Saturday, February 27, 2010

إلى متى نتلصص على كتابات المرأة من ثقب الباب؟ كتاب التجربة الانثوية




بقلم ميسلون هادي - عن موقع الاوان

في البدء .. لا بدّ من الإشارة إلى أني قد كتبت عن هذا الكتاب بعد صدوره في عام 1994، حيث وقع في يدي ذات زيارة بابلية قامت بها القاصة الصديقة المقيمة في القاهرة بثينة الناصري إلى العراق أيام الحصار، فحملت هذا الكتاب مع ما حملت من كتب كانت لاتصلنا إلا عن طريق الصدفة، وكتبنا أيضاً كانت ممنوعة من السفر إليهم بأمر من الحصار الظالم …وهذه الإشارة لا تعرض تبريراً لتقديم هذه القراءة مرة ثانية ، وإنما هي تنويه وإشارة إلى أن إعادة طبع هذا الكتاب أكثر من مرة يؤشّر إلى إننا نؤذن في مالطا عندما نقول إن القارئ العربي ليس بخير وأحيانا الناقد العربي ليس بخير مادام النظر إلى الكتابة الجريئة ليس إلا انعكاسا لعقدة عربية متمكنة من الجميع أسميها عقدة الرجل المقتضب.
في كتابه (التجربة الأنثوية) يقدم المؤلف والمحرر والمترجم صنع الله إبراهيم أفضل ما يمكن لرجل أديب أن يفعله عندما يقع في ازدواجية الفكر، إذ يترجم في كتابه ذلك أحد عشر نصاً من اللغة الانكليزية. يجمع بين تلك النصوص أمران: الأوّل أنّ المؤلف دائما هو امرأة، والثاني أنّ الموضوع واحد هو الجنس.. وليس لدينا اعتراض على الأمر الأول، بل على العكس هو مما يفرحنا في إضاءة ما تنتجه النساء في العالم من إبداع. ولكن الأمر الثاني الذي يثير تحفّظنا هو هذا التعامل المقتضب مع (التجربة الأنثوية) عبر اختيارات أوقعت المترجم والمؤلف والمحرّر صنع الله إبراهيم في تلك الازدواجية التي أشرنا إليها قبل قليل.
يقول المترجم في مقدّمة الكتاب مستشهداً باقتباس من أحد نصوص الكاتبات المختارات، إنّه رغم نوايا الجميع الطيّبة فإن المرأة دائماً هي التي تدفع الثمن، وهو يرجو من هذا الكتاب أن يسهم في تقريب اليوم الذي لا تدفع في نساء بلادنا الثمن، وبمفارقة غريبة جدّاً يضيف مستنكراً في تلك المقدّمة : ( وازداد وضع المرأة تدنّياً وجرت محاولة إعادتها إلى ركن التفريخ لتصبح مجرد أداة جنسية كما كانت في الماضي السحيق ).
ثمّ يأتي في متن الكتاب على تكريس هذه النظرة القاصرة للمرأة من خلال اختياره لتلك النصوص الأدبية، الساذجة في معظمها، والتي تتعامل مع موضوعة الجنس من زاوية نظر أحادية ومعزولة عن حركة الحياة الحقيقية، وكأنما قصد المؤلف أن تعني (التجربة الأنثوية) حمل شمعة في الظلام للبحث عن نصوص تصوّر حالات مأزومة أو غريبة أو خاصة، ثمّ وضعها في غرفة واحدة لا داعي للنظر إليها من ثقب الباب ما دام المؤلف قد فتح بابها على مصراعيه، واضعاً ما تحويه تحت لافتة (الكتابات الجديدة والجريئة)، محاولاً في مقدمته المتواضعة للكتاب تبرير تلك النصوص بتبريرات غير مقنعة؛ من بينها الأسباب الحقيقية التي دعت مؤلفة الكتاب الأصلية إلى اختيار النصوص، ونحن لا نعرف من هي تلك المؤلّفة، وما هي جدارتها العلمية لتصبح أسبابها مقنعة لنا كقراء نوعيين، ثمّ ما شأننا، ونحن الآن في الألفية الثالثة وفي عالم يتفجّر كالألعاب النارية عن أشكال العجائب والغرائب والأزمات، ما شأننا بأسباب ومبرّرات تلك المؤلّفة وقد نشرت كتابها الأصليّ في غرب الستينات، وفي ظروف مختلفة وانتقالية راجت فيها مثل الشطحات والمؤلفات، وليس هناك اعتراض حقيقيّ على ذلك، حتى وإن لم تكن (تلك الشطحات) صالحة لكلّ زمان ومكان، ولكنّ الاعتراض أن تكون تلك الشطحات ممثلة للـ(تجربة الأنثوية) على حقيقة ما تنطوي عليه من مشاعر وأسرار، حتى بالنسبة للغرب نفسه الذي نقلت عنه تلك الاختيارات ..
ورغم أنّ المؤلّف يحاول نفي صفة الابتذال عن ذلك الكتاب، بالتعكّز على اسمين أو ثلاثة من الأسماء المعروفة لكاتبات عالميات اختار لهنّ، إلا أنّ هذا لا ينّزه الكتاب من السقوط في فخّ الإثارة التجارية والابتعاد عن الروح الأدبية، بل التستّر خلف تلك الروح كما يفعل الكثير من الرجال لإشباع روح أخرى هي روح المخدع، الأمر الذي جعلني لا أستغرب بعد ترجمته إلى العربية مشوّشاً ومجزوءاً فيما يبدو، الإشارة إلى إعادة طبعه أكثر من مرة آخرها عن دار الثقافة الجديدة قبل أيّام، كما لا استغرب أيضاً أن يقول المترجم في حيثيات تبريره لترجمة بعض نصوصه إنه فعل ذلك بدوافع معيّنة أيّام كان مقيما في بيروت أواخر الستينات، وإن مجلّة "الحسناء" قد نشرت له تلك النصوص في حينها قبل أن يوقف رئيس التحرير الاستمرار في نشرها.
يقول الكاتب أيضا إنّه أقبل يجمع في اهتمام وعلى مدى أعوام طويلة النصوص المماثلة في رحلة شخصية من أجل دراسة وفهم المرأة والسلوك الجنسي عامة، لكي يستكمل بلا وعي كتاباً يقدّمه لقرّاء العربية ذات يوم.. ولا نستغرب اهتمام الكاتب بهذا الجانب من حياة المرأة، فهذا من حقّه وشأنه، وهو شأن متوقّع من الكثير من المثقفين، ولكنهم يتحجّجون بالثقافة والحداثة للبحث في هذا الموضوع. وواقع الحال أنّهم يعتبرون أدب المرأة موضوعا للتحديق مثلما هو جسدها موضوع للتحديق، وكلّما كانت الإثارة أفضل كان التحديق أكبر. والطريف في الأمر أنّ المؤلف لم يدرس تلك الحالات بالفعل (بعد أن عزلها في خانة) لتقديمها كإرهاصات أو مقدّمات يخرج منها بنتائج علمية تضيء، وتؤشر لتلك الفترة الانتقالية التي يتحدّث عنها وهي الستينات ولكنه قدم تلك النصوص كـ (رؤية عصرية) و(تجارب جريئة) تزيد من معرفتنا للمرأة وفهمنا لأنفسنا محتفياً بها بطريقة تغري على الاستنتاج أن الكاتب النوعي قد عبر بلا وعي، عن تعطّش القارئ العادي إلى النظر من ثقب الباب إلى مثل هذا النوع من الكتابات، وقياسه لجرأة المرأة في الكتابة على جرأتها في طرح مثل تلك التجارب الخاصة، وتلك الازدواجية التي وقع فيها مؤلف الكتاب في النظر إلى تجربة المرأة تقع أيضا ضمن هوس التحديق، الذي يجعل من الصور الإباحية موضوعا لهوس الرجال، وفي الوقت نفسه كتابات المرأة (الجريئة) مادة لذلك الهوس وليس لشيء آخر. وليتنا استطعنا العثور في تلك النصوص وضمنها نصوص الأسماء التي تعكز عليها المترجم (كتوني موريسون، وادن اوبريان، ودوريس ليسنج)، على ما يستحق النظر أو التأمّل أو الترجمة، حتى ضمن اصطفافه بهذه الخانة، أو على ما يمكن له أن يمثّل فعلاً (تجربة) المرأة الحقيقية في الحياة أو (جرأتها) على طرح تلك التجربة، بكلّ همومها وأبعادها الإنسانية والاجتماعية والفكرية التي تنمو وتتفاعل وتتفاقم في عالم مليء بالعاهات والصراعات، وإنما عثرنا على نساء قابعات في قماقمهن، يجتررن مشاعر الحاجات البيولوجية البحتة، من وجهة نظر أحادية ومظلمة ومعزولة تماماً عن أنواء وعواصف العالم الذي تعيش فيه بطلات تلك التجارب، ولا أريد أن أجرّد كاتبات تلك التجارب من جرأتهن، التي تحسب لهن في طرح مثل هذه المواضيع الحساسة، ولكني لا أستطيع فهم تبنّي نظرتهنّ الموغلة في أحاديتها إلى هذا الجانب وتقديمها إلى الآخرين على أنها إبداع عالمي جريء سيساهم في تقريب اليوم الذي لا تدفع نساء بلادنا الثمن !!!
لقد وضع هذا الكتاب الجرأة، مرة أخرى في جراب (الجنس)، فجعلنا نتمنى فعلاً أن لا تظل المرأة في بلادنا وبلاد العالم تدفع الثمن (ثمن النظر إليها من تلك العيون التي يندب فيها الرصاص)، مادامت تجربتها الإنسانية العظيمة لا تغري بالنظر، لدى أصحاب النوايا (الطيبة)، مثل تلك النصوص الأنثوية الانتقائية الهشّة التي جمعها مؤلّفها بين دفّتي كتاب، وقدّمها على أنها نماذج جريئة لأدب تكتبه المرأة .

1 comments:

ابن البلد said...

من أهم المآسي التي يعيشهل عالمنا المتخلف أن تفكير الرجل ينحصر في في شبر واحد من جسده يقع في المنتصف وهو لا يرى العالم إلا من خلاله