Friday, February 26, 2010

حلــــم أزرق







 


ما زالت الأصوات تعوي في رأسي وتمتد تلك الأيادي الخشبية اليابسة لتخنقني بوحشية...
كل شيء في المدينة اصفر باهتا..كل شيء يعوي بألم ..يعوي في راسي.. الشوارع تنزف من تحت أقدامي.. الجدران تنشق بوجوه صارخة وخائفة من حولي.. لتمد أياديها اليابسة لتخنقني..
ركضت.. ركضت هاربة أسابق الريح التي تضربني محولة منعي من الهرب.. ركضت حتى وصلت إلى الشاطئ.. الهث تعبا وخوفا.. رميت بنفسي على الرمال و دفنت وجهي في أحضانها.. أحسست بمياه البحر تداعب قدماي محاولة جري إليه بنعومة .. نعم.. هذا ما انتمي إليه.. البحر.. فقلبت نفسي ونظرت إلى السماء كم هي صافية.. كم هي بريئة.. ونقية.. تتراقص فيها بعض الغيوم هنا وهناك..
فانتبهت إن الأصوات تهاوت وابتعدت قليلا وكأنها ظلت واقفة خلف الشاطئ تخاف منه.. نعم .. إنها تخاف الاقتراب وأنا بأمان هنا وربما إذا ابتعدت أكثر ستموت كليا..
كانت النوارس تغني مرحبة بي وهي تسبح من فوقي .. وكانت الأمواج تقبل أقدامي بنعومة وحنان.. حتى أني أحسست أنها كيديه.. حتى رائحة الرمل الدافئ الذي يمسح جلدي بطراوة ولذة.. كانت كرائحة عطره حينما كنت اقبل عنقه بلهفة وشوق.. وحينما كنت ازرع زهوري على وجهه وعنقه وكل جسده..
لم اشعر بالأمان قط في حياتي إلا وأنا بين يديه.. قلبي لا يدق إلا بين يديه وأنا دافنة راسي في صدره العاري.. وأصابعه تسير في شوارع شعري السوداء بعذوبة وصمت.. كان حبيبي صامت مثل السمكة..
يحبني بصمت ويداعبني بصمت ويحدثني بصمت.. وكانت عيناه صامته وهادئة كمياه البحر الأزرق النقي..
* * *

( شعرت إن جسدي منهار.. كانت الأضواء القوية تؤذي عيناي المتعبتان أحسست بقسوة الأنبوب في فمي .. ونغز الإبر في أوردتي .

- أنا آسف.. انه ورم خبيث.

نعم, انه خبيث.. لأنه سيسرقني من حبيبي ويسرق حبيبي مني.. كل شيء صار ابيض وباهت تلك اللحظة حتى الدكتور.. كم اكره اللون الأبيض.. لأنه مخيف.. أخافه وأخاف عليه.. نقي جدا وواضح جدا..

- لن تعيش طويلا.. لو إننا اكتشفنا المرض مبكرا لكان هناك أملا بالعلاج.. كان الله في عونكم.

إنهم يظنونني نائمة.. لكن لا تخافوا أو لا تخفوا عني شيئا .. فقد سمعت كل شيء.
قررت إني سأعيش الليلة عمري كله معك وكأنني لن أعيش بعدها أبدا.. قررت أن أموت حبا .. وان احبك حتى الموت.. لأني اشعر بكل ما في العالم من سعادة عندما أكون معك.. تمنيت فعلا أن أموت بين يديه, لكني لا استطيع أن أرى في عينيه انه يموت من اجلي آلاف المرات.. فهربت من بين يديه ونزعت شفتاي بقوة من شفتيه .. كطفل أخذوه كرها عن صدر أمه .
إن الحب هو أن تسعى لان تسعد من تحب لا أن تسبب له الألم والشقاء.. حتى لو إن ذلك يعني أن تضحي بوجودك معه.. فربما سعادته تكمن في الابتعاد عنه, الحب ليس امتلاك.. الحب أسمى من ذلك بكثير..).

* * *


البحر.. ربما ساجد هناك عالما احضى فيه ببعض السلام والإنسانية.. ركبت قاربا صغيرا كان على حافة الشاطئ وأخذت أبحر بلا وجه.. بلا توقف نحو قلب البحر.. حتى انتصفت الشمس صدر السماء توقفت وجلست في القارب القرفصاء.. كانت الأصوات قد اختفت تماما .. الهدوء والصمت.. لا شيء غير الصمت والماء ممن حولي من كل ناحية كأنه عينا حبيبي تتأملاني.. وكان يلمع كأصداف الأسماك عندما تنعكس عليها أشعة الشمس.. أغمضت عيناي لبرهة وتخيلت الحياة كيف يمكن ان تكون تحت الماء .. حيث لا أصوات ولا صراخ ولا دماء ولا... لا الم.
رميا بنفسي في الماء وغصت عميقا أراقب الأسماك والأحياء البحرية و والشعب المرجانية.. وكانوا كلهم يرحبون بي.. وكأنني فردا من أسرتهم.. حتى كأنني سمعت أصواتهم تحدثني وضحكاتهم الفرحة بقدومي, كنت اصعد للسطح كل بضع دقائق لاستنشق الهواء.. ثم أغوص مرة أخرى.
كان عالما مسالما لا جدران تنزف ولا ارض تنشق ولا وجوه مشوهه.. كم تمنيت لو إني املك زعانف وخياشيم.. كم تمنيت لو إني سمكة أسبح بصمت وأحيا بصمت وأموت بصمت وسلام..
وبينما أنا أسبح والعب مع الأسماك لمحت جسما كبيرا قادما نحوي, خفت وحاولت الهرب لكنه حاصرني فإذا به حوت صغير.. اخذ يدور حولي بفضول وذهول.. فاقترب مني بحذر.
هربت للسطح أتنفس الصعداء .. لكنه صعد ورائي للسطح يزفر الماء من ظهره وكأنه يطالبني بالعودة تحت الماء .. نزلت واقتربت منه بحذر وهو يراقبني بعينيه الكبيرتين الجميلتين.. كأنهما ليل مبلل عار من النجوم.. مددت يدي لألمسه وحينما لمست رأسه..

- من أنت؟ وماذا أنت؟

دهشت وارتعبت , من أين جاء هذا الصوت , صعدت للسطح مسرعة ظنا مني ان هناك إنسان آخر معي في هذا المكان.. لكن لا احد غيري في البحر.. نزلت وكان ما يزال في مكانه..

- من أنت؟ وماذا أنت؟ ومن أين جئت؟
- أهذا أنت من يكلمني؟
- نعم.
- لكنه شيء غريب لم اسمع بحوت يتكلم من قبل.. فعلى حد علمي البشر فقط من يتكلمون ويثرثرون طوال الوقت.. أعاد علي السؤال بإصرار..
- ماذا أنت؟
- أنا الإنسان.. وقد جئت من اليابسة...فتأملني مذهولا.
- وما هذه الأشياء.. وكان يقصد أطرافي.
- إنها يداي وقدماي..
فاستغرب واخذ يدور حولي ويشمني..
- كيف هي اليابسة؟
فكرت بعمق وكأني تذكرت شيئا قد نسيته منذ زمن.
- ارض صفراء لا استطيع السباحة فيها.. ولا التجوال بحرية, كلها حواجز وجدران وحدود.. لا ادخل مكانا إلا بفيزة وبعد انتظار طويل وتفتيش مرير.. يحدقون بصورتي ووجهي.. علهم يجدوا تحت رموشي قنبلة أو بين خصلات شعري أسلحة أو رصاص .. أو في عيوني منشورات تقول لا .. لا لكل الأحكام التي أصدروها البشر ضد أنفسهم ليسجنوها بأكبال ثقيلة تضرب احدهم الآخر حين يتحركون, ارض يابسة تنشق بين الحين والآخر لتبتلع كل ما هو جميل وبريء,, مكان حيث الهواء مسموم وفاسد وحيث النفوس مزبلة.. والضحكات مزورة والوجوه موحشة, ارض لا ترتوي إلا بالدماء حيث تلتهم أجساد الملائكة وتحرق الأمنيات والأحلام الجميلة.. وينتحر فيها الحب موتا .. ويخلد الموت حبا.
- وما هو الموت..
سكت.. ما هو الموت.. ولماذا أخافه هل هو حقا بشع ومخيف هكذا.. ثم أكملت حديثي.
- انه راحة أبدية .. صمت وسلام..
ودون أن ادري ارتميت شبه حالمة على ظهر الحوت وكأنه كان يفهمني ويشعر بي غاص هو الأخر وذبنا معا في أعماق البحر.. كان أشبه بالحلم الأزرق البارد.. كنت اشعر إني أغفو في أحضان حبيبي ولم اعد أبالي بما سيحدث لي أو للعالم من حولي كنت احلم واعية منتشية بكل قطرة من ماء أبحر تذوب في مسامات جلدي .
غصنا ولهونا حتى تعبت , حتى أدركت إني ذبت قد غراما بهذا الحوت وبالبحر.
 
  وقررت أن اصعد على سطح المركب .. فعدت للواقع وتذكرت إني إنسان لا سمكة.. أتنفس الأوكسجين وامشي على الأرض واعشق وأخاف وأتوجع.. وخيل لي إن كل هذا لم يكن سوى حلم جميل .. ربما كان بتأثير الدواء أو ربما ضربة شمس... الشمس هي الأخرى بدأت تغوص في أعماق البحر.. بحثا عن عالم أجمل من عالمنا نحن البشر لتشرق فيه.. أو تغفو فيه!

فخفت وأخذت أجدف بسرعة ورهبة عائدة نحو الشاطئ وكأني ولد تأخر في العودة للبيت وينتظر عقابا مؤلما من والده.. فسمعت صوت طرطقة في الماء, التفت وإذا بالحوت يتبعني.
- ماذا تفعل؟ عد ولا تتبعني.
فتذكرت انه لا يفهمني.. لات كل هذا كان حلما لا أكثر, لكن الحوت ظل يتبعني كأنه فهم كلامي, لكنه عنيد وربما يكون هو الآخر قد اغرم بي!
أخذت أحدثه بجنون وضياع حتى إن الكلمات كانت تخرج متلعثمة من فمي, عن الوجوه المشوهة والنزيف والواقع المقفر المخيف الذي ينتظرني هناك.. هناك على اليابسة, عالمي الحقيقي ومكاني الصحيح.
- ماذا افعل؟ لقد جننت فعلا.. نعم لقد جننت..
واصلت تجديفي ولم اعد اكترث بأمر الحوت.. وظللت الهث خائفة وكان شخصا ما كان يجبرني على العودة ويجرني بالسلاسل.. كانت الأفكار والصور تتدفق إلى راسي.. كانت كلها متضاربة ومشوشة ضعت ما بين رغبتي بالبقاء وواجبي بالعودة , إنها فطرة الإنسان.. ليس لي دخل فيها.. ثم توقفت وكانت هناك صورة واحدة واقفة أمام عيني.. الشمس بدأت تعود لعالم الرتابة والألم.. وكانت صواري مراكب الصيادين قد بدأت بالظهور وكأنها سكاكين مغروسة بقلب الشاطئ الأزرق.. الأصوات والصرخات كانت تمس بوحشية مشيرة لأنها تنتظرني عند الشاطئ وكانت الوجوه الدامية تحدق بي كوحش جائع يترقب لنهش فريسته.
 العودة, من سيرغمني على العودة ومن قال إن فطرة الإنسان هي ان يعيش على اليابسة.. التفت فوجدت الحوت خلفي.. نعم لم أكن احلم.. لقد جربت العيش سابقا تحت الماء .. ولم هذا حلما ولم أمت كنت فعلا تحت الماء, ثم تذكرت جوابي حين سألني الحوت عن الموت, راحة أبدية.. صمت وسلام..
فأدركت حينها الحقيقة.. حقيقة الأمر كله..
فنهضت ورميت بنفسي في الماء.. وصعدت على ظهر الحوت وهو يغوص بي إلى الأعماق مرة أخرى.. نظرت نظرة أخيرة على الشمس والسماء.. وأخذت نفسا عميقا وأحسست بالماء مجددا يدخل كل مسامة في جسمي حتى غمر وجهي.



هامش: نشرت هذه القصة بجريدة المنارة
 
ايفـــــان الــدراجي
25:3:2008  




0 comments: