Friday, February 26, 2010

وجدان عبد العزيز


 اللغة السريالية

  في ديوان (هندسة الحب)- منقول عن جريدة  tirej



  وجدان عبد العزيز- العراق



الشعر وسيلة اتصال بين الشاعر وبين الآخرين وهذا الاتصال يحدث نتيجة الاستجابة الانفعالية والعقلية المبنية على خبرته الشخصية والتي تمثل خبرة جمالية مصاغة بلغة مكثفة ومركزة كما يقول الدكتور عدنان خالد عبدا لله (ينظر كتاب النقد التطبيقي التحليلي ص20 ) والشعر كما يقولون يؤسس لأنطلوجيا الانفلات فهو لا يمكن الإمساك به وإخضاعه للضبط ، لأنه أولاً وآخراً خبرة الشاعر الجمالية بلغة مغايرة تحمل عدة تأويلات ، فهل يكون خير معبّر عن عاطفة الحب , تلك العاطفة النقية التي انعقدت عليها كل العلاقات بين الكائنات ، من هذا نلاحظ الشاعر مصطفى سعيد قد وضع هندسة لهذه العاطفة بلغة سريالية أضحت ميزة في ديوانه ( هندسة الحب ) .

استناداً لتجربته الشخصية الشعرية التي اتسمت بالجمالية والبحث بعد أن أغناها في أشعار سابقة وهنا في ديوانه هذا نراه ابتدأ بالماء والنار وهو يعزف على حالة الانعكاس من خلال المرآة التي حولت نظرته للأشياء كصور سريالية كما في قوله :



  ( لأن الفراشات ترتدي الحراشف..

  والأسماك بدأت تطير

  المرايــا دوختني

  عللتني ...

  من نار النشيج .)



ثم أنه لن يمسك من حبيبته شيء بسبب خيبة الأمل لأن دمعها سال من أجل طلاء أظافرها ، فهو رسم لوحة بدت سريالية حتى نهايتها الموضوعية ثم جاء منفعلا بارتشاف سحابة وبقي يتلون هاجسه الحب الذي أصبح هندسة في التحرك والتقعر يقول :



  ( على كفيّ ..

  يتأطر قدحي حول بطن سحابة .. )



وهو تماهي في الأفق البعيد للبحث عن هوية الحب في أرجاء فضاءات الحبيبة الممتدة الأطراف والآفاق دليله ( حَفنةً من نبضٍ .. ) وهو تحسس و تصوف إلى حد الذوبان بانتظار عطاءات الحب الغير مرئية وذلك بالإعلان عن علة الوجود يقول :



  ( أنا ..

  علّة العالمين ..

  أتراقص ذعرا

  على إيقاع قصبةٍ جوفاء ...

  على إيقاع طبول الأولياء...

  مدد

  مدد

  مدد )



حتى يتجلى بالتفاصيل ، ليبدأ في آفاق الحب باحثاً عن أزلية العلاقة المقدسة قائلا ( مترعٌ أنا بتفاصيلك .. ) ثم يقول :



  ( ولنا متسعٌ من الحب

  أجبليني بخرسانتك وأجليني

  أحفري فيّ

  لأساساتِكِ ، لبنائك الأزليّ .. )



ليجسد هندسة الحب مكوناً منها خارطة للكون وإعادة ترتيب الأشياء وفق رؤية جمالية تعيد هيكلة الروح اتساقا مع رؤى الشاعر من الكون ...



  ( هيــا .. أغيّر هندسة جسدك ...

  لأزيح هذا الأثاث المتراكم ..

  هيــا .. سنطلي الريح بلونٍ قرمزي .. )



  ( نعيد هيكلة الروح ..

  نهندس خارطة الكون )



والشاعر ضمن تجواله في المساحات المفترضة بين الحسي واللاحسي فالمرأة التي من صلصال ذراعها قصير وهو يروم جبينها الفسيح ، فهو يخرج من الحدود الحسية إلى الحدود اللاحسية بين الرقص والاتشاح

بلغة اقتربت من الحفر في جسد المغايرة إلى حد السريالية بعيداً عن لغة الحب الشفافة التي لا تنفك تلازمه اللاوعي اتساقا مع قوله :



  ( تجيدين الرقص

  على عِرق الألم )



  ( متشحٌ

  أنا بتلك التنهدات )



ثم يقول :

 

  ( أقطف من جبينك

  خصلة ريحان )



لتظل نوافذه مشرعة نحو أفق البحث عن الخلاص وهو يتقلى بين برزخين هي حدود الجسد والرغبة ومساحة الحب وعرضها الكون حتى عمد إلى ألوان من الصمت والهمس عساه أن يرتقي إلى نقاء مرحلة الطفولة كي يكون حبه خالداً ومتسعا كقوله:



  (أحبكِ بهمسٍ

  أحبكِ بصمتٍ

  أحبكِ كطفلٍ

  أحبكِ لارتقي لحدود اللاوجود)

فهو ينزع إلى الارتقاء لحدود اللاوجود ، لأنه في الوجود يتأرجح بين برزخين معلقا بين سنبلتين وهي دلالة على الامتلاء ثم انه (يتأمل / فداحة جمال/ تسيل من فمي رغوة المسرة / فأنا سليل القٍ مستعرٍ / وأنت تنتهكين تيجان الزمان ...) وظل يحاول إيجاد حد وعرض وهي مصطلحات فلسفية تبحث في الوجود في تساؤل ذاتي (من أكون ../ أكون من ..) ولكن يأخذه هذيان لغوي الحصيلة منه هو إن الحب قد يكون ألم وقد يكون لذة وفي كلتا الحالتين هو تطهير وشروع متصاعد في زوايا الكون وتثبيت أن الحب الطاهر النقي هو كالطفولة في براءتها وشفافيتها وتتألق شعرياً عند الشاعر مصطفى سعيد ..

 

  ( إلى انحسار الشمس الأزلي ..

  يوم كنت ولا زلت طفلاً )



وعنده إن الروح تتألق في قوله :



  ( وقتها يصطفي ..

  عندما تغادر الروح مجرات الشبق ..

  بالدمع .. والتراب والنبيذ ..)

فمجرات الحب والمرأة تجعل منها مادة لصناعة التاريخ واستمراره يقول:



  ( أنا الآن سلطان الأولينَ, المعذبينَ ..

  أكرَعُ التاريخ

  من نهديك ..)

ويؤكد استمرار سلسلة الزمن (حتى إن مات أحدنا .. يأتي آخرنا ) لتكون الحياة في رؤية مصطفى سعيد الشعرية هي لقاء على ذات الجسر من هذا المنطلق يظل ديدنه هو البحث عن النقاء بالتضرع إلى الرحمة الإلهية اتساقا مع قوله :



  ( إلهي ..

  أنت الكريم

  أركع لك في القعر ..)

فتضرع الشاعر بالرحمة الإلهية ، تضرع تصوفي هوعمق وبحث في القعر ...

والشاعر يفترض الذوبان مع الحبيبة ، لكن بقبلات هي الزهور أي الجمال وهنا يتناص مع اجاصة الفراعنة ..



  (لألتهمك ..

  والزهور مقبلات

  والفجر آخرتي ..)

  (نهدُكِ كإجاصة الفراعنة

  نعزف سوّياً اللحن المتوارثَ

  من اسحقِ الحضاراتِ )

وكانت شعرية مصطفى سعيد قد غمرت المعنى بأحضان اللغة المفارقة بقوله :



  ( يدك الزئبقية في هذا المحيط ..

  سمكة تهوى البطولة في يد صياد ..

  عبثت أناملي بمكمن الرحيق ..

  بالنبيذ, رغماً عني ..

  وتساقط الزعفران من جبهتي ..)

حتى جعلت منه انفعالاته يركب حالات احتمالية ..



  ( لعلها غيوم خدعةٍ أخرى

  ستمطر فوق غرقي ..)

  ( صوتي يناشدك

  وجدته يزرع في الحديقة شجرة ندم ..

  ويسقيها بماء فحولته الكسيحة )

واستمر في لغة سريالية متوترة بين الصورة اللوحة المجردة التي انسدلت بالقرب من قصائد الديوان والصورة اللغوية ..



  ( أُشعل في الماء شعلة أرق

  لأرمي هيبتي من نافذة )

وظل يدور ببناءٍ رياضي دائري ، يتراءى انه يصل إلى نقطة مرادة ، لكنه غير ذلك ..



  ( فهالني وجهي المشروخ

  يرتطم بنفسه )

لذا يثور على كل قيد ناشداً الخلاص وهو يخاطب الكلمة التي في يقينه هي المعبر الوحيد له ..



  ( أيتها الكلمة

  كما أشكل أحرفي ..

  وشعري

  تبرأ منذ عهدٍ من بدعة التفعيلة

  وغلال القافية ..)

  ( أطلقُ اللجامَ

  وانكبُّ كالحبرِ في التدوين ..)



  فـ (الإلهام يسقط

  يسقط

  من السماء)

ليبقى الحب هو الصراع ضد ماهو قبيح ويبقى الامتحان العسير في افتراض الوجود و(ما من نهاية إلا تعقبها بداية ..) فالإلهام هبة من السماء ثم حركة المادة في الكون حركة دائبة ليس لها نهاية والإنسان مجبول على الخير والبحث عنه في مظان الكون هذه فلسفة الشاعر مصطفى سعيد في ديوانه (هندسة الحب) الذي حاول فيه تجسيم الأشياء اللاحسية بما يجاورها من الأشياء الحساسة بلغة اقتربت من الحالات السريالية .


0 comments: