأخرى، لكن عندما يحاولون التزاوج مع النوعين الأبوين سيُنتِجون أفراداً عقيمين إلى حدٍ بعيد ذوي21صبغياً. هذا الذاتي التعدد الصبغي له بالضبط نفس جينات فرد من نوع أبوي واحد، لكن في أربعة أضعاف بدلاً من ضعفين.

وحيث أن ذاتي التعدد الصبغي المتكوِّن جديداً له نفس جينات نوعيه الأبويين، فكثيراً ما يشابهمها على نحوٍ وثيق. أحياناً يمكن التعرف على أفراد النوع الجديد فقط بإحصاء صبغياتهم تحت المجهر ورؤية أنهم لديهم ضعف عدد صبغيات أفراد النوعين الأبويين. ولأنهم يشابهون آباءهم، فبالتأكيد يوجد الكثير من الأنواع ذاتية التعدد الصبغي في الطبيعة والذين لم يتعرفهم عليهم بعد.

42- رغم أن حالات الاستنواع غير تعددي الصبغيات المتباين الحادثة في "وقت التجربة" نادرة، فإن هناك واحدة على الأقل تبدو جديرة بالتصديق. هذا يتضمن مجموعتين من البعوض في لندن، والتي عادة ما تُسمَّى كأنواع فرعية إلا أنها تُظهِر انعزالاً تكاثرياً هاماً. فـ Culex pipiens pipiens هي إحدى أكثر أنواع البعوض المدني شيوعاً، تضع إناثه البيض فقط بعدما يحصلن على وجبة دماء. أثناء الشتاء، يموت الذكور لكن الإناث يدخلن في حالة شبيهة بالسبات الشتوي تُدعى (التوقف الخِلاليّ) diapause. عند التزاوج، يُشكِّل الـ pipiens حشوداً كبيرة يتزاوج فيها الذكور والإناث بشكلٍ جماعيّ.

أسفل بخمسة عشر قدماً، خلال أنفاق قطار لندن التحت أرضي، يعيش نوع فرعي وثيق الصلة، هو Culex pipiens molestus، يُدعى هكذا لأنه يفضل لدغ الثدييات، خاصة الذين يركبون القطار. (لقد صار إزعاجاً حقيقياً أثناء غارة الحرب العالمية الثانية، عندما اضطر آلاف اللندنيين إلى النوم في محطات السكة الحديدية أثناء الغارات الجوية). بجانب التطفل على الفئران والبشر، لا يحتاج molestus وجبة طعام ليضع البيض، و _كما قد يتوقع المرء بالنسبة لساكني القنوات معتدلة الحرارة_يفضِّلون التزاوج في مساحات ضيِّقة ولا يتوقفون خلالياً خلال الشتاء.

الاختلاف في طريقة تزاوج هذين النوعين الفرعيين تؤدي إلى انعزال جنسي قوي بين الضربين في كلٍ من الطبيعة والمعمل. ذلك_مقترناً مع الاختلاف الجيني الهام بين الضربين_يدل على أنهما في طريقهما ليصيرا نوعين مختلفين. فإن بعض علماء الحشرات فعلياً يصنفونهما بهذه الطريقة باعتبارهما Culex pipiens و Culex molestus. وبما أن تشييد القطار تحت الأرض لم يُشرَع فيه حتى ستينيات القرن التاسع عشر، والكثير من الخطوط عمرها أقل من مئة عام، فإن هذا الحدث "الاستنواعي" ربما قد حدث خلال فترة الذاكرة المعاصرة. إن سبب كون هذه القصة ليست محكمة_رغم ذلك_هي أن هناك زوجاً مشابهاً من الأنواع في نيويورك: أحدهما فوق الأرض والآخر في أنفاق القطار النفقي الكهربي. يُحتمل أن يكون كلا الزوجين نماذج لزوجٍ متماثل ومختلف منذ زمن طويل والتي تعيش في كل مكان آخر في العالم، كل منهم قد هاجر إلى مكانه الخاص في لندن ونيويورك. ما نحتاجه لحل هذه المعضلة_وليس لدينا بعد_هو شجرة عائلة مبنية على الحمض النووي جيدة لهذا البعوض.
04-23-2012 06:05 PM    
عرض جميع مشاركات هذا العضو     إقتباس هذه الرسالة في الرد
راهب العلم غير متصل
مرشد إلى الإلحاد
**

المشاركات : 12
الإنتساب : Jul 2008    
مشاركات : #4
RE: للتحميل: لماذا النشوء والتطور حقيقة
اعتيد على تسمية هذه المجموعة بأشباه البشر أو البشرانيين hominids، لكن هذا المطلح أصبح مخصصاً اليوم لكل القرود العليا الحديثة والمنقرضة، بما في ذلك البشر والشمابز (جمع شمبانزي) والجوريلات والأورانجوتانات (أو إنسان الغاب)، وكل أسلافهم.

44- كلمحة عن الطبيعة التنافسية لعلم السلالات البشرية القديمة فإن عدد الناس المتشاركين مفخرةَ اكتشاف وإعداد ووصف القرد البشري الساحلي Sahelanthropus كان 38 شخصاً بورقة الإعلان عنه، كلهم لأجل جمجمة مفردة!

45- الرابط http://www.youtube.com/watch?v=VDIMhKotWU&NR= 1  يُري شمبانزياً يمشي على رجلين على نحوٍ أخرق.

46- انظر http://www.pbs.org/wgbh/evolution/librar..._.html لمشاهدة ڤيديو عن آثار الأقدام وكيف تكوَّنت.

47- مع ملاحظة أن هذا كان في الحقيقة المرة الثانية التي يهاجر فيها خط التحدر البشري خارج إفريقيا، والأولى كانت انتشار الإنسان منتصب القامة Homo erectus.

48- انظر http://www.talkorigins.org/faqs/homs/compare.html لدراسة عن كيفية تناول الخلقيين مع السجل البشري الأحفوري.

49- على خلاف أغلب الرئيسيات، لا تُظهر إناث البشر أمارات مرئية أثناء التبويض. (فأعضاء التناسل لإناث قرود البابونات_كمثال_تنتفخ وتصير حمراء عندما يكنَّ خصيبات). هناك أكثر من دستة نظريات بصدد سبب تطور إناث البشر ليُخفيت فترات خصوبتهن. أشهرها هو أن هذه إستيراتيجية أنثوية لإبقاء العشير بالجوار للإعالة ورعاية الأطفال. إن يكن الرجل لا يعرف متى تكون أنثاه خصيبة، ويُرِد أن يُنجَبَ له أطفالٌ فيجب أن يرافقها ويزاوجها كثيراً.

50- تأتي فكرة أن FOXP2 هو جين اللغة من ملاحظة أنه قد تطور بسرعة فائقة في خط تحدر البشر، وأن الأشكال المُطفَّرة من الجين تؤثر على قدرة الناس على إنتاج وفهم الكلام، وأن الطفرات المشابهة في الفئران تجعل أطفال الفئران غير قادرين على الصرير.

51- في الحقيقة، لقد تمت المحاولة مرة واحدة على الأقل. ففي عام 1927م، Ilya Ivanovich Ivanov وهو عالم أحياء روسي غريب الأطوار كانت براعته في عمل هجن حيوانية من خلال التخصيب الاصطناعي، استخدم تلك التقنية في محاولة صنع هجن بشرية/ شامبانزية (كانت لتسمى “humanzees” أو “chumans”. في مركز حقليّ بجينيا الفرنسية، خصَّب ثلاث إناث شمبانزي بالحيوانات المنوية البشرية. لحسن الحظ، لم تحدث حالات حمل، وأُحبِطَتْ خططه اللاحقة لعمل تجربة عكسية.

52- لقد تعرف علماء الأحياء على جينين على الأقل مسؤولين عن معظم الاختلاف في صبغ البشرة بين المجموعات السكانية الإفريقية والأورُبية. على نحو مثير للاهتمام، فقد اكتُشِفا كلاهما لأنهما يؤثران على اصطباغ الأسماك.

53- وُصِفَت مؤخراً حالة مشابهة بالنسبة لـ amylase-1، الإنزيم اللعابي الذي يُكسِّر النشا إلى سكريات بسيطة. فالمجموعات البشرية ذوات الأنظمة الغذائية المحتوية على نشا كثير_كاليابانيين والأوربيين_لديهم نسخ أكثر من الجين، عن المجموعات التي تعيش على أنظمة غذائية منخفضة النشا، كصيادي الأسماك أو الجامعين الصائدين في الغابات المطيرة. بالمقارنة مع إنزيم اللاكتيز lactase enzyme، أزاد الانتخاب الطبيعي تعبير الـ amylase-1 بتأييد تضاعف الجين الذي يُنتِجه.

54- فلنتذكر أن لا طعام له نكهة متأصلة، فكيفية تذوقها من الأفراد يعتمد على تفاعلاتهم المتطورة بين مستقبلات التذوق والخلايا العصبية المنبَّهة في الدماغ. إنه مؤكدٌ تقريباً أن الانتخاب الطبيعي قد كيَّف أدمغتنا وبراعمنا التذوقية لكي نجد أن نكهات الحلويات والأطعمة الدسمة جذابة، حاثةً إيانا على البحث عنها. إن اللحم المتعفن على الأرجح بالنسبة إلى الضبع بنفس لذاذة آيس كريم النداي (طبق من الآيس كريم يغطيه شراب فواكه أو مكسرات أو كريمة Sundae)

55- يعتقد معظم علماء النفس التطوري أن بيئة التكيف التطوري كانت حقيقة. إذ خلال ملايين السنوات من تطورالبشر كانت كلا البيئتين النفسية والاجتماعية متواصلتين نسبياً. لكننا لا نعلم شيئاً عن هذا علمَاً يقينياً. فبالنهاية، خلال سبعة ملايين سنة من التطور عاش أسلافنا في مناخات مختلفة، وتفاعلوا مع أنواع متنوعة (بما في هذا بشريين آخرين)، وتفاعلوا في أنماطٍ مختلفة من المجتمعات، وانتشروا عبر كل الكوكب. هذه الفكرة أن قد كان هناك نوعٌ ما من (البيئة السلفية) التي نستطيع الاستشهاد بها لتفسير سلوك البشر الحديثين هي تصورٌ عقلانيّ، وافتراضٌ قِيِمَ به لأن هذا_على كلٍ_كل ما يمكننا عمله.













معاني مصطلحات علمية

ملاحظة: بالنسبة إلى بعض الملاحظات_كـ"الجين"_فلدى العلماء تعريفات عديدة، عادةً تقنية وأحياناً على خلافٍ مع تعريف آخر. في مثل تلك الحالات قدَّمت ما أعتقد أنه أكثر التعريفات العاملة شيوعاً.

التأسل: التعبير الحادث أحياناً في نوع حي لصفة كانت قديماً موجودة في نوع سلفي لكن اختفت منذ ذلك الحين. أحد الأمثلة هو الظهور من آنٍ إلى آخر لذيلٍ عند أطفال البشر الرضع.

الأليل: شكل خاص من جين معين منتَج بالتطفر. على سبيل المثال، هناك ثلاثة أليلات لتشفير البروتين الذي يُنتِج فئة دمائنا: أليلات AوB و O. كلهم أشكال مطفرة لجين واحد يختلفون قليلاً فقط في تسلسل حمضهم النووي.

البشريين Hominins: كل الأنواع_الأحياء والمنقرضة_على الجانب "البشري" من الشجرة التطورية بعدما انقسم سلفنا المشترك مع الشمابز (جمع شمبانزي) إلى خطي تحدر أنتجا البشر الحديثين والشمابز الحديثين.

البشرانيين Hominoiea: البشر وكل الأنواع الشبيهة لهم الأقارب كالشمابز والجوريلات.

التجربة الحاكمة أو الضابطة: التجربة التي يُعزَل فيها أثر أحد المتغيرات في نظام ما عن طريق تثبيت جميع المتغيرات الأخرى ما عدا المتغير الذي تحت المراقبة.

التطفر: تغير صغير في الحمض النووي منزوع الأكسجين DNA، عادةً تغير قاعدة نيوكليوتيدية واحدة فقط في تسلسل القواعد التي تشكل الشفرة الجينية لكائن. كثيراً ما تنشأ الطفرات كأخطاءٍ أثناء نسخ جزيئات الحمض النووي والذي يصاحب انقسام الخلية.

التطور: التغير الجيني في المجموعات السكانية، والذي كثيراً ما يُحدِث تغيراتٍ في الصفات المرئية للكائنات خلال الزمن.

التطور الصغير: التغير التطوري "الثانوي"، كالتغير في حجم أو لونٍ نوعٍ. أحد الأمثلة هو تطور ألوان الجلد أو أنواع الشعر بين المجموعات السكانية البشرية، وآخر هو تطور مقاومة المضادات الحيوية في البكتريا.

التطور الكبير: التغير التطوري "الهام"، عادةً يُتصوَّر على أنه التغيرات الكبيرة في شكل الجسد أو تطور نوع من النبات أو الحيوان من نوعٍ آخر. التغير من سلفنا الرئيسيوي إلى البشر الحديثين، أو من الزواحف العتيقة إلى الطيور، يُعتبَر تطوراً كبيراً.

تعدد الأزواج: نظام تزاوجي تتزاوج فيه الإناث مع أكثر من ذكر.

تعدد الزوجات: نظام تزاوجي يتزاوج فيه الذكور مع أكثر من أنثى.

تعدد الصبغيات: نوع من الاستنواع، يتضمن التهجين، النوع الجديد فيه يكون له عددٌ مُزاد من الصبغيات. هذا يمكن أن يشتمل إما تعدد الصبغيات الذاتيّ أو تعدد الصبغيات التبايني (انظر ).

التكاثر العذري: نوع من التكاثر اللاجنسي فيه يكوِّن الأفراد بيضاً يتنمى إلى بالغين دون تخصيب.

التكيف: سمة لكائن متعضي تطور بالانتخاب الطبيعي لأنه يؤدي وظيفة معينة أفضل من أسلافه. زهور النباتات_كمثال_هي تكيفات لجذب المًُلقِّحين.

التكيف المتشعِّب: إنتاج أنواع جديدة عديدة أو كثيرة من سلف مشترك، عادةً عندما يغزو السلف مواطن جديدة وفارغة، كالأرخبيلات. التشعب (تكيفيّ) لأن الحواجز الجينية بين الأنواع تنشأ كنتيجة جانبية للانتخاب الطبيعي المُكَيِّف للمجموعات السكانية مع بيئاتها. أحد الأمثلة هو الاستنواع المذهل لطيور honeycreepers في أرخبيل هاواي.

ثنائية الشكل الجنسي: سمة تميز بين ذكور وإناث نوعٍ، كالحجم أو وجود شعرالجسد في البشر.

الانجراف الجيني: التغير التطوري الذي يحدث بأخذ العينات العشوائي للأليلات المختلفة من جيل إلى التالي. هذا يُسبِّب تغيراً تطورياً غيرَ تكيفيّ.

الجغرافيا الحيوية: دراسة توزع النباتات والحيوانات على سطح الأرض.

الجزر القاريَّة: جزر_كجزر بريطانيا وجزيرة مدغشقر_كانت قديماً جزءً من القارات لكنها صارت منفصلة عنها بالانجراف القاري أو ارتفاع منسوب البحر.

الجزر المحيطية: جزيرة لم تكن قط متصلةً بقارة، بل_كجزر هاواي والجالاباجوس_كُوِّنَت بالبراكين أو قوى أخرى منتجةً أرضاً جديدة من تحت البحر.

الجنس: مجموعة سكانية مستقلة جغرافياً من النوع تختلف عن المجموعات السكانية الأخرى في واحدة أو أكثر من الصفات. يدعو علماء الأحياء الأجناسَ أحياناً بـ (الضروب البيئية) أو (الأنواع الفرعية).

الجين أو المورِّثة: قطعة من الحمض النووي الريبي منقوص الأكسوجين DNA تُتنِج بروتيناً أو مُنتَجَ حمض نووي ريبي RNA.

الجين الزائف: جين مُعطَّل لا يُنتِج منتَجاً بروتينياً.

الجينوم أو المَجين: المجموعة الجينية الكاملة لكائن (بكل أفراده)، مشتملة على كل جيناتهم وحمضهم النووي.

حواجز الانعزال التكاثري: السمات جينية الأساس لنوعٍ التي تمنعه من تكوين هجن خصيبة مع نوعٍ آخر، كالاختلافات في طقوس التودد التي تمنع التزاوج التهاجني.

رباعي الأرجل: حيوان فقاري ذو أربعة أطراف.
الرطل: وحدة للوزن تُستعمَل اليوم بشكل غالب في بريطانيا وأمركا وتساوي 453.592 جرام.

المتشابهان أو المقترنان: زوج من الصبغيات (الكروموسومات) يحتويان على نفس الجينات، رغم أنهما قد يكونان لهما أشكال مختلفة من هذه الجينات.

شفعيات الأصابع: مجموعة الثدييات التي لها عدد فردي من الأظلاف، كالجمال والخنازير.

شمابز: جمع عربي مقترح لكلمة شمبانزي.؟

الصفة الأثرية: صفة هي بقية تطورية لسمة كانت قديماً مفيدة في نوعٍ سلفيّ، لكنها لم تعد مفيدةً بنفس الطريقة. يمكن أن تكون الصفات الأثرية إما لاوظيفية (كجناحي الكيوي) أو منتَخَبة لاستعمالات جديدة (كجناحي النعام).

علم التصنيف: فرع من علم الأحياء التطوري يهتم بتمييز العلاقات التطورية بين الأنواع، وببناء الأشجار التطورية التي تُصوِّر تلك العلاقات.

تعبير الجين: عملية ظهور تأثير أو تأثيرات الجين أي إحداثه لها.

المُسْتَعرَض: المنطقة التي يتجمع فيها ذكور نوعٍ لأداء استعراضات التودد.

عاشبات: الحيوانات التي تتغذى على الأعشاب والنباتات.

قابلية التوارث: نسبة التباين المرئي في سمة والذي يُفسَّر بالتباين بين جينات الأفراد. ويتفاوت من صفر (كل التباين بسبب البيئة) إلى 1 (كل التباين بسبب الجينات)، تعطي قابلية التوارث فكرةً عن كيف تستجيب صفة بسهولة للانتخاب الطبيعي أو الاصطناعي. قابلية التوارث للطول عند البشر_كمثال_تتاراوح ما بين 0.6 إلى 0.85، بناءً على المجموعات السكانية المختبَرة.

الكوة البئية: مجموعة الظروف الفيزيائية والحيوية، بما في ذلك المناخ والطعام والمفترِسون والمفترَسون...إلخ، التي يواجهها نوعٌ معين في الطبيعة.
الملاءمة أو الصلاحية: في علم الأحياء التطوري، هو مصطلح فنيّ يدل على العدد النسبي للنسل المُنتَج من حاملي أليلٍ مقابلَ حاملي آخر. الأكثر نسلاً هم الأكثر صلاحيةً. لكن (الصلاحية) قد تُستعمَل أكثرَ للدلالة على مدى جودة تكيف كائن مع بيئته وأسلوب حياته.

لواحم: الحيوانات التي تتغذى على اللحوم.

الأمشاج: الخلايا التناسلية، بما فيها الحيوانات المنوية والبييضات الخاصة بالحيوانات، وحبوب اللقاح والبييضات للنباتات.

الانتخاب الطبيعي: التكاثر التفاضليّ غير العشوائيّ للأليلات من جيل إلى التالي. هذا يَنتُج عادةً من كون حاملي بعض الأليلات يكونون أفضل قدرةً على البقاء أحياء أو التكاثر في بيئاتهم عن حاملي الأليلات البديلة.

الانتخاب الجنسي: التكاثر التفاضلي غير العشوائي للأليلات التي تعطي لحامليها نجاحاً مختلفاً في الحصول على العشيرات. وهو أحد أشكال الانتخاب الطبيعي.

الانتخاب المُقِرّ (أو الموازن أو المرسِّخ أو المستقر): الانتخاب الطبيعي الذي يؤيِّد الأفراد "المتوسطين" في المجموعة السكانية عن الذين عند الحدود القصوى. أحد الأمثلة هو معدل البقاء الأعلى لحديثي الولادة من البشر الذين لهم وزن ولادةٍ متوسط عن الذين يولَدون أثقل أو أخف.

النوع: مجموعة من المجموعات السكانية الطبيعية المتزاوجة فيما بينها والمعزولة تكاثرياً عن المجموعات الأخرى. يُفضَّل هذا التعريف من قِبَل معظم علماء الأحياء، ويُعرَف أيضاً بـ (المفهوم علم الأحيائي للنوع).

الأنواع الأخوات: نوعان هما الأوثق صلة ببعضهما، أي أكثر صلة ببعضهما عن أي نوع آخر. البشر والشمابز مثيلٌ لهذا الزوج.

الاستنواع: نشأة المجموعات السكانية الجديدة المعزولة تكاثرياً عن المجموعات السكانية الأخرى.

الاستنواع الجغرافي: الاستنواع الذي يبدأ بالانعزال الجغرافي لمجموعتين سكانيتين أو أكثر، والتي بالتالي تطوِّر حواجز عزل تكاثري قائمةً على أساس جيني.

الاستنواع تعددي الصبغيات التبايني: نشأة نوع جديد من النبات بادئاً بتهجين نوعين مختلفين، متبوعاً بتضاعف عدد صبغيات الهجين.

الاستنواع ذاتي التعدد الصبغي: نشأة نوع جديد من النبات والذي يحدث عندما تُضاعَف المجموعة الكاملة من صبغيات نوع سلفيّ.

الاستنواع شاغل نفس المكان: الاستنواع الذي يحدث دون وجود أية حواجز جغرافية تعزل المجموعات السكانية فيزيائياً عن بعضها الآخر.

متوطِّن: صفة تدل على نوع مقتصر على منطقة معينة ولا يوجد في أي مكان آخر، كالبراقيش المتوطنة لجزر الجالاباجوس. يمكن أن تُستعمَل الكلمة أيضاً كاسم.

وقت المُلاحَظة Real Time: الوقت ما بين إدخال المعطيات والحصول على الحل، وتستخدم أكثر الأحيان في مجال الكمبيوتر، وقد اضطررت للتصرف في ترجمتي للمصطلح إلى العربية. 

0 comments: