ليس لي أن أُعرّف عن نفسي أكثر من أن أقول إني إنسانة تحلم وتسعى لتحقيق عالم أفضل عن طريق نشر ثقافة الحب والإنسانية والتسامح تحت مظلة الحرية الحقيقية التي تضمن كرامة الإنسان واستخدامه عقله بصورة صحيحة ونبذ العنف وما إليه من ممارسات شبيهة، موظفة في سبيل ذلك حواسي الإضافية؛ الرسم والكتابة
تعددت الأسماء والسيف واحد، تعددت الأسباب والموت واحد.
كم الف مرة ارتوت فيها الارض بل واغرقت من دماء ابنائنا، كم مرة سقطت بغداد ، دنست المقدسات، انكسرت الرايات وهتكت الاعراض .. وكم من المرات ســـ ... ؟
غرفة نوم مرتبة جدا, صفراء جدا, كلاسيكية ومتشنجة كصاحبة الغرفة التي تقف أمام المرآة تشّد شعرها للوراء بقوةٍ محاولة رفعه ولمّه دون أن تترك مجالا لأي أي شعرةٍ بالسقوط أو التدلي, تتأكد من إحكام إغلاق جميع أزرار قميصها حتى العنق, حتى أسفل الذقن. تنظر للمرآة نظرة أخيرة.. امرأة في العقد الثالث من العمر, خمرية البشرة, جذابة, ذات عينين ثاقبتين ثابتتين ومتشنجتين أيضا كأنهما من زجاج.. تلاحظ شعرة بيضاء( شيبة) تختبئ بين شعيراتها السوداء, تسحبها بقوة مقتلعة إياها من جذورها.. تنسدل بعض الشعيرات هنا وهناك على وجهها حادّ الملامح ,, لتعيد ربط شعرها بإحكام للخلف مرة أخرى, تتأبط حقيبة سوداء صغيرة, مستطيلة الشكل ككتاب جديد خرج للتو من المطبعة.
تذهب للسوق المجاور لبيتها لشراء بعض الفواكه والخضار, تسير على الرصيف بخط مستقيم دون أن تحيد عنه حتى لغرض إفساح المجال للمارّة! رافعة رأسها للأمام كجنديّ ملتزم.
تشتري حاجياتها وتعود للبيت ماشية على نفس الخط الرصيف ونفس الخط المستقيم!
* * *
( تسأل احد طالبات المدرسة الثانوية التي تُدرس فيها – بعدما ضبطتها خلف حمام المدرسة تضع أحمر شفاه-:
-ما هذا الذي تضعينه.. أهو احمر شفاه؟
تأتأت الطالبة بدهشة ولم تجب مُخبئةً حقيبتها الصغيرة بين يديها خلف ظهرها.
اختطفت الحقيبة من يدها بقوة وأفرغت محتوياتها على الأرض ثم التقطت قلم شفاه احمر جدا بدرجة بدائية فاضحة. صرخت بوجهها بعدما التقطت عن الأرض باقي أدوات الماكياج التي كانت في الحقيبة:
-ما هذا؟ ما زلت صغيرة على ذلك, أتعلم أمك بأمرها؟
الم يعلمك اهلك أن هذا عيب لمن هم في سنك؟
وحتى لمن هم اكبر منك فالفتيات المحترمات لا يضعن احمر الشفاه هذا.
تعالي معي لمكتب المديرة.
شدتها من يدها بقوة لكن الفتاة قاومت متوسلة بأنها لن تعيد الكرّة مرة أخرى قائلة:
-أرجوك آنستي إن أخبرت المديرة بذلك فستخبر أمي.. وتقتلني, سيقتلني أبي.
-أبوك؟ .. ألم تفكري بذلك حين وضعت احمر الشفاه؟
سحبتها مرة أخرى فقاومت الفتاة بشراسة أكثر فأوقعت كتابا كانت تحمله بيدها الأخرى.. انفتحت صفحاته لافظة ورقة مطوية بشكل رسالة, التقطتها المُدرسة وفتحتها كما فتحت عينيها وفمها وفتحتا انفها أكبر حد ممكن حين قرأت ما مكتوب فيها صارخة بتعجبٍ وغضبٍ شديدين:
-رسالة غرامية يا...
سألقنك درسا.. من هذا الذي ضحك عليك.. وأين تقابلينه ومتى؟
بعد المدرسة ها؟ أيعلم اهلك بذلك؟ طبعا لا..
تتصرفين على حل شعرك.
حاولت جرها مرة أخرى حينها سحبت الفتاة يدها بقوة وغضب واختطفت الرسالة منها قائلة بحدة بالغة:
-معقّدة.
أطبقت المُدرسة شفتاها كأنها تعضّ على أسنانها من الداخل وصفعت الفتاة بقوة على وجهها).
* * *
عادت من السوق كلل صباح, أفرغت الأكياس لوضع الفاكهة والخضار في الثلاجة, فوجئت بورقة صغيرة داخل كيس الحلوى التي تحب, مدونٌ عليها رقم هاتف, قطبت وجهها وعصرت الورقة الصغيرة بين أصابعها وهمّت للخروج من الباب, فتحته بعصبية ثم وقفت تفكّر...أغلقت الباب بهدوء وأسندت رأسها وظهرها عليه وابتسمت مفكرة:
-حتى ذلك الصبي الصغير رغم ظروف عيشه بالشارع وحرمانه من الذهاب للمدرسة أو اللعب مع من هم بمثل سنه, رغم ما يقاسي بعمله الفقير ذاك.. لكنه يفكر بالحب.. يرغب بعيش حياة طبيعية, يدرك انه إنسان.
أطرقت رأسها وتهجمّت ملامح وجهها وتمرّكز بصرها بنقطة واحدة على الأرض ثم جلست ماسحة ظهرها بالباب ووضعت ذقنها على ركبتيها ثم ضحكت, ضحكت ورمت بالورقة بعيداً, أكملت تفكر في نفسها:
-حياة طبيعية لم أحظ بها.. نحن الناس العاديون الذين نعتقد إننا نعيش الحياة الطبيعية المثالية..لكنها دون حب.
جلست على سريرها بغرفتها المرتبة جدا, ذات الإضاءة والستائر والسجادة الصفراء, لا يتخللها ضوء الشمس أبدا بسبب إحكام غلق الستائر.. جلست من جانب السرير المقابل لمرآتها الطويلة ذات الإطار الخشبي المنقوش كقطعة
( أنتيكه ) , تحدث نفسها بملامحها الجادّة المقطبة:
-عديم التربية.. من أين تأتي له التربية وهو ابن ..ربما يكون الآن قد جمع أصحابه يخبرهم انه أعطى المُدّرسة رقم هاتفه بكيس الحلوى وبأنه يتوقع منها أن تهاتفه بأي ساعة من هذا المساء.. نعم, فالمراهقون يمارسون ألعابهم الصبيانية ليلاً, يخدعون الفتيات الطريات المدللات.
التفتت للهاتف الموجود على الطاولة قرب سريرها حيث موضع رأسها, نهضت مفّكرة:
-موجود هنا لأنفض عنه الغبار فقط وأدفع فواتيره ولا مكالمات.. رفعت السمّاعة تتفحص:
لا أرقام صادرة
لا أرقام واردة
ولا حتى رسائل صوتّية..
صفر.. صفر.. صفر.
وضعت السمّاعة بسرعة وقوّة وعادت تجلس أمام المرآة تنظر لنفسها بملامح أكثر رطوبة وأسردت تكمل حديثها مع نفسها بصوتِ عالِ وبلهجةِ أكثر ليونة كأنها تحاول إقناع المرأة القابعة بالمرآة بوجهة نظرها:
-لكن.. ربما هاتفه يرّن باستمرار .. هناك من يسأل عنه, يحدّثه, يغازله, يحبّه, ويؤنس وحشة الليل.. بدفيء قلبه و.. (مترددة) وجسده.
قطبت وجهها مرة أخرى ووضعته بين كفيّها صارخةً:
-لا.. لا.. بماذا تفكرّين؟ .. عيب.. عيب.. ليس هذا ما تربّينا عليه.. ليس هذا ما علّمه إياه آباؤنا.
* * *
الليل.. أطفأت التلفاز الذي تسّمرت أمامه عيناها أمامه دون انتباه لما يظهر فيه أبداَ وكأنها تنظر لشيء داخل رأسها !
نهضت لغرفتها تحاول النوم, شغّلت موسيقاها المفضّلة (صلاة الليل), جلست في فراشها, شعرها المشدود حتى وقت النوم, بيجامتها الزرقاء الداكنة.. ثم
أمسكت الهاتف ووضعته على الغطاء أمامها وداعبت أزراره بأرقامَ ما..
هي: ألو..
هو: نعم.
هي أنت قدري.
هو (ضاحكاَ): عفواَ؟
هي: ساحبك!
هو: هل هناك قدرُ؟ أو هل يُسلم الإنسان أمرٌ لقدره؟
وحدهم المهزومون الذين يخضعون لأقدارهم.
هي: إذن.. سأصنع قدري.
ساد صمتٌ لثوانِ, تنهدت ثم أسردت:
سيدي, أيها الرجل الذي لا انتماء له..
من أنت؟
هو: أنا؟ مجرد إنسان يؤمن بأن الأرض لا حدود لها فكرياَ وجغرافياَ ودينياَ.
صباح اليوم التالي, قررت أن تفتح الستارة ولو قليلا غير مكترثة لنوافذ الجيران المفتوحة وشرفاتهم المطّلة على نافذتها في البناية أمامها, امتصت الهواء بأنفها وفمها وصدرها وحتى بمسامات جلدها..
عادت لمرآتها.. أسدلت شعرها ثم رفعته, أسدلت خصلة منه ثم رفعته مرة أخرى لكن برفق لتسمح لأحد الخصل بالتسلل على جبينها حين تشاء من تلقاء نفسها.
فتحت خزانة ملابسها, أسود.. رمادي.. أزرق.. أبيض.. أسود أيضا.. ازرق داكن.. رمادي مخطط بأبيض, كُحلي. لم تكن تملك لونا واحدا ينبض بالحياة, كل شيء يشير للعتمة والكآبة والتشنّج. ملابسها كانت عبارة عن قطع قماش هندسية الشكل وصفّ طويل من الأزرار.
ارتدت أي شيء, أقفلت أزرار قميصها حتى وصلت لأعلاها, تركتها مفتوحة.. ثم أغلقتها, لكنها لا تتفق والخصلة المتهاوية على وجهها الطريّ النديّ هذا الصباح.. قررا أخيرا أن تتركها مفتوحة والذهاب للسوق لاكتشاف ألوان أخرى وأشكال جديدة غير نظامية.. غير منتمية.
* * *
الليل مرة أخرى.. الساعة الثانية عشر بعد منتصفه, ارتمت على السرير محتضنة الهاتف بطنها كأي طفل صغير.. أو رجل! داعبت أزراره بأرقام ما..
هي: غازلني قليلا, لكن بأدب هذه المرّة.
هو(ضاحكا): أنت أنثى تشبه الأوكسجين
والحب حاجة للتنفس
أداة للوصول إلى الروح
وأنا عندما أتغزل بامرأة أكون مجنونا جدا
وجميلا جدا..
هي(تنهدت): سأعطيك الضوء الأخضر
لكن.. أنا سأقرر متى تتوقف!
هو: اجعلي شفتيك كأسي
ومن صدري تنفسي هواك
لأحيى بك وبسباتك..
هي: سباتي؟.. أتظنني نائمة؟
هو: ومنتظرة قبلة أميرك لتتوهجي بالحياة.
بالصحو.
(سكتت)
هو: ارسمي خطا طوليا يشطرني نصفين
نصف لك..
ونصف لك..
وانفثي الدخان عشقا.
(سكت ثم أكمل جادّا)
قولي شيئا.. لا أسمع سوى همسك على لساني.
هي: أنا أرقص منصتة إليك..
تابع أرجوك.
هو: أترقصين على لحن مجرد من الأنغام الأزليّة؟
كجسدي المجرد من كل شيء,
إلا منك.
(تشغّل بتلك اللحظة موسيقاها المفضّلة)
(يكمل)
جسدي الذي يصبح حريريا دافئا
كشعري على صدرك..
(قاطعته بهمس رقيق) : صه.
ساد صمت لثوان, بدأت تتحسس الهاتف على بطنها رافعة يدها تدريجيا كسلحفاة زاحفة نحو صدرها بحذر ورعشة.
الشعر المُسدل, الثوب الأحمر المُرتجف على جسدها لهاثا, أحمر الشفاه الحمر جدا.. البدائيّ جدا, تحت معطفها الرماديّ القديم, هكذا اختبأت.
المساء الموعود, خرجت لمكان اللقاء قبل الوقت المُحدد بدقائق..جلست على مقعد الحديقة العامة التي يسمونها (حديقة العشاق) لكثرة التقاء العشاق فيها غالبا.. قلبها يتراقص فرحا وخوفا, أنفاسها اللاهثة من البرد والرهبة, يداها المتجمدتان, تشعر بأنها عارية بهذا الثوب.. جلست طويلا تراقب العشاق يدخلون أثنين أثنين متعانقي الأصابع.. يجلسون على المصاطب ثم ينسلون بين الأشجار ويذوبون هناك بلا عودة, أثار الأمر فضولها, الانتظار القاتل والبرد القارص جليسها الوحيد.. لا أحد يدفئ كتفيها ويديها, لا كفّان يضمان وجهها.. مرّت الساعات وعينيها ما زالت تراقب الأشجار دون أن يخرج منها أحد, كأن الجنة تكمن هناك, فمن يدخلها لا يخرج أبدا بإرادته أو دونها, وتخيّلت كيوبيد يجلس بأعلى احد الأشجار يرشق السهام متوغلة لداخل الأشجار.. وصل الفضول لدرجة لم تتحملها, تسللت هي الأخرى بين تلك الشجيرات المغريّة كالفاكهة المحرّمة, تخيّلت أن ثمة ضوء ينبعث من الداخل, كان العشاق يختبؤن هناك, كل اثنين اختارا شجرة لتحضنهما تحتها.. لاحظت الطالبة التي صفعتها قبل أسابيع تجلس تحت احد تلك الأشجار وحبيبها المشغول بتقبيلها بنشوة وعذوبة, كان يمسك وجهها الصغير بكلتا يديه, يقبّل شفتيها وكأنه يقضم بشفتيه مشمشة طرية جدا, سريعة الذوبان بينهما ويمتصّهما للداخل, كانت الفتاة تضغط على زنديه بكّل قوتها وكأنها ستغرز أظافرها فيهما.
ابتسمت وعادت متسللة خارج الأشجار, خارج المنتزه..عادت للبيت, الساعة تقارب الثانية عشر, رمت معطفها وتناولت الهاتف تتفحصه, لا أرقام واردة.. لا أرقام صادرة ولا حتى رسائل صوتية, كان تاريخ آخر مكالمة يعود لزمن بعيد, قبل أسابيع كلّمتها المديرة بشأن الشكوى التي رفعتها الطالبة ضدها لأنها صفعتها ذلك اليوم!
شكلت منظمة حقوق الإنسان النيابية لجنة محامي إدعاء على 13 مسؤول عراقي يرتكب انتهاكات خطيرة بحق المدنيين في المعتقلات وسط تصاعد لظاهرة ( التعذيب) لمتابعة القضية.
حيث ان عدد المعتقلين لدى السلطات الامنية العراقية وفقا لوزارة حقوق الإنسان بلغ (18 الف معتقل بالاضافة إلى 13 الف آخرين محكومين)، مبينا أن هناك انتهاكات خطيرة في المعتقلات والسجون
(وعلى الحكومة أن تنتبه لذلك).
على اساس هم منتبهين لشي غير كراسيهم وكروشهم!!
العثور على مقبرة جماعية في البصرة تضم أكثر من 300 جثة بينهم 100 جثة لأطفال ونساء.
" إذا أردت أن تنفيني, ضمني ضمن نظام, إنني لست رمزا حسابيا, إنني أنا."
كير كيغارد
تتكون المجتمعات العربية والعراقي خاصة من فصائل مختلفة من الناس فكرا واعتقادا, سلوكا واتجاها, وهم معا يشكلون الواجهة الرئيسية لصورة المجتمع ككل وداينمو الدولة (قلبها النابض). فلا شك إن تهميش أو تظليل أو حجب أي مساحة من هذه الفسيفساء سيؤدي لتعتيم الصورة العامة وتعطيل عمل الدولة وبالتالي فشل توحيد وتسخير القوى الفكرية والمادية وجميع الإمكانيات لبناء الدولة والمجتمع على حد سواء. آلية التعايش السلمي المطروحه بين المجتمعات العربية وخاصة بظل الظروف المتوترة التي تعيشها من الفتن المهتاجة على جميع الأصعدة والتي تهدف لبعثرة هذه القطع الفيسفسائية للحيلولة دون كمال الصورة, انطلاقا من قاعدة – السيطرة على البيت بعد انقسامه على بعضه – أدى بنا للسقوط ببركة الصراعات السخيفة الضحلة والانشغال بها عن المضي قدما برحلة التطور والاستفادة من الثورة التكنولوجية لمواكبة العالم حولنا.
إن سقوطنا مهرولين بالعجلة الثابتة للصراعات الطائفية والعصبيات العشائرية سيكلفنا الكثير من الوقت والطاقات دون الوصول لنقطة الاتفاق أو نيل رضا الجميع.
يكمن الحل بعدم إلغاء الآخر وقبوله (الاعتراف به ) وفهمه وتعلم التعايش معه مهما كانت الظروف, والتسلل خلف الحواجز الدينية والعصبية لتكاتف الأيدي, أوليس هذا ما يُسمى بمبدأ الديمقراطية الذي جاء للعراق مستوردا على صهوة الدبابات الأمريكية؟
الديمقراطية :
مصطلح يوناني مؤلف من لفظين الأول (ديموس) ومعناه الشعب، والآخر (كراتوس) ومعناه سيادة، فمعنى المصطلح إذاً سيادة الشعب أو حكم الشعب . والديمقراطية نظام سياسي اجتماعي تكون فيه السيادة لجميع المواطنين ويوفر لهم المشاركة الحرة في صنع التشريعات التي تنظم الحياة العامة، والديمقراطية كنظام سياسي تقوم على حكم الشعب لنفسه مباشرة، أو بواسطة ممثلين منتخبين بحرية كاملة ( كما يُزعم ! ) ، وأما أن تكون الديمقراطية اجتماعية أي أنها أسلوب حياة يقوم على المساواة وحرية الرأي والتفكير، وأما أن تكون اقتصادية تنظم الإنتاج وتصون حقوق العمال، وتحقق العدالة الاجتماعية.
وهي تقوم على ثلاثة أسس:
أ- حكم الشعب .
ب-المساواة .
ج- الحرية الفكرية .
ما زال العراق وبعد كل هذا يعيش تجربة الديمقراطية بدور الهرطقة, بظل عجزه عن تجاوز معضلاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الثلاثية الأبعاد, بل ونجده محصورا بحلقة إجراء انتخابات نزيهة تُرضي جميع الأطراف بشكل متساوٍ!!
يقودنا هذا للتساؤلات الآتية: أهناك عطب بآلية الكتل السياسية؟ أم إنها تعددت أكثر من اللازم؟
أم إننا شعبٌ تعّود ارتداء الزيّ الموحّد قسرا؟
إن الاختلافات العقائدية موجودة منذ الأزل, وللأسف نحن لا نكف نعيد سيناريو الصراع فيما بيننا بسبب هذه الاختلافات, فما الذي غيرته هذه الصراعات على امتداد الزمن؟
الدين و العبادة, مثله مثل الحب.. لا يمكنك أبدا وبأي شكل من الإشكال إجبار أيا كان على اعتناقه أو تبديله أو حتى محاولة إقناعه, فالعلاقة بين العبد والمعبود علاقة حساسة ومعقدة, تخصهما الاثنان فقط ولا يحق لأي طرف ثالث التدخل أو التحكم فيها, كما إنها نابعة من جوهر الإنسان فكرا وروحا وهو جوهر غير ثابت أبدا يعتمد على درجة تفتحه الذهني والروحي وقابلية تطوريها أو تحنيطها, فالإنسان كائن متغير, على أساسه ينبغي أن تكون الأحكام التي تنظم حياته متغيرة، فلا تصلح له شريعة جوهرها الثبات, لأن هذا يعني الحجر على الإنسان والحكم عليه بالجمود الأبدي.
هنا ينبغي اللجوء لآليات أخرى لإدارة حياتنا بعيدا عن الدين والمعتقدات الفكرية والروحية حرصا على الحفاظ عليها والحيلولة دون إلغائها أو طمرها من قبل الجهة المهيمنة, لأن هذا سيؤدي – أكيدا – لمحاولة إذلال واستغلال الصبغة اللاسائدة واللامهيمنة ( الأقليّة) منهم.
آلية التعايش السلمي تقوم على أساس فصل الدين عن السياسة والدولة لأن الأديان معتنق شخصي بين الإنسان وربه, وعلى منع التفريق بين شخص وآخر بسبب هذا المعتنق. بعيدا عن جميع التسميات والمصطلحات السياسية والفكرية الشائعة ودون وضعها ضمن أي إطار أو صبها بإناء مما يثير حساسية البعض أو حفيظتهم.
على المستوي السياسي نطالب بحرية الاعتقاد وتحرير المعتقدات الدينية من تدخل الحكومات والأنظمة، وذلك بفصل الدولة عن أية معتقدات دينية أو غيبية، وحصر دور الدولة في الأمور المادية فقط. وإعطاء الحق لأي جهة بمزاولة عقائدها وشعائرها وتقاليدها بمنتهى الحرية مع ضرورة حفظ حق الآخر وعدم التعرض له, وعدم إجبار الكل على اعتناق وتبني معتقد أو دين أو تقليد معين لأسباب كانت.
يجب أيضا الحفاظ على حق المشاركة بطاولة نقاش مفتوحة للجميع, وعدم حكرها على جهة معينة, أو محاولة خصي لسان الآخر وتحويله ببغاءا , لأننا بهذا نضطهده و يعد (إرهابا فكريا), لكننا للأسف تربينا وبُنيت مجتمعاتنا على التكاسل التفكيري وسلب حق التعبير والتمثل بالطاعة حتى باتخاذ القرارات البسيطة منها قبل المصيرية.