Thursday, June 14, 2012

الاسلام والانغلاق اللاهوتي




لماذا أصبحت الأصولية الاسلامية المشكلة رقم واحد للعالم؟

بقلم: هاشم صالح
   
"الاسلام والانغلاق اللاهوتي" لهاشم صالح كتاب صدر مؤخّرا عن دار الطّليعة بالتّعاون مع رابطة العقلانيين العرب. وقد رأينا أن ننشر مقدّمة الكتاب من باب التّعريف به.
متى ينتهي قرن ويبتدئ قرن آخر؟ وهل تقاس القرون بعدد السنوات، أي بمائة سنة كلّ مرّة، أم أن هناك مقياساً آخر أكثر جدية؟ عموماً يتفق المؤرخون على القول بأنه ينبغي أن يحصل حدث هائل يفصل ما قبله عما بعده كي يبتدئ فعلاً عصر جديد في التاريخ. بهذا المعنى فإنّ القرن الثامن عشر ابتدأ عام 1670 وليس عام 1700 أو 1701 كما نعتقد عادة. لقد ابتدأ مع صدور أوّل كتاب مهمّ لسبينوزا "مقالة في اللاهوت والسياسة"(1)، وانتهى بالثورة الفرنسية عام 1789 وانتصار التنوير على النظام الأصولي القديم. هذا يعني أنه دام قرابة المائة والعشرين عاماً!… ولكنّ البعض الآخر من المؤرخين يقولون بأنه ابتدأ عام 1715 لأنّ التنوير لم ينتشر في الأوساط المثقفة فعلاً إلا بدءاً من ذلك التاريخ. صحيح أنّ سبينوزا وجّه ضربة موجعة للنظام اللاهوتي اليهودي- المسيحي بنشره لكتابه التفجيري أو التفكيكي المذكور. ولكنّه ظلّ ظاهرة معزولة في وقته، وكان يشتغل بشكل سرّي جدّا مع قلّة قليلة من المفكرين المعزولين الخائفين. ولم تخرج الظاهرة النقدية للدين إلى العلن ولم تسفر عن وجهها الحقيقيّ في وضح النهار ولم تتحوّل إلى تيّار شعبيّ إلا بعد عام 1715. وهكذا يصبح عصر التنوير قصيراً جداً لأنه لم يستمرّ أكثر من خمسة وسبعين عاماً لأنّه ينتهي بالثورة الفرنسية في كل الأحوال. ومعلوم أنّها كانت الترجمة السياسية له ولأفكاره على أرض الواقع. وإذن فكلّ شيء يعتمد على الزاوية التي ننظر منها إلى الأمور من أجل قراءة القرون أو قياسها. أمّا القرن التاسع عشر فكان طويلاً جدّاً بإجماع المؤرخين. فقد ابتدأ بعد الثورة الفرنسية مباشرة، ولم ينته إلا على أبواب الحرب العالمية الأولى 1914: أي أنّه طال أكثر من مائة وعشرين عاماً.
أمّا القرن العشرون فعلى العكس: لقد كان قصيراً إذ ابتدأ بعد الحرب العالمية الأولى وانتهى بسقوط الشيوعية وجدار برلين وحرب الخليج الثانية التي تلتها مباشرة (1914-1990). وهذا يعني أنه لم يدم أكثر من خمسة وسبعين عاماً. نستنتج من ذلك أنّ القرن الواحد والعشرين، أي قرننا الحالي، ابتدأ عام 1990 وليس عام 2000 أو 2001. ولكن المشكلة هي أنّ هذه السنة شهدت حدثاً جللا لا يقل أهمية عن سقوط الشيوعية وجدار برلين وحرب الخليج ألا وهو: تفجيرات 11 سبتمبر وحرب أفغانستان. فبأيّهما نؤرخ لهذا القرن إذن؟ أعتقد أنه يمكن أن نؤرخ له بهما معاً. وبالتالي فالقرن الحادي والعشرون ابتدأ مرتين: المرة الأولى مع سقوط الشيوعية وحرب الخليج التي تلتها مباشرة، والمرة الثانية مع أحداث 11 سبتمبر. وإن كنت أعتقد أنه ابتدأ بالفعل بعد 11 سبتمبر. فإذا كان سقوط الشيوعية قد أغلق القرن العشرين فإن 11 سبتمبر قد دشن القرن الحادي والعشرين. وفي كلّ مرة ابتدأ بحرب شبه عالمية. فصراع الحضارة الغربية إن لم نقل العالم كله مع صدام حسين والتصور الفاشي للقومية العربية، وصراعها حالياً مع أسامة بن لادن والتصور الظلامي والفاشي أيضا للأصولية الإسلامية ما هما إلا استمرارية لنفس البداية التدشينية. وعندئذ يصبح السؤال المطروح هو التالي: لماذا كنّا نحن، من بين كل شعوب الأرض، العقبة الكأداء في وجه انتشار الحضارة الحديثة؟ لماذا كان ينبغي أن يُدشَّن القرن الحادي والعشرون على أكتافنا أو أنقاضنا؟ لماذا لم تصطدم الحضارة الحديثة مع النطاقات الحضارية الأخرى بنفس الفرقعة والعنف: كالنطاق الهندوسي مثلاً، أو النطاق البوذي، أو النطاق الصيني الكونفوشيوسي، أو حتى النطاق الأرثوذكسي الروسي؟ أطرح هذه الأسئلة المتلاحقة ونحن ندخل هذا العام (2010)عقدا جديدا من القرن الحادي والعشرين.
طرح السؤال بهذه الطريقة يدل على أننا مهمون جدا ولو بشكل سلبيّ! فالمشاكسون تبقى لهم أهميتهم حتى ولو بالخطأ(2). وأنْ تتوقف أنفاس العالم كله بناء على حماقة هائلة نرتكبها(غزو الكويت، أو 11 سبتمبر) دليل على انحطاطنا أو انسدادنا التاريخي بدون شك، ولكنه أيضا دليل على أننا أصبحنا مشكلة العالم مرتين خلال عشر سنوات فقط. وحسم مصير العالم توقف، مرتين، بناء على قرار اتُّخذ حيالنا، أو ضدنا. ولكن يبقى السؤال مطروحاً: لماذا أصبحنا المشكلة رقم واحد بالنسبة للعالم كله؟ وما هو الشيء الذي يميزنا عن بقية أمم الأرض لكي نصبح العدو الذي يتجرأ على تحدي أكبر حضارة على وجه الأرض: قصدت الحضارة الغربية الحديثة؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يُطرح الآن. والإجابة عليه ينبغي أن تكون واضحة، صريحة، بدون لفّ أو دوران. وهذا ما سأفعله هنا مدركاً مدى مسؤولية، بل وخطورة الكلام في هذه اللحظة. سوف أقول ما يلي:
أظن أننا الحضارة الوحيدة على وجه الأرض التي تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة الإلهية المطلقة(3). لا ريب في أن الحضارات الأخرى تتمحور حول نفسها وتعتقد بمركزيتها وتحب ذاتها . هذا شيء طبيعي. الحضارة الصينية كانت تعتقد ذلك وتعتبر نفسها إمبراطورية الوسط. ولكن ولا واحدة منها تعتقد بأنها تمتلك الحقيقة الإلهية مثلنا، أو قل تحتكرها احتكارا كاملا ونهائيا لوحدها. وأقصد بذلك الحقيقة العمودية الشاقولية النازلة من فوق إلى تحت، أو من السماء إلى الأرض. وهذا الاعتقاد الذي ربما كان سبب فتوحاتنا وقوتنا وعظمتنا في الماضي أصبح الآن عالة علينا. بمعنى آخر: فان ما كان سبب قوتنا أصبح الآن سبب ضعفنا أو جمودنا او توقفنا عن التطور والنمو.
ضمن هذا المنظور تتخذ مشكلة الأصولية كل أبعادها وخطورتها. فالأصولية الإسلامية تمثل حالياً العدو الأكبر للحضارة الحديثة. إنها تمثل العدو المطلق بامتياز. وهي على أي حال لا تخفي ذلك، وإنما تعلنه على رؤوس الأشهاد في كل لحظة. فاحتقارها لقيم الحداثة أشهر من نار على علم. وإذا كانت تأخذ منها الجانب التكنولوجي أو التقني المحض فإنها تحرص أشد الحرص على ألا يكون "ملوثاً" بالجانب الفكري أو الفلسفي أو "الوثني" الخ.. ثم إنها تأخذه لكي تعكسه ضد الغرب أو لكي تواجهه به وتدمره به إذا استطاعت. معنى ذلك أن محاربة الغرب الذي يشكل مركز الحضارة الحديثة منذ أربعة قرون أصبحت غاية بحد ذاتها. لقد أصبحت هدفاً يتعالى على كل هدف بدلاً من محاولة الاستفادة منه ومن تقدمه كما تفعل الأمم الأكبر حجماً وأهمية منا نحن العرب: كالصين والهند مثلاً وقبلهما اليابان. لماذا أصبحت محاربة الغرب غاية لا وسيلة تنتهي بانتهاء مسبّباتها؟ لماذا أصبح الخطاب السياسي العربي مع استثناءات قليلة مجيَّشاً كله لمحاربة الحضارة الغربية(4)؟ بل ولماذا أصبح الخطاب الفكري العربي، وهنا أيضا مع استثناءات قليلة، مُحْتَكَراً من قبل القومويين العرب أو الأصوليين الإسلامويين؟
لماذا تحولت كل الخطابات التي نقرؤها في الجرائد والمجلات والتلفزيونات والمؤلفات إلى خطاب واحد جبار يهدر صاخباً من المحيط إلى الخليج بكره الغرب واحتقار الغرب؟ قد تختلف الأسماء التي توقع على هذه الخطابات وتتعدد إلى ما لانهاية ولكن المضمون يبقى واحداً والخطاب هو هو. وهل هذه الامتثالية الإجماعية المخيفة دليل صحة وعافية، أم علامة على المرض والانحطاط؟ ولماذا لا توجد أكثر من عشرة أسماء تمشي عكس التيار، أو تفكر بشكل مختلف، أو تخرج عن هذا الإجماع الجبار؟ لماذا تحولت معاندة الغرب إلى شيء مجاني، عدمي، انتحاري؟ لماذا تحولت إلى تدمير ذاتي للذات؟ أسئلة كثيرة تتلاحق وراء بعضها البعض…
أعتقد أن سبب هذا الإجماع لاهوتي عميق الجذور في تاريخنا. فمنذ أن كان الخليفة القادر بالله قد أعلن قبل حوالي الألف سنة –نعم ألف سنة !- أن دم المعتزلة مباح لأنهم يقولون بخلق القرآن، تعودنا على الفكر الواحد، والمذهب الواحد، والرأي الواحد(5). وتعودنا على قمع كل رأي مضاد أو مختلف. ومنذ أن كان الغزالي قد كفّر الفلاسفة وخاصة ابن سينا والفارابي أصبح التفسير العقلاني للدين كفراً ما بعده كفر…وهكذا حلت أرثوذكسية أحادية الجانب محل التعددية الفكرية الثرية التي سادت العصر الذهبي المجيد من عمر الحضارة العربية الإسلامية(6). لقد تعودنا على هذه الامتثالية الفكرية طيلة القرون التالية إلى درجة أن أي انحراف عن الخط العام، أو أي اختلاف في الفكر أصبح يعتبر زندقة، أو هرطقة، أو خيانة… والدليل على ذلك إجماع المثقفين العرب عام 1990على تأييد غزو الكويت واستباحة أهلها، ثم إجماعهم تقريباً عام 2001 على تأييد بن لادن وضربة 11 سبتمبر ! من يصدق ذلك؟ من يستطيع تصديق ذلك؟ وإلى أي منحدر انحطت هذه الأمة لكي تتخذ نخبتها المثقفة مثل هذه المواقف؟ وكيف غابت الرؤيا أو ضلَّت إلى مثل هذا الحد؟ في تاريخ الغرب، كل المفكرين الذين ظهروا، كانوا يضيئون للأمة الطريق، كانوا يهدونها إلى درب الحقيقة. كانوا يرون الأشياء قبل أن تُرى. كانوا يستشعرون المستقبل ويستكشفون آفاته عن طريق "الرادار الفلسفي" الكشاف. أما في عصرنا الراهن فقد أصبح "كبار المثقفين العرب" أو من يدعونهم كذلك مضللين للبشر أو يسبقونهم إلى الخطأ والغوغائية أو يلهثون وراء الشارع العربي والشعبوية الأصولية والقومجية بدلاً من أن يعارضوا كل ذلك ويفتحوا لنا الطريق… مصيبة حالة هذه الأمة ومأساة حقاً. فإذا كان مفكروها لا يرون إلى أبعد من أنفهم، فما بالك بعامة البشر !
يبقى السؤال مطروحاً: لماذا كل هذا الكره للحضارة الغربية الحديثة؟ ولماذا لا نجده في أي نطاق عالمي آخر؟ لا ريب في أنه توجد في الصين أصولية كونفوشيوسية أو تراثية لا تحبذ الانفتاح كثيراً على الحداثة بل وتحذر من هجمة الأفكار الغربية مثلما تفعل أصوليتنا… وقل الأمر ذاته عن الأصولية الهندوسية أو اليابانية أو السلافية الروسية الأرثوذكسية(7)، الخ… ولكن يبقى التيار العام منفتحاً على التفاعل الحضاري ولا يعاني من أية عقدة في الأخذ عن الغرب أو الاستفادة من إنجازاته الحضارية. فالحضارة تؤخذ حيث وجدت، واطلبوا العلم ولو في الصين… أعتقد أن مزعم أصوليتنا في امتلاك الحقيقة الإلهية المطلقة يشكل العقبة الكأداء التي تحول بيننا وبين الانفتاح على الحداثة أو التفاعل معها كما ينبغي. نحن ضحية أنفسنا قبل أي شيء آخر، نحن ضحية الحقيقة المطلقة النهائية التي نتوهم امتلاكها. فمن يمتلك الحقيقة المطلقة والنهائية ليس بحاجة إلى أن يأخذ عن الآخرين. من يمتلك الحقيقة الإلهية لا يأخذ عمن يمتلكون الحقيقة البشرية فقط. بل إن على الآخرين أن ينضموا إليه ويعتنقوا عقيدته . من ختم العلم ليس بحاجة إلى المزيد من العلم أو إلى البحث والاستكشاف والتقدم! ما دام هذا اليقين سارياً فينا بشكل واع أو لا واع، وبالأخص لا واع، فإنه يستحيل علينا أن نقوم بالمهمتين الأساسيتين التاليتين:
أولا: الحفر الأركيولوجي في الأعماق بحثاً عن جذور عقائدنا ويقينياتنا التي تحجرت وتجمدت وتكلست إلى درجة أنها أصبحت تبدو وكأنها فوق الواقع وفوق التاريخ كليا. وهكذا تحولت إلى حجر عثرة تحول بيننا وبين الانطلاقة الجديدة التي تؤدي لاحقا إلى معانقة العصر، أو التصالح مع العصر.
وثانيا: التخلي عن عنجهيتنا الفارغة التي توهمنا بأننا مركز العالم، في حين أننا لم نعد حتى على هامشه ! هذه العملية مؤلمة وقاسية وجارحة للنرجسية الذاتية، ولذا فلن يكون من السهل على الشخصية العربية أو الإسلامية أن تتحرر من استلابها وأوهامها المزمنة في السنوات القادمة. سوف يكون الاستيقاظ مزعجاً حقاً إذا ما حصل، ولكنه سوف يحصل بإذن الله يوماً ما. عندئذ سوف نصحو على تاريخنا، على تراثنا، وسوف نراه بعيون جديدة وكأننا نراه لأول مرة !!.. عندئذ سوف نشعر وكأننا نولد من جديد، وكأننا نُبْعث من مرقدنا كما بُعث أهل الكهف ! الفرق الوحيد هو أنهم ناموا فقط ثلاثمائة سنة ونيف، هذا في حين أننا نمنا على التاريخ، على الفعل الحضاري أكثر من ثمانمائة سنة (منذ هزيمة الفكر الفلسفي في الساحة الإسلامية وانتصار الفكر الأصولي الضيق…أو منذ انتصار كتاب الغزالي: تهافت الفلاسفة ،على كتاب ابن رشد: تهافت التهافت). وبالتالي فاستيقاظنا سوف يكون أصعب من استيقاظ أهل الكهف وأكثر مرارة.. ولكن كم من الضربات على الرأس تلزمنا لكي نستيقظ على التاريخ، لكي نصحو على الحقيقة ؟ ! ألا تكفينا ضربة حرب الخليج، ثم ضربة ابن لادن الأخيرة ثم قبلهما هزيمة 5 حزيران 67؟ أما آن الأوان لكي نطرح السؤال الأول على تراثنا، على هويتنا، على أصوليتنا؟ أما آن الأوان لكي ننخرط في قراءة علمية وتاريخية لتراثنا الديني والعقائدي بدءاً من ظهور الإسلام وحتى اليوم، بدءا من بسم الله الرحمن الرحيم وحتى آخر خطبة لآخر شيخ؟ أما آن لنا أن ننخرط في عملية الحفر الاركيولوجي في الأعماق(8) لكي نصل إلى أس المرض والداء العضال؟ وهل يمكن أن نتوصل إلى برّ الأمان إذا ما عاندنا حركة التاريخ ورفضنا القيام بهذه العملية الجراحية الخطيرة. آخر الدواء الكيّ كما تقول العرب. وقد آن أوان الكيّ وإعمال المبضع الجراح في أعماقنا فقد استفحلت أمورنا وتفاقمت إلى درجة أنه لم يعد هناك من طريق آخر. إني أرى أمامنا مرحلة هائلة تنفتح: أرى بداياتها ولا أرى نهاياتها. ولكني أشعر بأنها تفتح فمها وتدعونا للانخراط فيها. إنها مغامرة في المجهول، مجهول الكشف، والتحدي، والغوص في أعماق الذات. لقد عشنا طيلة القرن الماضي على فكرة الجهاد ضد الآخر، ضد الخارج. ونسينا أن الجهاد الأكبر هو ضد الذات !
في بداية هذا الحديث قلت بأن كتاب سبينوزا عن "اللاهوت والسياسة" يمكن أن يعتبر كبداية لقرن بأكمله. ووضعته على قدم المساواة مع حدث تاريخي ضخم كالثورة الفرنسية. وربما استغرب بعضهم ذلك واعتبره من قبيل التضخيم والمبالغة. ولا ريب في أني بالغت إلى حد ما. ولكن يخطئ من يظن أن الحدث الفكري يقل أهمية عن الحدث السياسي. فلولا هذا لما كان ذاك. لولا كتاب سبينوزا وكتب فولتير ومونتسكيو وروسو والموسوعيين وسواهم لما كانت الثورة الفرنسية. لولا التغيير الفكري لما كان التغيير السياسي. لولا الفكر العملاق، العبقري، المضيء، الذي يشق دياجير الظلام لما اهتدت البشرية الأوروبية إلى طريق الخلاص ولما أمسكت بأول الخيط الذي يؤدي الى النور.. لولا الثورة الفكرية التي زلزلت اليقينيات والمعتقدات والمعصوميات التراثية المسيحية لما كانت الثورة السياسية التي كنست كل تراكمات الماضي وجسدت روح العصور الحديثة على ارض الواقع وفي المؤسسات. وأنا لا أزال أنتظر ظهور حدث فكري في الساحة الإسلامية أو العربية يشبه ذلك الحدث الصاعق الذي مثَّله ظهور كتاب ديكارت مقال في المنهج عام 1637، أو كتاب تلميذه سبينوزا عن اللاهوت السياسي عام 1670، أو كتاب فولتير رسائل فلسفية عام 1732، أو كتاب روسو العقد الاجتماعي عام 1762 أو كتابه الآخر إميل أو في التربية في نفس العام، أو كتاب كانط نقد العقل الخالص عام 1781، أو كتاب هيغل علم تجليات الفكر والروح عام 1806 الخ… أنتظر ظهور كلام آخر عن التراث الإسلامي غير ذلك الكلام الامتثالي الشائع المجتر المكرور الذي يهيمن علينا منذ مئات السنين في المدارس والجوامع والجامعات، والذي يسدّ الأفق منذ مئات السنين. أنتظر ظهوره بفارغ الصبر… فقد مللنا من لغة التكرار والاجترار المحنطة والمتكلسة. أنتظر ظهور المفكرين الأحرار القادرين على تحليل مشكلة التراث أو تشخيص مرض التراث(9). أنتظر ظهور كتاب في اللغة العربية –كتاب واحد- له معنى: أي يعرف كيف يطبق المناهج الحديثة على تراثنا الإسلامي العريق. وعندئذ سأقول بأن الخطوة الأولى ابتدأت، والظهور اقترب!.. وكالعطشان في الصحراء، صحراء الفكر، أنتظر تطبيق المناهج اللغوية والتاريخية والسوسيولوجية على النصوص المقدسة لكي تتوضح العلاقة بين السماء والأرض، لكي تنجلي على حقيقتها، لكي ينكشف عن الأشياء غطاؤها.
ذكريات شخصية
أو كيف يختلط الخاص بالعام؟
أخيرا لا بد من بعض الاعترافات لموضعة الكتاب ضمن سياق حياتي وهمومي الشخصية(10). في الواقع إن فكرته تعود إلى سنوات طويلة. يمكن القول بأنها ترافقني منذ البدايات الأولى: أي حتى قبل أن أصل إلى فرنسا في 8/10/1976. صحيح أن الخميني لم يكن قد وصل إلى السلطة آنذاك، بل ولم أكن قد سمعت باسمه من قبل قط . ولكن زئير الحركات الأصولية كان قد ابتدأ يُسمع من هنا او من هناك ومن كل مكان. وكانت الأزمة قد اندلعت بين الإخوان المسلمين والأنظمة وأصبح شبح الحرب الأهلية يخيم على البلاد. وكانت الاغتيالات باسم الدين قد ابتدأت تحصل في مصر وسوريا والسودان وسواها من البلدان وتحصد عشرات المثقفين والصحفيين والكوادر العلمية والجامعية وحتى الأطباء والمهندسين.. وكالعادة راح المثقفون اليساريون او من يدعون كذلك يؤيدونها أو يغضون الطرف عنها بحجة معارضة الأنظمة القائمة والالتصاق بالشعب! فهل تريد ان تكون ضد الشعب؟ الشعب مع الإخوان والأصوليين وبالتالي فنحن معهم أيضا(11)..ولتذهب إلى الجحيم كل الأفكار التقدمية واليسارية السطحية الهشة التي سرعان ما تبخرت من أول مواجهة(12). ثم كرت الأعوام والسنوات. وفي أحد الأيام كنت أقضي العطلة الصيفية في مدينة الصويرة المغربية المستلقية بكل استرخاء وطمأنينة على شواطئ البحر مع أسماء وعائلتها فحصلت لي حكاية طريفة أيقظتني من سباتي العميق. ففي كل صباح تقريبا كنت أنزل إلى "مخدع" الانترنيت لكي أستشير رسائلي الاليكترونية وأطلع على الصحف العربية كعادتي. وانه لشيء جميل أن تجد في شوارع المغرب تقريبا حوانيت الانترنيت التي تدعى باسم يثير فيّ دائما روح الدعابة والابتسامة: المخدع، مخدع الهاتف أو مخدع الانترنيت..عادة المخدع هو المكان الوثير المخصص للاختلاء بالعشيقة وليس للاتصالات الهاتفية! ولكن لم لا؟ لقد أحببت الاستخدام المغربي لهذه الكلمة وتعلقت به وان كان قد فاجئني للوهلة الأولى. في كل شارع كنت أجد مخدعا وأبتسم وأضحك بيني وبين نفسي. يكفي أنها أضحكتني. شكرا للمخادع.. ولم أعد أستغرب كيف أن الحساسية اللغوية المغربية لا تجد حرجا في إطلاقها على أشياء أخرى مختلفة تماما عما نفعله نحن المشارقة. لم لا؟
المهم ان تبقى هذه الكلمة الجميلة حية في أقصى المغرب الجميل. وقد حصلت صداقة بيني وبين الشاب المشرف على المخدع المذكور وجرت أحاديث فهمت منها أنه خريج كلية الفلسفة.وكان مهذبا جدا على عادة المغاربة ومحترما. فعمقنا الحديث أكثر. وفي أحد الأيام سألته بشكل طبيعي دون أن أدرك مدى التهور في سؤالي بسبب إقامتي المتواصلة في أوروبا منذ أكثر من ثلاثين سنة: من هم أهم المثقفين الذين ينتقدون الدين أو يدرسونه دراسة فلسفية نقدية في المغرب؟ ففتح عينيه واسعا ونظر إليّ نظرة اندهاش واستنكار أخافتني تقريبا. قال لي: ينتقدون الدين؟ كيف ينتقدون الدين؟ الدين لا يُنقد؟ القرآن والسنة فوق النقد. أدركت خطئي وتهوّري فتراجعت فورا وقلت له: لم أقصد الهجوم على الدين وإنما فقط دراسة التراث بشكل علمي وتاريخي وفلسفي. ثم غيرت الحديث بعد أن عرفت أني تجاوزت الحدود وكل الخطوط الحمر. عندئذ تذكرت أني لم أعد في فرنسا أو أوروبا وأنه ينبغي عليّ أن أراقب نفسي عندما أفتح فمي وأخوض في مواضيع حساسة كالدين في أي بلد عربي أو إسلامي. وتذكرت طفولتي وبيئتي الأولى التي كنت قد نسيتها من شدة البعد وطول الاغتراب. فما يمكن أن يقال على هذه الضفة الشمالية أو الغربية من المتوسط لا يمكن أن يقال على ضفته الجنوبية الشرقية. عندئذ عرفت معنى التواجد في أوروبا أو في فرنسا تحديدا: أي في بلد علماني محرر كليا من رهبة الأصولية الدينية وإرهابها: بلد يسمح لك بممارسة الحرية النقدية الكاملة على الدين المسيحي دون أن يقلقك احد ودون أن تخشى على نفسك من أي مكروه. فهنا تستطيع أن تنتقد العقائد المسيحية كما تشاء وتشتهي بل وان تنكر حتى وجود المسيح تاريخيا دون ان يصيبك أي مكروه.
لكن يمكن القول أيضا بأن فكرة هذا الكتاب ترافقني أيضا منذ اندلاع أحداث العنف الرهيبة في سوريا الثمانينات أو جزائر التسعينات الخ..وصعود الموجة الأصولية الهادرة..لا ريب في أني أبحث عن حل للمشكلة الطائفية التي تمنع حتى الآن تشكل الوحدة الوطنية بل وتهدد الجميع بحرب أهلية لا تبقي ولا تذر.. وهي مشكلة موجودة لدى كل الطوائف أقلية كانت أم أكثرية. ولا يمكن أن يحصل الاستقرار، وبالتالي النهوض والعمران، إلا بعد إيجاد حل معقول لها. إنها بدون شك أكبر مشكلة مطروحة علينا في السنوات القادمة(13).
ولكن يمكن القول بان فكرة هذا الكتاب ترافقني منذ الطفولة الأولى بشكل من الأشكال إذا ما أردت أن أعود إلى أعمق نقطة في حياتي. فمسألة الدين مسألة شخصية بالنسبة لي قبل أن تتحول إلى مسألة عامة ويختلط فيها الخاص بالعام، الحابل بالنابل، حتى لا تعود تعرف كيف تفرق هذا عن ذاك.
لا ريب في أن بحوثي عن الدين وكذلك ترجماتي لصاحب "نقد العقل الإسلامي" وكتاباتي عن التنوير الأوروبي ما هي إلا عبارة عن تحليل نفسي للطفولة الأولى(14). فبما أني تربيت تربية دينية قرآنية صارمة، بل وحتى تربية متزمتة شبه إرهابية، فاني أشعر بالحاجة إلى التحرر منها بأي شكل. وهذا التحرر لا يمكن أن يتحقق إلا بعد أن أخوض المعركة مع نفسي وأعماق أعماقي الثقافية والسيكولوجية. اللاهوت الديني يسحرني بقدر ما يرعبني. كل أعماقي دينية لاهوتية لان طفولتي كلها كانت مغموسة بالدين وطمأنينته وجلالته وقدسيته. ولكن بعد أن كبرت عرفت أن الدين أديان أو مذاهب وطوائف وانه بقدر ما يزرع الثقة والطمأنينة والأخلاق الحميدة في النفوس يمكن أن يزرع بذور العنف والشقاق وكره الآخر والحروب المذهبية. بمعنى آخر فانه سلاح ذو حدين. ولذلك وجب علي ان أحيّد الشحنات اللاهوتية الكامنة في أعماقي والتربية القروسطية والفهم المرعب للدين. هنا تكمن إحدى مشاكلي الأساسية. من هنا تركيزي على مفكري عصر النهضة والتنوير الأوروبي الذين أتعلق بهم وبأفكارهم وطروحاتهم كخشبة خلاص تنقذني من الظلام اللاهوتي المرعب الذي يلف طفولتي ويلف العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه أيضا في هذه اللحظة. فعند هؤلاء المفكرين النهضويين أو التنويريين أجد ضالتي: أجد نفسي، بهجتي، أفقي المنفتح. بهم أستعين لكي أزيح الكابوس الأخطبوطي المرعب عن حياتي ووجودي(15)..
قد يقول قائل مستغربا: انك تتحدث عن القمع الديني وكأنك ولدت في بيئة حنبلية وهابية، هذا في حين انك ولدت في بيئة علوية شيعية لا تتقيد بالطقوس والشعائر كثيرا؟ وللإجابة على هذا الاعتراض المشروع أقول: لا أعتقد أن هناك فرقا كبيرا بين المذاهب، ولا حتى بين الأديان، على الصعيد الذي أقصده. فالمنظور القروسطي الظلامي للدين يهيمن على كل فرق السنة والشيعة دون استثناء. التخويف من النار وعذاب القبر ومنكر ونكير وكره الحياة الدنيا والشعور بالإثم والخطيئة والذنب وكل الرعب الذي يلف الدين موجود لدى كل الطوائف والمذاهب(16). نحن جميعا غاطسون في غياهب العصور الوسطى(17). يكفي أن تذهب إلى مجتمعات الغرب وتعيش فيها لفترة طويلة نسبيا لكي تدرك الفرق بيننا وبينهم ولكي تحسدهم على أنهم تحرروا من كل ذلك المناخ السوداوي القاتم. بمعنى آخر فان الفهم القروسطي القمعي للدين هو السائد عندنا وليس الفهم الحديث الذي نراه لدى المسيحيين الليبراليين في أوروبا مثلا. لهذا السبب ينبغي التفريق بين أوروبا التي عاشت معركة التنوير وعانتها ونجحت في عبورها، وبين العالم العربي أو الإسلامي الذي لم يدخلها او لم يخضها بعد ولكنه أصبح على أبوابها أو هذا ما نأمله. هذه مسألة ابيستمولوجية، أي معرفية عميقة، شديدة الأهمية. ولهذا السبب توقفت طويلا في الماضي عند مفهوم القطيعة الابيستمولوجية بل وكرست لها كتابا كاملا(18). هناك قطيعة كبرى بين العصور الوسطى، والعصور الحديثة. والفكر العربي لم يعبرها أو لم يقطعها بعد على عكس الفكر الأوروبي. ربما كنا قد أصبحنا الآن على مشارفها: أي على مشارف الدخول فيها دون أن نتجرأ على اقتحامها. لن يعرف معنى الحرية، حرية الروح في أعماق أعماقها، إلا من أتيح له أن يعيش في بلد علماني محرر كليا من لا هوت القرون الوسطى وفقهها وأحكامها المسبقة من طائفية ومذهبية. ولكن المشكلة هو ان عبورها سوف يكلفنا تضحيات جسام: كل المفهوم القروسطي للدين سوف ينهار. كل التراث الموروث عن القرون الوسطى سوف نجد أنفسنا مضطرين لتفكيكه حجرة، حجرة، وقطعة، قطعة، ثم الإطاحة به. عشرات أو مئات الأفكار الراسخة واليقينيات المعصومة سوف تنهار كقصر من كرتون. وبانهيارها سوف تنهار حياتنا نفسها: أي كل ما تربينا عليه منذ طفولتنا ونعومة أظفارنا. حقا لقد حان زمن التفكيك والتكنيس والتعزيل الكبير..ولكن التعليم في الصغر كالنقش في الحجر. وبالتالي فليس من السهل أن نقتلع كل هذه الأفكار الخاطئة واليقينيات الجبارة من عقولنا(19).
ثم أصبحت مشكلة الإسلام الشغل الشاغل للعالم بعد 11 سبتمبر كما هو معلوم. وعندئذ شعرت بان المشكلة الشخصية كبرت وتضخمت حتى لأصبحت بحجم العالم. لقد تجاوزت نطاق العالم العربي بل وحتى الإسلامي لكي تصل إلى تخوم العالم كله. أو قل إن الإسلام تحول إلى مشكلة عالمية بعد ذلك التاريخ بعد أن كان مشكلة محلية. وأعترف بان ذلك قد سرني كل السرور وحررني داخليا من همي ووسواسي. وقد تستغربون قائلين: هذا الشخص لا يتحرر إلا عن طريق الكوارث والنكبات! هل ينبغي أن يحصل زلزال أو إعصار لكي تنحل مشكلته؟ والواقع أن فلسفة التاريخ التي أتبناها تقول بان هناك مشاكل ضخمة نائمة لا يمكن أن تستيقظ إلا على هيئة التفجيرات الكبرى. بمعنى آخر: لا يمكن ان ندرك خطورتها إلا بعد أن تنفجر في وجوهنا أو أمام أعيننا كالقنبلة الموقوتة. أنا شخصيا كنت أدرك أن المشكلة الأصولية من الخطورة بمكان ولن تنحل بدون فرقعة كبرى. وهكذا جاءت ضربة 11 سبتمبر لكي تؤكد على حدسي الأساسي الذي كنت أحمله معي من سوريا حتى قبل الوصول إلى فرنسا. ولهذا السبب فلم أفعل شيئا آخر تقريبا إلا الدوران حول هذه المشكلة لمعرفة سرها وجوهرها المكنون. كل ترجماتي وكتاباتي تشهد على ذلك. كنت أبحث عن الحلقة المفقودة الضائعة. أقصد بذلك أني كنت أبحث عن كيفية تقاطع الخاص بالعام، أو المشكلة الشخصية بالمشكلة العربية فالعالمية. وعندما تجد نقطة التقاطع هذه فانك تشعر بالارتياح لان مشكلتك لم تعد شخصية وإنما أصبحت شاملة بحجم العالم. تشعر بان مشكلتك حقيقية وليست وهمية وان العالم كله أصبح معنيا بحلها وليس أنت فقط. وهكذا ينزاح عن كاهلك عبء ثقيل وكابوس تاريخي طويل(20). ليتحمل العالم مسؤوليته أيضا فأنا عاجز عن حل هذه المشكلة لوحدي. وبعد اليوم لم أعد وحدي. عندئذ تشعر بان مشكلتك لها ما يبررها تاريخيا وموضوعيا على أرض الواقع، بل إنها مشكلة العصر كله ولم تعد مشكلة شخصية. عندئذ تشعر بأن حدسك الأولي لم يكن خاطئا عندما اعتقدت بان مشكلة الدين بالنسبة للعالم العربي هي المشكلة الأولى رقم واحد ولا شيء غيرها. هذا لا يعني بالطبع أن الحركات الأصولية لم تكن تشغل بال النخب العربية سابقا أو أنّي كنت أول من أنتبه إليها! هذا هراء وسخف بالطبع. فأنا تلميذ صغير لمن سبقوني من كبار النهضويين والمثقفين العرب الرائدين. ولكني أعتقد أن إحساسي بها بسبب تربيتي الأولى وظروف أخرى أيضا كان حادا إلى درجة هائلة بل واستثنائية. هل أبالغ إذا قلت بأنها كانت تلاحقني ليلا نهارا فقط؟ الوعاء ينضح بما فيه. وأنا كنت مفعما بالتربية القديمة والتصورات التراثية. وكنت أبحث عن شيء واحد فقط حتى قبل وصولي إلى فرنسا: كيف يمكن أن أتحرر منها، أن أنزلها عن ظهري، أن أتنفس الصعداء ولو قليلا(21). وكنت أستغرب كيف لا ينشغل بها الجميع ويدركون تفاعلاتها المتلاحقة وما تنطوي عليه من أخطار تفجيرية. بل وكنت أقول بيني وبين نفسي: كل مثقف عربي غير مهووس بمشكلة الأصولية أو بمشكلة الدين ليس مثقفا(22). إنها المشكلة رقم واحد لعصرنا بل وحتى للعصور والأجيال المقبلة. كنت أشعر ولا أزال بأنها صاعدة من أعماق أعماق التاريخ العربي ولم تقل كلمتها الأخيرة بعد. لا ريب في أن النخب العربية بل وحتى الغربية من قادة ثقافيين وسياسيين كانت تشعر بها وتحسب لها الحساب. فالواقع أن انفجارها العنيف في الجزائر ومصر وسوريا والسودان وتونس وإيران والباكستان وكل أنحاء العالم العربي الإسلامي كان مقلقا ومنذرا بالأعاصير والزلازل. ولكنها لم تكن هاجسا قويا يحتل مرتبة الأولوية القصوى بالنسبة لهذه النخب أو بالنسبة للقوى العظمى مثلما حصل بعد تلك الضربة الشهيرة صبيحة 11 سبتمبر والتي تشبه يوم القيامة في رأيي إذا كنا نعرف كيف ما هو يوم القيامة بطبيعة الحال..ولكن البعض وأنا منهم رأى في ذلك الحدث العلامة التي لا تخطئ على أن حركة التاريخ ابتدأت تتحلحل في الاتجاه الصحيح وأن الأمور بعده لن تعود كما كانت قبله. بمعنى آخر فان هذا الحدث كان مليئا بالدلالة والمغزى على التوجه الذي سوف ينتهجه التاريخ العربي الإسلامي في العقود المقبلة من السنين. ولهذا السبب رأى الكثيرون أن ضربة 11 سبتمبر سرّعت من حركة التاريخ العربي أو الإسلامي إلى أقصى حد ممكن بل وكانت ضرورية لكي يستشعر العالم مدى خطورة الأصولية الإسلامية على الشعوب الإسلامية أولا ثم على العالم كله ثانيا. هل كان إحساسي الحاد بمشكلة الأصولية منذ السبعينات يصل إلى حد الاستباق الغامض على كل هذه التفاعلات المتلاحقة التي توجت ب 11 سبتمبر؟ أخشى أن أجيب بالإيجاب لكيلا أتهم بالادعاء والغرور وانعدام أي حس للتواضع لدي..لنقل إني كنت أشعر بان القصة لا تزال في بداياتها وان مشكلة الأصولية سوف تستفحل وتستفحل حتى تصل إلى الذروة، إلى نهاياتها. أقصد بأنها لن تتوقف قبل أن تقذف بكل الحمم والتراكمات المخزونة في أحشاء أحشائها..وهو ما لا يزال حاصلا حتى هذه اللحظة.
قبل أن أواصل حديثي حول هذه النقطة أحب أن أقدم لمحة فلسفية عامة عن الهوة السحيقة التي تفصل بين الفكر العربي والفكر الأوروبي فيما يخص مسألة الدين والحرية الفكرية. فاندهاش ذلك الشاب المغربي اللطيف والمهذب من سؤالي أو استهجانه له لا يمكن فهم كل مدلولاته وملابساته العميقة إلا إذا موضعنا الأمور ضمن منظور تاريخي مقارن وواسع. السؤال المطروح هنا هو التالي: لماذا يحق لك أن تنقد الدين المسيحي في أوروبا وتصول وتجول في كل القضايا الدينية دون أن يزعجك أحد(23)؟ ولماذا لا تستطيع أن تفعل نفس الشيء في أي بلد عربي أو إسلامي؟ لماذا لا يستطيع أي مثقف حديث أن يواجه أي رجل دين على شاشات التلفزيون؟ لماذا تستحيل المناقشات الحرة حول الدين أو العقائد الدينية في أي مكان عندنا وعلى أي مستوى كان؟ لماذا لا يوجد إلا ذلك الخطاب السلفي التقليدي المهيمن الجبار عن الدين من أقصى العالم الإسلامي الى أقصاه؟ لان المحطات الكبرى التي قطعها الفكر الأوروبي منذ عصر النهضة وحتى اليوم لم تخطر حتى هذه اللحظة على بال الفكر العربي. لأننا لم نهضم بعد نفس التجارب الفكرية والسياسية التي شهدوها. لأننا لم نشهد بعد معركة الذات مع ذاتها، أو اشتغال الذات على ذاتها، كما حصل في فرنسا مثلا أو كل أوروبا. من هنا فرادة التجربة الأوروبية وأكاد أقول "معجزة" هذه التجربة واستثنائيتها بالقياس إلى كل النطاقات التراثية أو الثقافية الأخرى.. إنها تعني بكل بساطة شيئا واحدا: الانتصار على الذات! لكي أعطي فكرة دقيقة عن الموضوع سوف أستعين بمفكر فرنسي معاصر هو لوك فيري كان قد درس بشكل ممتاز كل الفتوحات التي حققها الفكر في أوروبا على مدار الأربعمائة سنة الماضية بل وحتى على مسافة ألفين وخمسمائة سنة وحتى اليوم: أي منذ اليونان وحتى يومنا هذا. وميز عندئذ بين عدة محطات أساسية: أولا المحطة اليونانية الفلسفية الوثنية المستمرة منذ سقراط وأفلاطون وأرسطو وحتى انتصار المسيحية. ثم المحطة المسيحية القروسطية المستمرة مدة ألف سنة منذ القرن الخامس الميلادي وحتى الخامس عشر. وبعدئذ ابتدأت المحطة الكبرى للعصور الحديثة والخروج من التدريجي من المسيحية بدءا من عصر النهضة وحتى نهايات عصر التنوير والثورة الفرنسية. وفي أثناء هذه العصور الحديثة حلت الأنظمة الفلسفية الكبرى لديكارت وسبينوزا وكانط وهيغل واوغست كونت وسواهم محل اللاهوت المسيحي الذي تم تفكيكه من قبل فلاسفة التنوير بالذات. ولكن بدءا من نيتشه دخلنا في مرحلة جديدة هي مرحلة ما بعد الحداثة: أي المرحلة التي شهدنا أثناءها تفكيك هذه الأنظمة الفلسفية الشمولية الكبرى بالذات.
وهكذا عاش الغرب تفكيكين كبيرين لا تفكيكا واحدا: الأول ضد المسيحية والثاني ضد الفلسفة الكلاسيكية. واستمرت عملية التفكيك هذه على يد هيدغر وتلامذته الفرنسيين من أمثال فوكو ودريدا وجيل ديلوز الخ..هكذا نلاحظ ان الفكر الأوروبي شهد عملية التفكيك الكبير، أي التحرير الكبير مرتين: في المرة الأولى حصل تفكيك للعقائد اللاهوتية المسيحية، وفي المرة الثانية حصل تفكيك للأنظمة الفلسفية الكبرى التي حلت محلها. هذا في حين ان الفكر العربي الإسلامي لم يشهد بعد تفكيكه الأول: أقصد لم يتجرأ بعد على تفكيك اللاهوت والمعتقدات الإسلامية المتراكمة منذ أربعة عشرة قرنا على الأقلّ. إذا لم نموضع الأمور ضمن هذا المنظور الطويل العريض فإننا لن نفهم سبب الصدام المروع الحاصل حاليا بين العالم الإسلامي والغرب. بل ولن نفهم موقعنا على خارطة العالم ونوعية المشاكل التي نعاني منها. وبالتالي فسوف نفشل في التشخيص والعلاج في آن معا. ينبغي إذن أن نأخذ تلك الفجوة العميقة بيننا وبينهم بعين الاعتبار. لإيضاح كل هذه الإشكاليات سوف أبتدئ بتقديم فكرة عن التفكيك الذي شهده الفكر الأوروبي عدة مرات على مدار القرون الثلاثة الماضية، وذلك قبل أن أنتقل إلى التفكيك الأول الذي سوف يشهده الفكر العربي الإسلامي عما قريب. بل وابتدأ يشهده منذ فترة على يد مفكرين طليعيين عرب وأجانب.
لكن ومنعا لكل التباس لابد من كلمة أخيرة قبل الشروع في ذلك. غني عن القول بان اللاهوت المقصود بالتفكيك هنا هو لاهوت القرون الوسطى وليس اللاهوت في المطلق. فمن الواضح انه ليست لدي أي مشكلة مع لاهوت التحرير الذي ظهر في أميركا اللاتينية ولا بالطبع مع لاهوت الحداثة أو ما بعد الحداثة المنتشر الآن في أوروبا. اللاهوت المستهدف بالتفكيك والنقد هو اللاهوت الطائفي الموروث عن عصور الانحطاط والذي يقدم نفسه كحقيقة مطلقة لا تناقش ولا ترد. هذا اللاهوت، أو قل هذا التفسير المتكلس والمتحنط للدين، هو الذي يهيمن على مدارسنا وحياتنا وجامعاتنا. وقد آن الأوان للتصدي له. لكن ما هو اللاهوت يا ترى؟ هل هو شيء مادي محسوس؟ لا. انه قوة "لامادية" ولكنه قد يتحول أحيانا إلى قوة مادية مرعبة، جبارة. انظر كيف هيج الخميني الشارع بالملايين عن طريق هذا اللاهوت بالذات بكل مصطلحاته وشعاراته التراثية المعروفة. اللاهوت هو المقدس الأعلى، والمقدس قوة تخترق التاريخ وتؤثر عليه إيجابا أو سلبا. اللاهوت هو علم الله أو علم الدين. وهو علم متطور وليس جامدا ولا ثابتا على عكس ما نظن. وقد مر بعدة مراحل كما سنرى من خلال استعراض نظريات عالم اللاهوت المسيحي: هانز كونغ. وبالتالي فليكفوا عن اتهامي باني ضد الدين أو أريد تدمير الدين! لا، أنا لا أريد تدمير الدين في المطلق لاني أحترم العاطفة الدينية وأعرف معناها وسموها وتعاليها وأنحني أمامها. ولكني بدون شك أريد تدمير اللاهوت الطائفي الذي سبب المجازر المرعبة سواء في تاريخ المسيحية أو في تاريخ الإسلام. بمعنى آخر: فان لاهوت "القاعدة" وما أشبهها أصبح مستهدفا، وعلى أنقاضه سوف ينهض لاهوت إسلامي تحريري جديد.
متكاملة عن المعرفة، والأخلاق، والدين، والسياسة، واللغة، والقانون، الخ… كان كل فيلسوف يشكل رؤيا متكاملة عن العالم، رؤيا تنافس تلك الرؤيا التي قدمها الدين المسيحي وعاشت عليها أوروبا طيلة خمسة عشر قرنا على الأقلّ . وهكذا تحولت الفلسفة إلى نوع من دين جديد بعد أن كانت خادمة مطيعة للدين أو لعلم اللاهوت المسيحي طيلة العصور الوسطى(24). لقد تحولت إلى دين قائم على العقل والبرهان فقط لا على الغيبيات وعقائد التسليم اللاهوتية. وكان الفيلسوف يعتبر نفسه مسؤولاً عن هداية معاصريه على كلا المستويين النظري والعملي. هذا ما كان يشعر به ديكارت أو لابنتز أو سبينوزا أو كانط أو هيغل الخ. وقد حصل عندئذ انقلاب معرفي هائل زعزع اليقينيات المسيحية وأذهل المعاصرين. وهذا الانقلاب يمتد من عام 1534 تاريخ ظهور كتاب كوبرنيكوس: ثورات المدارات السماوية، وحتى كتاب نيوتن: المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية عام 1687، مرورا بكتاب ديكارت: مبادئ الفلسفة عام 1644 ثم أطروحات.
الهوامش:
Spinoza :Traite theologico- politique.Flammarion.Paris.1997 أحيانا يترجمون العنوان على النحو التالي: مقالة في اللاهوت- السياسي، أي محاولة لدراسة السلطات اللاهوتية والسياسية والعلاقات الكائنة بينها وكيف أن الأولى تتحكم بالثانية وتخنق حرية الفكر باسم الدين أو قل باسم التفسير الظلامي اللاعقلاني للدين. وهو الكتاب الثاني الذي تجرأ سبينوزا على نشره في حياته بعد كتابه الأول: مبادئ فلسفة ديكارت. ولكنه على عكس هذا لم يتجرأ على وضع اسمه على الكتاب كمؤلف ولم يتجرأ على وضع اسم الناشر الحقيقي وذلك خوفا عليه من تفجيرات أو اغتيالات الإخوان الأصوليين له وللناشر. ومعلوم أن الأصوليين اليهود حاولوا قتله في السابق فأخذ درسا لا ينسى وأصبح حذرا جدا. الكتاب منع في هولندا عام 1674 أي بعد أربع سنوات من صدوره. نقول ذلك على الرغم من أن هولندا كانت أكثر الدول الأوروبية انفتاحا وتسامحا وحرية آنذاك. فما بالك إذن ببقية الدول كالمملكة الفرنسية مثلا حيث كانت الظلامية الدينية الكاثوليكية تهيمن كليا تقريبا؟ كان هدف سبينوزا في هذا الكتاب يكمن في ثلاثة أشياء. أولا: تفكيك فتاوى اللاهوتيين وأحكامهم المسبقة التي تمنع الناس من ممارسة التفلسف أو التفكير العقلاني بحرية. فهم يقولون بان الفلسفة ينبغي ان تظل خادمة مطيعة بل وذليلة لعلم اللاهوت الذي هو أشرف العلوم وأعلاها. وأما هو فيقول بأنه يحق للعقل أن يؤكد ذاته ويفكر بحرية بغض النظر عن أي دين كان. ثانيا: كان قد تبقى رسائل تهديد من قبل اللاهوتيين اليهود والمسيحيين تتهمه بأنه كافر وملحد. وقد ألف الكتاب للدفاع عن نفسه ضد هذه التهمة التي كانت خطيرة جدا آنذاك في أوروبا مثلما هي لا تزال خطيرة حاليا في العالم الإسلامي. وقد حاول البرهنة في هذا الكتاب الرائد على أن حرية الفلسفة ليست ضارة بالتقى والورع، ولا بسلام الدولة وأمنها. وقال بأنه ليس ملحدا وإنما يحاول فقط تطبيق التفسير العقلاني على الكتاب المقدس. كما انه يعترف بالأبعاد الأخلاقية الرفيعة والسامية للدين. ولكنه ينفي ما عدا ذلك من عقائد غيبية وطقوس وشعائر ومعجزات وخرافات.. ثالثا: الدفاع عن مشروعية الفلسفة والفكر الحر ضد هجمة الأصوليين الشرسة. ينبغي العلم بأنه حتى لحظة سبينوزا لم يكن أحد قد تجرأ على تطبيق المنهجية التاريخية واللغوية النقدية على التوراة والإنجيل. ولهذا انفجر كتاب سبينوزا كقنبلة موقوتة في عصره. كان يحمل في طياته شحنة تفكيكية وتحريرية هائلة لا تكاد تصدق. نقول ذلك على الرغم من انه كان يقول بأن الأديان إذا لم تسلم قيادها للمتعصبين القتلة فإنها تعلم نفس الحكمة ونفس القيم الأخلاقية التي يعلمها العقل والفلسفة ولكن بطريقة خيالية مجازية مزينة بالصور المحسوسة لكي تفهمها عامة الشعب. وبالتالي فلم يكن ضد الدين في المطلق وإنما ضد المفهوم المتعصب والطائفي للدين. وكان يقول أيضا: لو كان جميع الناس عقلانيين لاختاروا العيش داخل نظام ديمقراطي متسامح وعلماني. ولكن الشعب الذي يسيطر عليه اللاهوتيون لا يمكن أن يكون عقلانيا. ولهذا السبب ألف الكتاب لكي يثبت للجميع أن هناك تفسيرا آخر ممكنا للدين: هو التفسير العقلاني. وبدونه لا يمكن تشكيل مجتمع ديمقراطي عن طريق لجم العناصر الأصولية اللاعقلانية الهوجاء: أي التي تهيج الشعب عن طريق اللعب على وتر الغرائز التحتية والعصبيات الطائفية والمذهبية. ما الفرق بين عصر سبينوزا وعصرنا نحن؟
2- لكي يكون هذا الكلام متوازنا وعادلا ينبغي الاعتراف بان الفترة الاستعمارية أولا وكارثة فلسطين ثانيا سممت العلاقة بين العالم العربي الإسلامي والغرب أكثر من أي نطاق حضاري آخر.أقول ذلك وبخاصة أن استعمار فلسطين، أو ما يدعى بالاستيطان، لا يزال متواصلا حتى هذه اللحظة. وبالتالي فهناك مبررات موضوعية لهذا الحقد العارم على الغرب عندنا. هناك مبررات موضوعية لرفض التنوير وتراجع أسهمه لصالح التيارات الأصولية. ولا حيلة لنا بها. ما دامت قصة فلسطين نازفة لا يمكن لجماهيرنا أن تتقبل فلسفة الغرب أو حتى انجازاته الحضارية ما عدا التكنولوجيا بالطبع والأدوات الاستهلاكية. لا نستطيع حتى الآن أن نفرق بين الوجه المشرق للغرب والوجه المعتم الانتهازي الذي طالما ضحى بالمبادئ منذ استعمار الجزائر عام 1830. ومعلوم أن الحداثة مزدوجة الوجهين وليست بوجه واحد. هناك الوجه التحريري وهناك الوجه القمعي التوسعي الذي لا يشبع من الماديات. لهذا السبب يحاول فيلسوف مثل هابرماس مثلا أن ينقذ التنوير من الانحرافات التي تعرض لها على مدار القرنين الماضيين: أقصد يحاول عدم التضحية بالايجابيات بحجة السلبيات. ولكن هنا ندخل في فصل جديد هو نقد الحداثة أو بالأحرى نقد انحرافاتها وخياناتها. وهو موضوع يشغل فلاسفة أوروبا وأميركا منذ أكثر من نصف قرن. بل وربما كان يشكل اكبر مناقشة فلسفية في الغرب. فكما أن نقد الأصولية الدينية هو شغلنا الشاغل، فان نقد الحداثة أو العولمة الرأسمالية هو شغلهم الشاغل. لكني ركزت في هذا الكتاب على الأسباب الداخلية لفشل التنوير أكثر من العوامل الخارجية لسبب بسيط: هو أنها معروفة للجميع بل وتهيمن على الايديولوجيا العربية هيمنة طاغية وفي كثير من الأحيان ديماغوجية بل وحتى هلوسية- مرضية كما بين جورج طرابيشي في كتابه المشهور: المرض بالغرب. التحليل النفسي لمرض جماعي عربي. دار بترا. دمشق.2005
3- يقول احد البحاثة الفرنسيين اندريه سيرفييه في كتابه: الإسلام ونفسية المسلمين.فهم الدين والعقيدة المحمدية ما يلي: الشيء الذي يميز العربي وبالتالي المسلم هو الإيمان الراسخ الذي لا يتزعزع بتفوقه الفكري على الآخرين كل الآخرين. فبما انه عاجز بسبب جفاف روحه وفقر خياله عن أن يتصور وجود حالة أخرى غير حالته، أو صيغة أخرى للفكر غير فكره، فإنه يعتقد جازما بأنه توصل إلى الدرجة التي لا تضاهى من الكمال. انه يعتقد فعلا بأنه يمتلك وحده الإيمان الصحيح ، أو العقيدة الصحيحة، والحكمة الحقيقية. انه يعتقد بأنه وحده يمتلك الحقيقة. ولا أقصد بذلك الحقيقة النسبية القابلة للتعديل والتحسين والمراجعة باستمرار وإنما الحقيقة المقدسة الناجزة النهائية التي لا تقبل أي تحسين أو تعديل: أي الحقيقة الإلهية المطلقة. على الرغم من ان هذا الكلام قيل في سياق العهد الكولونيالي البغيض الا ان فيه نصيبا من الصحة. للمزيد من الاطلاع انظر: Andre Servier : L’islam et la psychologie des musulmans.Comprendre la religion et la mentalite mahometane.Paris.1923
4- كان جورج طرابيشي قد كرس كتابا كاملا لمعالجة هذه النقطة. انظر: المرض بالغرب. التحليل النفسي لعصاب جماعي عربي. دار بترا. دمشق. 2005. وانظر مراجعتي المطولة له في كتاب الانسداد التاريخي. لماذا فشل مشروع التنوير في العالم العربي؟ دار الساقي. 2007. ص 257 وما بعدها
5- سوف أعود إلى هذه اللحظة الحاسمة من تاريخنا بشكل مطول لاحقا. وذلك عندما سأستعرض بالتفصيل كيفية انتصار الحنابلة على كل المذاهب الأخرى في الإسلام: أي ليس فقط على الشيعة والمعتزلة وإنما أيضا على الحنفيين الاشاعرة بل وحتى الشوافع الاشاعرة الذين يمثلون التيار العقلاني داخل الإسلام السني. هذا بالطبع ناهيك عن التيار الفلسفي الذي سحق سحقا.
6- تحليل الأرثوذكسية سوف يرد في الفصل الثامن من هذا الكتاب من خلال استعراض أفكار الباحث التونسي الطليعي: عياض بن عاشور.
7- لأخذ فكرة سريعة عن المعركة الدائرة بين الأصوليين والحداثيين في روسيا او الصين انظر كتابنا: مخاضات الحداثة التنويرية. القطيعة الابيستمولوجية في الفكر والحياة. منشورات دار الطليعة. بيروت. ص325-334
8- انظر في آخر هذا الكتاب الفصل المخصص لعرض أطروحات عياض بن عاشور التي تحفر بشكل اركيولوجي عن الأصول العميقة للأرثوذكسية السنية.
9- انظر الفصل الرابع من هذا الكتاب والمكرس لاستعراض أطروحات المفكر والأديب التونسي عبد الوهاب المؤدب. فهو وحده الذي تجرأ على التحدث عن مرض الإسلام! وانظر عموما كتب جورج طرابيشي التي تمشي في نفس الاتجاه النقدي المستنير منذ سنوات عديدة والذي سبق المؤدب إلى التحدث عن مرض العصاب الجماعي الذي أصاب المثقفين العرب.. هذا بالإضافة الى كتب محمد الشرفي وعبد المجيد الشرفي ونصر حامد ابو زيد والعفيف الأخضر وشاكر النابلسي وشفيق ناظم الغبرا ومحمد عبد المطلب الهوني وآخرين عديدين. ولكن التساؤل المطروح هنا والمعبر عن نفاد الصبر يخص جيلنا بالدرجة الأولى أو بالأحرى الجيل الذي يليه مباشرة. انه يهدف إلى شحذ الهمم لا إلى تثبيط العزائم كما قد يتبادر للوهلة الأولى من طرحه المتطرف.
10- لا ريب في أن العصبيات الطائفية والمذهبية التي تمزق المشرق العربي حاليا هي أحد أسباب انخراطي الفكري سواء ككاتب أو كمترجم منذ سنوات عديدة. وعندي قناعة كاملة انه لا يمكن أن يحصل إصلاح سياسي بدون إصلاح ديني وفي العمق. وبالتالي فالإصلاح اللاهوتي أو التنوير الديني له الأولوية المطلقة. أقصد بالتنوير الديني هنا تسليط أنوار العلم والفلسفة على الدين وذلك من اجل التوصل إلى قراءة أخرى مختلفة تماما عن القراءة المتزمتة التي تهيمن علينا اليوم. وبالتالي فالهدف ليس القضاء على الدين في المطلق وإنما تفكيك التفسير التقليدي الموروث. بعدئذ سوف تتحرر السياسة العربية من لاهوت القرون الوسطى وفتاواه التكفيرية ومقولاته الفقهية التي عفى عليها الزمن. عندئذ يمكن فصل السياسة عن اللاهوت الطائفي المهيمن وكأنه حقيقة مطلقة. وبعدئذ يمكن تشكيل لاهوت ديني ليبرالي جديد كما فعلت المجتمعات الأوروبية المتقدمة المستنيرة كسويسرا أو فرنسا أو ألمانيا الخ..وبعدئذ يمكن تبني الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمواطن عن جد وليس بشكل ظاهري شكلاني من رؤوس الشفاه كما يفعل بعض المثقفين العرب إن لم يكن معظمهم. بعدئذ يمكن الفصل بين المتدين والمواطن: بمعنى أن كل متدين هو مواطن بالضرورة، ولكن ليس كل مواطن متدينا بالضرورة. وبعدئذ يمكن تحقيق الحرية الفكرية الكاملة في كل أنحاء العالم الإسلامي وليس فقط العربي. وهذا هو مشروع سبينوزا الذي لم يتحقق إلا بعد موته بقرنين أو حتى أكثر. وبالتالي فحتى لو لم يتحقق ذلك في مجتمعاتنا العربية إلا بعد موتنا بزمن طويل فينبغي أن نسير في هذا الاتجاه..
11- أرجو ألا يفهم من هذا الكلام أني أدافع عن الأنظمة البوليسية القمعية! فالواقع اني أدين بنفس القوة الجرائم الطائفية من أي جهة جاءت ودون أي استثناء. فلا توجد طائفية مقبولة وأخرى مرفوضة. ورد الفعل على هذه الأعمال الطائفية كان أيضا طائفيا في أحيان عديدة بل وإجراميا. وبالتالي فالإدانة تشمل هنا الجناح المتطرف والمتعصب في كلتا الجهتين. ومعلوم انه ينشأ أحيانا تحالف موضوعي بين المتطرفين القتلة. فهم يصبون الزيت على نار الأحقاد القديمة لكي يهيجوا الناس في كلا الطرفين على بعضهم البعض وتشتعل الحرب الأهلية. وهم لا ينتعشون إلا في مثل هذا الجو الموبوء المليء بالأحقاد التاريخية. وهكذا يتم تحييد الأغلبية الصامتة أو تخويفها في كلتا الجهتين. ويفشل عندئذ أصحاب النوايا الطيبة في التواصل مع بعضهم البعض بل ويُمنعون من ذلك عن طريق التهديد بأساليب مختلفة. هذا ما نشهده حاليا في العديد من البلدان العربية والإسلامية. وبالطبع فان الخارج المتربص يستغل كل ذلك لمصلحته من اجل تمزيقنا وتفتيتنا بقدر الإمكان. فهل نلومه على ذلك؟ الكارثة هي أن الجميع سائرون نحو الهاوية دون أن يدروا أو حتى وهم يدرون..وبالتالي فان التفكيك لا يصيب الفكر فقط وإنما الواقع ذاته أصبح يتفكك وينهار. ومنهجية التفكيك أصبحت ضرورية لفهم ما يحصل في العمق: أقصد عمق الواقع العربي والإسلامي. بعدئذ يجيء التركيب على أسس صحيحة، أسس أخرى غير السائدة حاليا والموروثة عن العصور الوسطى. انظر ما يحصل في اليمن حاليا من فواجع مرعبة. ما علاقة الاستعمار بها؟ لا شيء. إنها ناتجة عن الاستعمار الداخلي والقمع والكبت والتهميش لشرائح معينة من السكان. وبالتالي فعقلية القرون الوسطى هي المستهدفة بالتفكيك. وهذا ما قد يتراءى للقارئ من خلال كل هذا الكتاب.
12- أحيانا أشعر بالغضب من هؤلاء المثقفين السطحيين الذين يدعون اليسارية والتقدمية وهم في الواقع ضحايا إيديولوجيات استلابية أو مراهقات ثقافية لا علاقة لها بالواقع. إنها في واد والواقع المعاش في واد آخر. إني أفضل عليهم التقليديين الأصوليين لأنهم على الأقلّ يرشحون بالواقع حتى ولو من موقع طائفي. فهم على الأقلّ يتحدثون من موقع معروف كما أنهم صادقون مع أنفسهم وليسوا هجناء متذبذبين. وبالتالي فهم يحاربونك صراحة ومن مواقع واضحة لا لبس فيها ولا غموض. وتندلع بينك وبينهم عندئذ جدلية صراعية خلاقة تؤدي إلى حلحلة الأمور او إيضاح الإشكاليات لا إلى تمييعها كما يحصل مع أشباه المثقفين العرب..لاحظنا أثناء فورة الموجة الأصولية بعد انتصار الخميني وازدهار الحركات الإخوانية أن قسما كبيرا من هؤلاء المتمركسين "التقدميين" أو القوميين ركبوا الموجة فورا وانضموا إلى جحافل الأصوليين. وهذا اكبر دليل على مدى هشاشة ثقافتهم وتقدميتهم. لا داعي لذكر الأسماء فهي معروفة اللهم إلا إذا كانوا قد تراجعوا عن تهورهم بعد انكشاف الوجه الحقيقي للموجة السلفية الأصولية.
13- كل ترجماتي وشروحاتي وكتاباتي على مدار الثلاثين سنة الماضية كانت تهدف الى شيء واحد: بلورة قراءة أخرى للتراث العربي الإسلامي غير تلك التي تهيمن علينا في البيت والمدرسة والجامع وحتى الجامعة منذ مئات السنين. أصلا مشروع نقد العقل الإسلامي يعني بالدرجة الأولى تفكيك المقولات اللاهوتية والانغلاقات التراثية. وعلى هذا النحو نتوصل إلى صورة جديدة عن نشأة الإسلام وصعوده وشخصياته ومقولاته وكل التحولات التي لحقت به على مدار القرون. انها الصورة التاريخية الواقعية التي تختلف كثيرا عن الصورة التبجيلية أو التقديسية التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا أيا تكن طوائفنا ومذاهبنا. وهذه الصورة التاريخية، أي الحقيقية، تصدم وعي المؤمن التقليدي للوهلة الأولى فيرفضها بعنف ويرى فيها انتهاكا للمقدسات. وذلك لأنها تمزق الصورة المثالية الفوق تاريخية التي رضعها مع حليب الطفولة. ولكن هذا التفكيك للصورة التقليدية الراسخة لا يعني إطلاقا احتقار العاطفة الدينية أو الاستهانة بها. كما ولا يعني أبدا ازدراء القيم الروحية والأخلاقية العليا للإسلام. على العكس تماما. فأنا أعتقد أن هذه القيم الروحية والمثل الأخلاقية لن تنكشف للأنظار إلا بعد تفكيك التراكمات التراثية التي تغطي عليها وتحجبها. جوهر الدين غائب في مجتمعاتنا عموما. وحدها قشوره وشكلياته السطحية هي المهيمنة.
14- أقصد بذلك أني أراجع كل الأفكار التي تلقيتها عن الإسلام في بيئتي وطفولتي ومدرستي على ضوء التحليلات العقلانية والفلسفية لكبار الباحثين المعاصرين الذين أقدم كتاباتهم أو أترجمها إلى العربية. وهكذا أعيش التاريخ مرتين: مرة تخص الماضي البعيد ومرة تخص الحاضر الباريسي الراهن. وعلى هذا النحو أكتشف الفرق بنوع من الدهشة والمتعة بين ما تعلمته في الماضي عن طريق الأب والتراث وبين ما يقوله العلماء المعاصرون عن نفس القضايا والمشاكل. وعلى هذا النحو أيضا يتاح أن أقارن بين الصورة التبجيلية واللاتاريخية للتراث، وبين الصورة الواقعية التي يتوصل إليها العلماء عن طريق تطبيق منهجية النقد التاريخي. وهذا يجبرني في كل مرة على الدخول في صراع مع نفسي لكي أتخلى عن الصورة القديمة التي رسخت في ذهني أيام الطفولة وأحل محلها الصورة الجديدة التي يقدمها كبار المفكرين المعاصرين سواء بلاشير أو أركون أو جاك بيرك أو أرنالديز أو جوزيف فان ايس أو مكسيم رودنسون الخ. انها فعلا عملية تحليل نفسي لأنها تجبرك على النزول إلى أعماق أعماقك في كل مرة لكي تنبش الماضي وتتذكر كيف زرعوا فيك كل التصورات العذبة والمثالية والأسطورية أيضا عن كيفية ظهور الإسلام وشخصية النبي وعلي بن أبي طالب والصحابة والأئمة الخ..مثلا من يستطيع ان يتحمل المقارنة بين الصورة التبجيلية/والصورة التاريخية؟ من المعلوم أن ارنست رينان تعرض للتهديد وإيقاف دروسه في الكوليج دو فرانس لأنه طبق المنهج التاريخي على شخصية يسوع وكشف عن الفرق بين الصورة التاريخية/والصورة التبجيلية التقديسية. ولا يعني ذلك انه نال من عظمة المسيح على الإطلاق، ولكنه من خلال البحث التاريخي توصل إلى إنسانيته او تاريخيته او واقعيته. وهذا شيء يصدم بعمق المؤمن التقليدي. وقل الأمر ذاته عن شخصية النبي او على ابن أبي طالب او عمر او أبي بكر الصديق أو سواهم في الجهة الإسلامية. فعندما تظهر السيرة التاريخية المحضة سوف تصطدم حتما بالصورة التبجيلية او التقديسية الراسخة. وربما أثارت مظاهرات في الشوارع او تفجيرات لدور النشر او اغتيالات للمؤلفين والباحثين الخ. عن هذا الاصطدام او الاحتكاك بين كلتا الصورتين تنتج شرارة التنوير. وهذا ما علمنا إياه ديكارت أيضا عندما راجع كل يقينياته السابقة وغربلها غربلة لا هوادة فيها كما سيرد ذكره لاحقا. بهذا المعنى فانه هو مؤسس التحليل النفسي بالمعنى المعرفي العميق للكلمة قبل فرويد. وبهذا المعنى فان توصلك الى المعرفة الجديدة المضيئة لتراثك لا يمكن ان تحصل إلا بعد ان تعرف تجربة التمزق وآلام الانفصال..أقصد الانفصال عن كل ما شكلك منذ نعومة أظفارك عندما كنت لا تزال غضا طريا بعمر الورد..وهو ما لا يزال يرفضه المسلمون عموما حتى هذه اللحظة. ولذلك فان النهضة العربية لا يمكن أن تنطلق. إنهم لا يدركون أن المعركة الحقيقية ستكون مع الذات وتراكماتها قبل أن تكون مع الآخر. وعن هذه المعركة الطاحنة للذات مع ذاتها سوف ينبثق النور..
15- وهذا هو السبب الذي دفعني إلى تأليف كتاب: مدخل إلى التنوير الأوروبي. منشورات رابطة العقلانيين العرب ودار الطليعة في آن معا. ولكن هذا الكتاب ليس إلا قطرة في بحر التنوير أو خطوة أولى على الطريق الطويل..لإدراك معنى التنوير يكفي أن تقارن بين الصورة التاريخية التي قدمها فلاسفة أوروبا عن شخصية المسيح او عن الفترة البدائية الأولى للمسيحية وبين الصورة التبجيلية أو الأسطورية التي يتعلق بها المؤمن التقليدي في الكنائس أو البيوت الخ..نفس الشيء ينطبق على تراث الإسلام. قارن فقط ولو للحظة بين ما يقوله الشيخ يوسف القرضاوي مثلا وما يقوله محمد أركون عن نفس الموضوعات الدينية. وكذلك قارن بين الكتب التقليدية العديدة المنشورة في العربية عن ظهور الإسلام والقرآن والنبي محمد الخ وبين السيرة التاريخية التي قدمها كبار المستشرقين كبلاشير ورودنسون ومستشرقو الألمان عن نفس الموضوعات. هذا هو التنوير: انه يعني الانتقال من تدين القرون الوسطى إلى تدين العصور الحديثة. انه يعني الانفصال عن الذات التراثية. وما أصعب الانفصال! ولا يعني الإلحاد بالضرورة. بالطبع هناك تنوير الحادي مادي محض. ولكن هناك تنوير إيماني أيضا. وهناك فلاسفة كبار مؤمنون. انظر غابرييل مارسيل مثلا أو بول ريكور الذي سنتعرض لبعض أفكاره لاحقا. لاحظ أن الكتب التي تتحدث عن يسوع المسيح او ظهور المسيحية بطريقة علمية تاريخية لا تعد ولا تحصى في الفرنسية او الانكليزية او الألمانية او بقية اللغات الأوروبية. هذا في حين أنها شبه معدومة فيما يخص الإسلام والنبي محمد في اللغة العربية وكل اللغات الإسلامية الأخرى من فارسية او تركية او أوردو باكستانية..هذه الظاهرة بحد ذاتها هي اكبر دليل على مدى تقدمهم وتأخرنا.
16- ولكن يبقى صحيحا القول بأن التيار السلفي الوهابي التكفيري هو أخطر التيارات في الإسلام وأشدها عنفا وظلامية. وهو المستهدف بالتفكيك من قبل كل باحثي العالم حاليا.
17- هناك ذكرى من طفولتي أخشى أن أرويها لكيلا أثير القهقهة والضحك أكثر مما يجب. كان والدي دائما يحذرني من منكر ونكير اللذين سيزورانني في القبر بمجرد أن أموت ويدفنونني. وهما عادة يزورانك للاستجواب الأول قبل أن تصل إلى وقفة الحشر أو يوم الحساب والاستجواب الثاني الأعظم على الحسنات والذنوب.. وكنت طفلا صغيرا تملؤه هذه الحكايات بالوساوس والرعب واليقين المطلق بصحتها في ذات الوقت. وكنت أتساءل متحيرا: كيف يمكن أن يستجوبانني وأنا في القبر تحت الأرض. ألا تكفيني ملاحقات في حياتي حتى ألاحق بعد موتي؟ وهل سأنتقل من كابوس إلى كابوس؟ وما هذا التدين المظلم البائس؟ وكنت أشعر برعب لا يوصف.وحتى الاسم منكر ونكير أرعبني فعلا. وحتى عزرائيل كنت أخاف منه خوفا شديدا بعد أن وصفوه لي. وأتذكر أني عندما كنت طفلا صغيرا خلا البيت مساء من الجميع فجأة لسبب أجهله وبقيت لوحدي في الفراش تحت الغطاء على أهبة النوم. وفجأة خطر على بالي سيدنا عزرائيل فأحسست برعب شديد وقلت هو حتما اغتنم فرصة غياب الجميع لكي يقبض روحي. بل ورأيته يقف على عتبة الباب بلحيته البيضاء الطويلة التي تشبه لحية جدي الذي لا أعرفه. وكانت على وجهه ابتسامة لطيفة. ثم راح يتقدم شيئا فشيئا نحوي. وعندئذ بلغ بي الرعب أقصاه فرحت أغمر رأسي كلها بالفراش لكيلا أراه. ومن كثرة ما غطيت رأسي وغمرت نفسي تحت اللحاف كدت أختنق وما عدت بحاجة إلى عزرائيل لكي يقبض روحي.. وهناك قصة أخرى. في أحد الأيام كان عندنا شخص من العوام فراح والدي الشيخ يشرح له شؤون الدين ثم روى له قصة أرعبتني. أو ربما قرأتها في أحد الكتب القديمة، ربما عند الطبرسي، لم أعد أتذكر بالضبط. ومفادها أن احد الشيوخ الكبار دفن وهو حي بعد أن ظنوا انه مات فاستيقظ في القبر ليلا وراح يتخبط ويحاول بكل جهده أن يرفع طبقات التراب والحجارة عن نفسه لكي يخرج من القبر . ولكن عبثا. أو ربما خرج في نهاية المطاف بقدرة قادر لأنه من أولياء الله الصالحين. هذه القصة الكابوسية انغرست في ذهني إلى درجة أني لا أستطيع التخلص منها حتى الآن. إنها تشكل أكبر رعب في حياتي. وأصبحت واثقا انه سيحصل لي نفس الشيء لا محالة. وبالتالي فيا لرعب الرعب!..ماذا سأفعل إذا لم يتأكدوا من موتي نهائيا. ولذلك قررت ألا أدفن على الإطلاق. سوف تكون وصيتي هي الحرق ثم رمي الرماد في بستان من الزهور والعشب أو على ضفاف الأنهار إذا أمكن. أما القبر؟ معاذ الله. فماذا لو استيقظت فيه وأنا تحت كل هذه الأكوام المتراكمة؟ أنا واثق أني سأستيقظ بعد الموت لأنهم سيتوهمون أني مت ويستعجلون في دفني مثلما فعلوا مع ذلك الشيخ الجليل الذي لم أعد أتذكر اسمه. ولكن كابوسه يلاحقني حتى هذه اللحظة. من هنا رعبي من كل الأماكن المغلقة والقبور. من هنا الطابع الكابوسي المرعب لطفولتي. وماذا لو أكلني الدود؟ وهو سيأكلني حتما. لا لن يكون لي قبر أيها السادة.سوف أموت على مذهب الهندوس الذين يحرقون حتى عظماءهم من أمثال غاندي ونهرو.. فالحرق هو الذي يطهر الأرض منا جميعا، من كل هذه الأجساد. الحرق هو مطهرة حقيقية. لذلك أعجبت بادوارد سعيد عندما سمعت بأنهم حرقوه بعد موته فتحول إلى رماد..رويت هذه القصة لكي أبرهن على أن التدين القروسطي مرعب فعلا. وقد تربيت عليه منذ نعومة أظفاري. قارن بينه وبين التدين المسيحي في أوروبا، هذا التدين المبتسم المتفائل الحر الخالي من كل الإكراهات القمعية والصور الإرهابية التي لا يمكن ان يعلموها للأطفال. عندئذ تعرف معنى القطيعة الابيستمولوجية التي تفصل بين العصور..آية لا إكراه في الدين تطبق في أوروبا لا في العالم العربي أو الإسلامي..ولهذا السبب اعتبرت أن مجيئي إلى أوروبا بمثابة حظ كبير لا يكاد يصدق. انه يشبه الخروج من القبر. أكاد أقول بأن العالم الإسلامي كله مقبور الآن تحت ركام من التصورات القروسطية والكوابيس العقائدية وعذاب القبر وأفكار الخوف والرعب التي تمنعه من التحرر والانطلاق. فمتى سنخرج من هذا القبر الجماعي لكي النور لأول مرة ونتنفس الهواء الطلق؟ متى سنفهم الدين بطريقة أخرى مختلفة تماما أو حتى معاكسة؟ وحده المعري العظيم نجاني من كل هذه التصورات الكابوسية المقدسة عندما قرأت رسالة الغفران ووجدته يسخر منها بطريقة فنية، فلسفية، عبقرية، لا نظير لها..ألق نظارتيك ما أنت أعمى انما نحن معشر العميان! شكرا لنزار قباني حتى ولو كان يقصد طه حسين. ولكن ألم يكن يقصد من خلاله المعري أيضا؟ وشكرا لبدوي الجيبل أيضا: أعمى تلفتت العصور فلم تجد نورا يضيء كنوره اللماح من كان يحمل في جوانحه الضحى هانت عليه أشعة المصباح المجد ملك العبقرية وحدها لا ملك جبار ولا سفاح..
18- هو: مخاضات الحداثة التنويرية.القطيعة الابيستمولوجية في الفكر والحياة. دار الطليعة.بيروت.2008
19- انظر ما سأقوله عن ديكارت بعد قليل وكيف انه عانى تجربة تفكيك يقينياته الأولى التي ورثها عن البيت والعائلة ومدرسة القرون الوسطى والكنيسة..ولكني إذ أقول هذا الكلام لا أقصد إطلاقا بان الدين سينتهي وإنما سيبقى منه الجوهر: أي القيم الروحية والأخلاقية العليا. كل ما عدا ذلك من حشو وتعصب مذهبي أو طائفي سوف ينتهي يوما ما مثلما انتهى في البلدان المتقدمة في أوروبا. وبالتالي فليس التدين الروحاني العالي هو المستهدف بالتفكيك وإنما التدين المؤدلج والموظف لخدمة العصبيات والانغلاقات ونبذ الآخرين. ينبغي العلم بان سبينوزا لم يحارب الدين في المطلق وإنما احتفظ منه بالجوهر الصافي أيضا وقال بان الدين هو المعاملة الأخلاقية والإنسانية ليس إلا. وبالتالي فمرة أخرى أقول بأني لا أقصد إطلاقا النيل من قداسة الدين أو من عظمة الدين. ولا أقول ذلك خوفا من أحد وإنما عن قناعة. ولكني أعتقد في ذات الوقت انه لا يمكن أن يفهم على حقيقته ويأخذ كل أبعاده إلا على ضوء عظمة الفلسفة وأنوارها الساطعة. وخطورة الأمر في الساحة الإسلامية هي أن الدين انفصل عن الفلسفة أو قضى عليها منذ إدانة الغزالي وكبار الفقهاء الآخرين لها قبل ألف سنة. أما في أوروبا فان الدين والفلسفة يمشيان جنبا إلى جنب ويتفاعلان مع بعضهما البعض وينتج عن ذلك تدين روحاني وعقلاني مستنير. في الجامعات الألمانية مثلا كلية اللاهوت وكلية الفلسفة يقفان إلى جانب بعضهما البعض. هل يمكن أن نتخيل كلية الشريعة وكلية الفلسفة إلى جوار بعضهما البعض في الجامعات العربية؟ ثم بالأخص: هل يمكن تدريس الدين بطريقة تاريخية عقلانية فلسفية لا غيبية خرافية كما يفعل المعهد الكاثوليكي في باريس مثلا؟ يروي البابا الحالي وهو مطلع كبير على تاريخ الفلسفة انه عندما كان أستاذا في كلية اللاهوت بالجامعة الألمانية كان أساتذة الفلسفة يجيئون أحيانا لمناوشته واستفزازه قائلين: عجيب أمرك.أنت مختص بموضوع أو شيء لا وجود له: أي الله! أنت تضيع وقتك في غير طائل. وكان يضحك من كل أعماقه عندما يسمعهم يقولون له هذا الكلام. لم يكن يشتمهم ولا يكفرهم وإنما كان يناقشهم ويحاججهم بكل طيبة أخوية.. هذه الحرية الفكرية هي التي نحسدهم عليها: حرية أن تؤمن أو لا تؤمن. فالإيمان لا يفرض من فوق او بالقسر والإكراه. وإذا ما فرض فلا معنى له ولا أهمية. هذا ما قاله المجمع الكنسي الشهير باسم: الفاتيكان الثاني. بعد ألفي سنة من المقاومة والرفض اعترفت الكنيسة الكاثوليكية أخيرا بالحرية الدينية المطلقة، حرية الضمير والمعتقد. بعد ان قاومت الحداثة طيلة قرون عديدة تراجعت وغيرت موقفها. وهنا يكمن شرفها وعظمتها. وهذا يعني ان التطور ممكن حتى في الشؤون العقائدية وعلم اللاهوت. وبالتالي أرجوكم كفوا عن اتهامنا بالمس بثوابت الأمة! إذا كان فقه القرون الوسطى هو ثوابت الأمة فاني أقول لكم بانه ليس ثابتا ولن يدوم وإنما سيتعرض للتفكيك حتما. ولن يبقى منه الا ما هو صالح وقادر على التأقلم مع روح العصور الحديثة وفلسفة حقوق الإنسان.
20- اذ أقول هذا الكلام فهذا لا يعني إطلاقا أني أدين والدي وطفولتي كليا. فلم تكن مظلمة بشكل كامل وان اتشحت بالسواد بعد فاجعة أمي وموقفه اللامسؤول الذي لا أستطيع أن أغفره له مهما حاولت. انه يكشف عن استقالة العقل الديني او تفريغه من البعد الإنساني بسبب سيطرة اللاهوت الظلامي عليه. فرجل الدين يعتقد أن كل شيء مباح بالنسبة له لمجرد انه رجل دين يمثل ظل الله على الأرض! والمرأة لا تساوي شيئا بالنسبة لرجل الدين التقليدي. إنها مجرد أداة ليس إلا. هنا تكمن خطورة الشيخ اللاهوتي الذي يعتقد بان الله يغطي على كل تصرفاته وتجاوزاته لأنه يصلي ويصوم ويعظ الناس ويلهج بآيات القرآن صباح مساء..وتحت هذه الغطاء اللاهوتي يستطيع أن يفعل ما يشاء .. . عندما يكون الله "وراءك" يحل لك كل شيء.. انه يعطيك ثقة مطلقة بنفسك وبما تفعله ولا تعود تشك لحظة واحدة في صحة أعمالك أو عدم صحتها. وعندئذ قد ترتكب الجرائم دون أن تشعر..فأنت رجل الله الذي يحاسب الناس وليسوا هم الذين يحاسبونك. والله سيغفر لك كل شيء لأنك مؤمن متدين تصوم وتصلي وتقرأ القرآن الخ. وبالتالي فالثقة أو قل الطمأنينة الراسخة الناتجة عن الدين سلاح ذو حدين. فقد تكون ايجابية جدا إذا ما استنارت بضوء العقل. ولكنها عندما تطغى وتزيد عن حدها قد تتحول إلى عصبية عمياء. كما ويتحول صاحبها عندئذ إلى طاغوت باسم الله. انظر تصرفات رجال الدين في كلتا الجهتين الإسلامية والمسيحية. انظر كيف انحرفوا عن مبادئ الإنجيل في القرون الوسطى الأوروبية مثلا. وانظر كيف ينحرفون عن المبادئ الأخلاقية والروحانية للإسلام والقرآن حاليا. سوف أتحدث عن هذه النقطة أكثر من مرة على مدار الكتاب. ولكن ينبغي الاعتراف باني كنت أحب الدين في طفولتي وان التربية الدينية او القرآنية الأولى التي تلقيتها على يد والدي غرست في نفسي حب الأخلاق والتعلق بالمثاليات . كان هناك فضاء روحاني حقيقي في البيت وقد غمرت به غمرا. القرآن الكريم مليء بعبارات التنزيه والتعالي التي تحذر من الاغترار بالدنيا والمنافع العاجلة كالآية التالية مثلا: وما الحياة الدنيا الا متاع الغرور. وهي ترد عدة مرات بصياغات مختلفة ومتشابهة. وكذلك التركيز على مفهوم الحق والعدل والخير. كل هذا وارد بقوة في القرآن: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. وأعترف لوالدي بالفضل في ترسيخ هذه القيم الأخلاقية الأساسية في نفسي بالإضافة إلى كره الكذب أو السرقة أو سوى ذلك. كان يقول لي مثلا: عندما تمد يدك لكي تسرق شيئا من حقل الجيران فان الله في أعلى السماء يراك ويراقبك. كل هذا صحيح. وكل هذا بقي في أعماقي ولست مستعدا لتفكيكه او التخلص منه. ولكنه أحيانا كان يتخذ طابعا قمعيا ويشلك شللا..بل ويشعرك بالذنب حتى دون أن ترتكب ذنبا..مشكلتي هنا وليسمح لي القارئ بهذا الغرور المنتفخ هي نفس مشكلة مارتن لوثر، مؤسس البروتستانتية. لهذا السبب قرأت عنه عشرات الكتب وسودت مئات الصفحات وسوف أخرجها في كتاب لاحقا. وبالتالي فهناك قيم روحية جوهرانية أخلاقية في الدين لا تنكر. أنا لا أريد القضاء على الدين في المطلق كما يتوهم بعضهم. ولكن الشيء المزعج في تدين القرون الوسطى الذي تربيت عليه والذي يسود المجتمع كله: هو الطابع المذهبي والطائفي الضيق الذي يقيم الجدران العازلة والكراهية بين أبناء الوطن الواحد. هذا بالإضافة الى طابع الخوف والتخويف وقتل الشخصية. فمن تربى في بيئة شيعية مثلا يعتقد انه يمتلك الحقيقة المطلقة وان السنة خرجوا على الإسلام لأنهم لم يعترفوا بحق علي في الخلافة وهضموا حقوق آل البيت الخ..ومن تربى في بيئة سنية يعتقد العكس تماما: وهو أن الشيعة بكل فرقهم خارجون على الإسلام، وزنادقة وهراطقة الخ لان الإسلام الصحيح هو الإسلام السني فقط..وقس على ذلك. هذه التربية الطائفية المذهبية هي التي ينبغي تفكيكها لكي تنهار الجدران التي تفصل بيننا..ومن ابتدأ بنفسه فما ظلم..وقل الأمر ذاته عن الانقسام الإسلامي/المسيحي. فالمسيحيون العرب يعانون أيضا من نفس الشيء. هناك ذكرى مرعبة لا تزال عالقة في نفسي عن الموضوع حتى الآن. كنا في ثانوية مدينة جبلة الساحلية الصغيرة. وعندما كان يدخل أستاذ التربية الدينية أو حتى قبل أن يدخل بلحظات كان الطلاب المسيحيون يخرجون من الصف بهدوء شديد، وأكاد أقول خلسة، لكيلا يراهم أحد. ثم يتجولون في الخارج أو في باحة المدرسة ساعة كاملة حتى يكون قد انتهى درس التربية الدينية وبعدئذ يعودون.. هذه الحادثة التي كانت تبدو شبه طبيعية وقتها بالنسبة لنا اتخذت بمرور الزمن معنى آخر بالنسبة لي. لقد اتخذت معنى أخطر بكثير مما كنت أتصوره. انها مدخل للحروب الأهلية أو ترسيخ التفرقة الطائفية على الأقلّ. يضاف إلى ذلك انه كانت تحصل أحيانا توترات بين الطلبة العلويين والأستاذ نفسه لأنه يركز على عمر أكثر من علي مثلا، أو على عائشة أكثر من فاطمة، الخ..كل هذه الحوادث وغيرها كثير حسمت مساري الفكري وهي التي جعلتني أنخرط في خط التنوير لاحقا وبكل قوة. أعتقد شخصيا أن برامج التعليم بحاجة إلى تغيير جذري وكذلك الثقافة العامة المحيطة. نعم التنوير على الأبواب أو ينبغي أن يكون. ينبغي أن نجد حلا لمشكلة مادة التربية الدينية لكيلا تصبح أداة للتفرقة بين المواطنين. ولكن كيف؟ هذا هو السؤال المطروح على المخططين لبرامج التعليم في البلدان العربية والإسلامية. هناك طريقة أخرى لتعليم الدين غير الطريقة القروسطية: إنها طريقة تاريخية، علمية،فلسفية. ولكن لا وجود لها إلا في البلدان المتحضرة كفرنسا أو سويسرا أو انكلترا الخ..فما العمل؟ هل نلغي مادة التربية الدينية من المدارس العامة للدولة باعتبار أن الدولة ينبغي أن تكون لكل المواطنين وليس لفئة واحدة مهما بلغ عدد أفرادها. بانتظار أن يحصل التنوير أو الفهم الفلسفي لا الطائفي للدين، لا حل ولا خلاص..بانتظار ذلك ينبغي الاعتراف بان للأغلبية الدينية أو المذهبية حقوقا موضوعية لا بد من الاعتراف بها بل وتفرض نفسها بحكم الأمر الواقع. وأنا شخصيا لا تزعجني كثيرا بشرط أن تفرض نفسها بطريقة مرنة، ذكية، متسامحة نسبيا، لا بطريقة فجة وتكفيرية وعدائية واحتقارية ضد الآخرين.
21- وحتما لو لم أجئ إلى فرنسا لما استطعت أن أفعل ذلك. كان ينبغي أن تتعرف على لغة أجنبية حديثة تحتوي على مختلف أنواع العلوم والفلسفات لكي تستطيع أن تتحرر من ذاتك، من كل ما شكلك منذ نعومة أظفارك. لكي تفهم تاريخ الإسلام حقا ينبغي أن تخرج من كل البلدان العربية والإسلامية. ينبغي أن تخرج جغرافيا ولغويا ونفسيا أيضا. كل هذه المسافات ضرورية لكي تفهم نفسك او تراثك على حقيقته. لا توجد في اللغة العربية مراجع كافية لكي تفهم التراث العربي الإسلامي بطريقة علمية وتاريخية جادة ومسؤولة. أكاد أقول بان المثقف الذي لا يتقن إلا اللغة العربية أصبح شبه أمي الآن! يؤسفني ان أقول هذا الكلام ويحز في نفسي. ولكن هذه هي الحقيقة. الكتب الاستشراقية الكبرى التي تسلط أضواء المنهج التاريخي على تراث الإسلام موجودة في اللغات الأوروبية الحديثة كالألمانية والفرنسية والانكليزية وليس في اللغة العربية. إنها ممنوعة في العربية حتى الآن في قسم كبير منها على الأقلّ. أحيانا أقول بيني وبين نفسي: لو لم أخرج إلى الغرب وأعش تجربة أوروبا لكنت قد عشت ومت دون ان أفهم شيئا..كنت قد مررت في هذا العالم مرور الكرام..كان قد فاتني كل شيء تقريبا..اكبر جريمة ترتكب الآن في حق الثقافة العربية والأجيال العربية الراهنة والمقبلة هي عدم وجود مركز قومي عربي للترجمة الشاملة: أي لنقل كل فتوحات العلم والفلسفة إلى لغتنا العربية. ما معنى أن تعيش وتموت دون أن تستمتع بأنوار العلم والفلسفة؟ ولا أستثني من ذلك بالطبع فلسفة الدين بل أضعها في المقدمة. فدين بدون فلسفة يؤدي غالبا إلى الانغلاق، فالظلامية العمياء..وهنا تكمن مشكلتنا الأساسية. هنا يكمن الداء العضال. من سيترجم ثلاثية هانز كونغ عن المسيحية واليهودية والإسلام لكي نعرف معنى التداخل التفاعلي أو الجدلية الخلاقة بين الدين والفلسفة؟
22- هذا يعني أن مشكلتي كانت دائما هي تدين العصور الوسطى واللاهوت الطائفي القديم وليس الدين في المطلق. إني أعترف بقداسة الدين وعظمة الدين وسمو الدين ولكن بشرط أن يكون مفرغا من هذا الجو المظلم المكفهر ومن تلك العصبيات الطائفية والمذهبية بالذات. الدين المسيحي في أوروبا أصبح محببا إلى النفوس لأنه فُرغ من شحناته الطائفية وطابعه القمعي ومحاكم التفتيش بعد التعزيل الهائل والتفكيك النقدي الرائع الذي قام به فلاسفة الأنوار الأوروبية. أما قبل ذلك فقد كان قمعيا، قسريا، إكراهيا، قروسطيا، متجهما، تماما كما هو عليه الحال عندنا اليوم. أنا واثق ان الإسلام سوف يسترد عافيته وسمعته الكبرى وروحانيته المشرقة بعد المرور بالمرحلة التنويرية ولكن ليس قبلها. هناك عملية جراحية سوف تحصل في السنوات القادمة ولا أحد يعرف مدى حجمها وأبعادها. بعد هذه العملية الجراحية الخطيرة والدقيقة سوف يفرض الإسلام احترامه على العالم أجمع. يعجبني بهذا الصدد الكتاب الذي أصدره المفكر الفرنسي اريك جوفروا تحت عنوان: الإسلام سيكون روحانيا أو انه سينقرض. منشورات سوي. 2009. بمعنى أن الإسلام إذا لم يقطع علاقته بالتسييس المباشر والعنف والتعصب والأصولية الطائفية الحاقدة على العالم أجمع فانه سوف يفقد مصداقيته ولن تكون له مكانة في عالم الغد. وذلك لان كل القيم الأخلاقية والتنزيهية والروحانية التي صنعت مجده في القرون الأولى أصبحت الآن مطموسة ومنسية بعد أن تحول إلى مجرد أداة حرب أو ايديولوجيا جهادية او فتاوى فقهية تكفر ثلاثة أرباع البشرية على الأقلّ! انظر: Eric Geoffroy :L’islam sera spirituel ou ne sera plus.Seuil.2009
23- انظر قصة نصر حامد ابو زيد في الكويت مؤخرا وكيف استطاع السلفيون إخافة الحكومة نفسها ومنعه من دخول البلاد لإلقاء محاضرة..أليس هذا دليلا على مدى الهيمنة الطاغية لرجال الدين في العالم العربي والإسلامي كله؟ انظر إلى كيفية جذبهم لملايين المشاهدين على شاشة الفضائيات حيث يصولون ويجولون ويقولون كلاما لا معنى له عن الدين: أي كلاما مناقضا لحقائق التاريخ والعلم والمنطق. قارن بين كلامهم وكلام كبار اللاهوتيين المسيحيين في الغرب تجد العجب العجاب. مسافة بين السماء والأرض. هنا يأخذ رجل الدين معطيات الحداثة والفلسفة العقلانية بعين الاعتبار قبل أن يفتح فمه ويقول كلمة واحدة عن الدين. أقول ذلك وأنا أفكر بعلماء لاهوت من أمثال البروتستانتي كارل بارت أو رودولف بولتمان صاحب نظرية نزع الأسطرة عن النصوص المقدسة أو الأب ايف كونغار، أو الأب دومينيك شينو صاحب كتاب: مأساة الفلسفة الإنسانية الإلحادية، حيث يناقش بكل تمكن واقتدار نظريات كبار فلاسفة الحداثة من أمثال فويرباخ وماركس واوغست كونت ونيتشه وسارتر..أين هو رجل الدين المسلم الذي يستطيع ان يناقش ولو كتابا صغيرا في الفلسفة؟ أصلا الفلسفة محرمة وممنوعة منذ ايام الغزالي وابن تيمية بحجة انها كفر يبعد عن الله والدين. وفي المجتمعات العربية المحافظة لا توجد كليات لتعليم الفلسفة. توجد فقط كليات الشريعة والمعاهد التقليدية التي تحشو ذهنك حشوا باليقينيات القطعية إن لم نقل العدوانية. أما في الغرب فتعتبر الفلسفة ضرورية ومشروعة من اجل تعيمق فهم الدين وتنويره من الداخل. انظر فلسفة الدين وكل المراجع المتعلقة بها. وهنا تكمن إحدى المناقشات الكبرى في الغرب حاليا: أقصد مناقشة العلاقة بين الدين والفلسفة، أو العلم والإيمان. وهي مناقشة شبه ممنوعة في العالم الإسلامي لان الدين يفرض نفسه من فوق بشكل ساحق ماحق ويعتبر الفلسفة في أحسن الأحوال خادمة للفقه أو لعلم اللاهوت: أي كما كان يحصل في أوروبا إبان العصور الوسطى. للمزيد من الإطلاع انظر: القاموس النقدي لعلم اللاهوت.تأليف جان-ايف لاكوست.المطبوعات الجامعية الفرنسية.2007. Jean-Yves Lacoste :Dictionnaire critique de theologie.P.U.F.Paris.2007 عندما تقرأ هذا الكتاب او سواه تكتشف ان أوروبا متفوقة علينا ليس فقط في مجال التكنولوجيا او العلم والصناعة وانما أيضا وبالدرجة الأولى في مجال علم الدين والله: أي اللاهوت. وانظر الرسالة البابوية التي كتبها البابا يوحنا بولس الثاني عن موضوع: الايمان والعقل. فهو يطرح الموضوع من وجهة نظر تاريخية ويناقش برصانة كبار فلاسفة الماضي والحاضر. وقل الأمر ذاته عن البابا الحالي الذي يعرف كل تاريخ الفلسفة منذ اليونان وحتى كانط وهيغل الخ..هل يستطيع الشيخ يوسف القرضاوي أن يستشهد باسم فيلسوف واحد على مدار التاريخ بشكل جدي؟ هل يعرف شيئا عن تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية هذا ناهيك عن الأوروبية؟ هنا يكمن مرض العالم الإسلامي: تخمة في العلوم الدينية التقليدية، ونقص هائل أو حتى جوع مريع في مجال الفكر العقلاني والفلسفي.
24- اطلعت مؤخرا على كتاب رائع عن المعارك الفكرية المرعبة التي خاضها فلاسفة أوروبا في العصور الوسطى ليس من اجل الخروج من الدين وإنما من اجل التوصل إلى فهم عقلاني ومستنير للدين. ومعظمهم كانوا يشتغلون بالسر آنذاك، كانوا ملاحقين بل ومهددين في حياتهم الشخصية. البعض مات مسموما، والبعض الآخر بطعنة خنجر من أحد المتعصبين بشكل أعمى. نذكر من بينهم ذلك المفكر الرائع سيجر البراباني تلميذ ابن رشد وأستاذ علم اللاهوت المسيحي في القرون الوسطى. فعندما شعر بان مطران باريس ومحاكم التفتيش قد ابتدأت تهتم به وتسأل عنه هرب الى ايطاليا. ولكنهم استطاعوا هناك أن يصلوا إليه ويقتلوه على الرغم من انه كان مسيحيا مؤمنا ولم يكن ملحدا على الإطلاق. ولكنه كان يحب الفلسفة أيضا على طريقة ابن رشد وأرسطو. كان يريد التوفيق بين الدين والفلسفة مثلما فعل ابن رشد في كتابه الشهير: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال. في ذلك الوقت كان فلاسفة العرب هم أساتذة أوروبا. لا أعرف لماذا لم تنل قصة استشهاده نفس الشهرة التي نالتها قصة غاليليو. فهي لا تقل عنها خطورة وأهمية. ولكن دانتي العظيم انتقم له فوضعه في مرتبة عليا في الجنة إلى جانب البير الكبير وتوما الاكويني. وتحدث عنه كنور يضيء العصور.. يخيل إلي أن العالم الإسلامي يعيش نفس الفترة حاليا: أي على ذلك الحز الفاصل بين أواخر العصور الوسطى وبدايات عصر النهضة. نحن لم نصل بعد حتى الى عصر النهضة، فما بالك بعصر التنوير الذي جاء بعده بمائتي سنة؟ عنوان الكتاب الذي يروي حياة هذا المفكر على هيئة قصة مشوقة جدا بل وتقريبا بوليسية هو التالي: البابا والمطران والفيلسوف. تأليف: الكسندر دوروزينسكي.منشورات شيرش ميدي. باريس. 2008. Alexandre Dorozynski : Le pape’ l’eveque’ et le philosophe.Cherche Midi.Paris.2008 من يقرأ هذا الكتاب وكتبا أخرى غيره يعرف كم دفع مفكرو أوروبا الثمن باهظا قبل ان يفككوا الأصولية المسيحية ويتحرروا من الإرهاب اللاهوتي الذي كان يحاصرهم من كل الجهات. لقد كانوا يعيشون نفس الحالة التي يعيشها المثقفون العرب حاليا. فلكي تفكر بحرية ينبغي أن ترحل إلى الخارج وألا فسوف تظل خاضها للايدولوجيا الأصولية المهيمنة على المجتمع من المهد إلى اللحد. لكأنك مقبور وأنت حي..ممنوع أن ترى النور. كيف يمكن الخروج من القبر، من ظلام العصور؟ لماذا أدانه مطران باريس ايتيان طامبييه مع بعض أساتذة السوربون الآخرين؟ لأن أفكارهم تهدد الإيمان المسيحي وتعتبر خروجا على الدين. وهي نفس التهمة التي وجهها الشيخ محمد الغزالي إلى الشهيد فرج فودة مبررا بذلك عملية اغتياله بل ومعتبرا إياها تقربا إلى الله تعالى..كما أنها نفس التهمة التي وجهها المشؤوم جعفر النميري لشهيد الحق والحقيقة محمود محمد طه. قال بأنه مرتد عن الإسلام وليس فقط متآمرا على أمن الدولة. وبالتالي يحق شنقه وهو في السابعة والسبعين من عمره..

0 comments: