Friday, February 19, 2010

Waiting for our godot بانتظار our Godot




في طريقنا إلى كربلاء المقدسة, احد محافظات العراق الحبيب, استوقفني مشهد مكثف طوله لا يتجاوز الخمس ثواني, على قارعة الطريق المقفر الأبيض من شدة إشعاع شمس تموز القاسية, مشهد لمحته من نافذة السيارة المسرعة اللاهثة على الملح.. الملح, كانت الأراضي التي على جانبي الطريق تبدو بيضاء ملاحة من شدة الحرارة حتى تكاد تمتزج بالسماء المشعة عند نهاية الأفق البعيد المترامي في نهايات مرمى البصر..كان النهار يقارب على الانتصاف.
وفي العراء In the middle of no where)), لمحت بناءا طينيا مهدما, أو قيد بناء أشبه بغرفة صغيرة على جانب الطريق, في وسط اللاشيء, في العراء كما ذكرت و أُأكد , كان هناك رجل قوي البنية, اسمر الوجه من حرارة الشمس, يحمل الحجارة الكبيرة – بلوك- وبجانبه خلطة اسمنت, يقوم بخلطها صبي صغير ضعيف البنية اسمر الوجه هو أيضا , حليق الرأس بواسطة مجرف – مسحة- أطول منه ومن الجانب الآخر لهما, ولد صغير وقصير, ربما لم يتجاوز الستة أو السبعة سنين من العمر, يحمل الحجارة الصغيرة للرجل.. كان الثلاثة متشابهين , سمر الوجوه, حليقي الرؤوس, وكانوا يرتدون جلابيب – دشاديش- رمادية اللون تكاد تغلب على لون بشرتهم, كانوا أبا وولديه , أدرت رأسي أراقبهم من النافذة الخلفية للسيارة بعدما تجاوزناهم بسرعتنا الكبيرة وأخذت أحدق بهم حتى غرقوا وامتزجوا بالأفق , ترى ما الذي يدفع بهؤلاء الثلاثة لبناء تلك الغرفة الصغيرة في مكان كهذا وبهذا الوقت من السنة والنهار الذات؟؟
خلال سنين دراستي للأدب الانكليزي , أكثر ما تأثرت به مسرحية
"Waiting for Godot" للكاتب ) Samuel Beckett ( وهي تتحدث عن شخصين مختلفين بالشخصية يجتمعان صباحا قرب شجرة في مكان منعزل ينتظران شخص اسمه (Godot) (غودو) , والذي يرمز(للمخلص) بالمفهوم الواقعي على اختلاف تفسيره بين الأديان والثقافات المتنوعة.. ثم يأتي صبي يمثل " الرسول" يخبرهم بان )غودو( سيأتي اليوم..
ويجلسان تحت الشجرة ينتظران قدومه, وخلال فترة انتظاره يتجادلان, يبكيان, يضحكان, يسألان أسئلة غبية, يتصرفان تصرفات فطرية, ينتقدان بعضهما البعض.. ثم يذهب النهار ولا يأتي ( غودو) فيذهب كل واحد في طريقه ويتفقان الأ يعودان مجددا..
وفي صباح اليوم التالي يعودان مجدا منتظران قدوم ) غودو( ..
و الغريب بالامر إنهما لا يتذكران بعضهما البعض, ولا يتذكران اليوم أو الأيام السابقة, ويأتي الرسول ..وهكذا..حتى يقرر احدهما أن يشنق نفسه بالشجرة طالبا مساعدة الآخر على رفعه على الشجرة مبتدأ الصراع بين الموت والحياة.. حتى تنتهي المسرحية بافتراقهما مجددا دون حضور (غودو) كما وعدهم..
إن هذه المسرحية جعلتني أعيش مشاهدها وكأني واقفة في احد زواياها, وهذا ما حضر بذاكرتي لحظة مشاهدتي للرجل وابناه في العراء عند البناء الصغير.
إن في فطرة الإنسان باختلاف ثقافته وحضارته ودينه وتفكيره, توق للانتظار, انتظار شخص, انتظار حدث, انتظار شيء كبير يعيد نصاب الأمور , أو ربما يحدث فرقا كبيرا بحياة البشرية والعالم.
ربما يستغرب البعض الرابط بين مشهد الثلاثة على الطريق إلى كربلاء المقدسة, ومسرحية بانتظار غودو, لكني متأكدة إنكم حين ستقرؤون المسرحية ستفهمون, والتي يمثل أبطالها بتصرفاتهم وشخصياتهم وحتى أسماءهم تنوع الطبقات البشرية بأفكارها ومعتقداتها , وان تعدد أيام انتظارهم لغودو يمثل القرون التي عاشتها البشرية من قبل الميلاد وحتى اليوم..وان فكرة الشنق وغيرها من المناقشات المحتدمة بينهما تمثل الصراعات التي عاشتها الإنسانية , سواء كانت صراعات داخلية( صراع الإنسان مع الفكر والعادات والمجتمع) أو ( صراعات خارجية تمثل صراع الحضارات فيما بينها والأمم القوية مع الضعيفة) ضمن مبدأ واحد هو مبدأ
( الحياة والموت, الهلاك والنجاة) .









ايفـــان الدراجـــي



1 comments:

Anonymous said...

في انتظار غودو شاهدتها حقيقة على طريق كربلاء...هنيئا لك