Friday, February 26, 2010

ثمان سنين فقط



مُنع دخول السيارات لوسط المدينة بمساحة كيلومترات مربعة طويلة لأسباب أمنية مشددة خوفا من أي هجمات إرهابية بسيارة مفخخة. قررنا العودة لمدينتنا بعدما قضينا ثمانية أيام لا تُنسى هنا.
كان يجب أن ننطلق عند الساعة الثانية بعد منتصف الليلة لنضمن وصولنا
( للكراج ) الخاص لسيارات السفر عند السادسة صباحاً. كانت أمتعتنا ثقيلة وكثيرة إضافة للهدايا وعلب الحلويات التي اقتنيناها, والوسيلة الوحيدة التي لاحظناها للنقل والترحال بين شوارع وسط المدينة وفنادقها وأسواقها وبين المرقدين الشريفين وباقي الأماكن السياحية الأخرى هي العربات الخشبية التي يدفعها الصبية أو الشبان.
المدينة تعج بالزوار الإيرانيين والهنود وغيرهم من الجنسيات المسلمة, اغلبهم من كبار السن فكانوا يستخدمون هذه العربات بالتنقل مع أمتعتهم, منظرهم مضحك ٌ وهم جالسون فيها كونهم – أقزاماً – قصيري القامة نسبة لنا نحن العراقيين يدفعهم أولئك الصبية ( تخيّلت نفسي بالصين ).
خرجنا من الفندق وأمتعتنا الكثيرة عند الثانية بعد منتصف الليل تماماً, كان كل من في الشارع من حرس وشرطة نيّامٌ, حتى الصبيان أو الشبان الذين يدفعون العربات توسّدوا عرباتهم الخشبية أسرّة – رغم قسوتها -, حاولنا استئجار احدهم بأي سعر يطلب دون جدوى لتأخر الوقت وبُعد المسافة. وافق أخيراً فتىً صغير العمر ضئيل الحجم يرتدي بنطالاً قصيراً عليه نسبياً وبلوزة خفيفة. وضعنا أمتعتنا بعربته وسار إمامنا يدفعها بكل همةٍ ونشاط!
قطعنا الشوارع نستدلّ على مكان ( الكراج ) من عناصر الجيش والشرطة المنتشرة بكل مكان, لاحظنا تباطؤ الفتى, سرنا مسافة ساعة كاملة , حاول أخي كسر روتين الملل والسير المُتعب ليلا بهذا الجو البارد الهادئ جدا إلا من نباح بعض الكلاب هنا وهناك. سال الفتى عن اسمه وعمره وبعض الأسئلة الروتينية الأخرى, كان الفتى نعساً جداً, يبلغ من العمر ثمان سنين فقط, في الصف الثالث الابتدائي, يرتاد مدرسته صباحا وينطلق للعمل بعد انتهاء الدوام مباشرة حتى الصباح التالي.
واضبنا على السير قدماً نحو ( الكراج ) بخطىً متثائبة تعبة , لاحظنا الفتى الصغير يدفع العربة مع ( أخي ) مُسنداً جبينه على ( المقبض ).
- لقد غفا وهو يمشي.
( قال أخي ).
وقفنا, حمله أخي ووضعه على احد الحقائب الكبيرة في العربة ودون أن يشعر الفتى بما حصل إلتفّ على نفسه ونام كالملاك الصغير.
وصلنا ( الكراج ) أخيرا قرابة الخامسة صباحا . اخترقت أصوات الآذان المتتالية هدنة الصمت تلتها زقزقة العصافير مُعلنةً بدء صياح جديد. ما زال الفتى نائماً, حملنا أمتعتنا وأوصينا احد رجال الشرطة بباب ( الكراج ) أن ينتبه عليه وبينما كنا نحدثه استفاق الفتى. أعطيناه إجرته ووقفنا ننتظر اختفاءه وعربته بحضن أفق الشارع الطويل الذي جئنا منه.


9:09 p.m
11:3:2009
ايفان الدراجي




0 comments: