Friday, February 26, 2010

لغة الروح الزرقاء



ينظف أرضية المتحف رجل كبير بالسن.. يرمي المكنسة فجأة ويصرخ راكضا:
- لقد عاد.. أخبرتكم من قبل, هذا الرجل القابع في اللوحة يحدق بنا.. يخرج منها ويعود حين يشاء.. آثار أقدامه الزرقاء على الأرض.

* * *
يتربع أمام لوحته المعلقة على جدار ورشته البيضاء المعزولة أمامه, ألوانه وفرشه وأغراضه الأخرى مبعثرة بكل الأرجاء, بقع ملونة تملأ الأرضية خصوصا الزرقاء منها.
فتحت امرأة الباب قليلا, مدت رأسها من الشق الضيق, وضعت صينية طعام على طاولة بجانب الباب وقالت:
- أنا خارجة.
خرجت وأوصدت الباب.
ظلّ كما هو بلا حراك مستغرق بالنظر لتلك اللوحة كأنهما يتحاوران بلغة روحية يفهمها الاثنان فقط.
( أنت تجلس هنا منذ أسابيع تحدّق بخرقة القماش الملطخة بالأزرق هذه ).
لم ينبت ببنس شفه.

( رحلت زوجتك ...).
( مقاطعا ) – ذهبت لعشيقها.. خائنة.
( خائنة؟.. محاورة إنسان حقيقي الوجود, ملموس, روح لا مادة جامدة, ليست خيانة.. إنها لجوء.. محاولة انتماء, و( اللجوء- محاولة الانتماء) حالة يشترك الطرفين بنفس القدر من المسؤولية بخلقها.. الشخص الثالث لا يتسلل من النوافذ, بل يدخل بكل رحابة من عيوبنا وثقوب العلاقة المتهرئة.. أنت تحاور هذه اللوحة منذ أسابيع كأنها كائن حي.. أهملت زوجتك ونفسك.. أوصدت الباب بوجه حياتك.. خلقت هوّة بينكما أدّت لذلك ( اللجوء- محاولة الانتماء ).
- تبقى بنظري خائنة.
( ماذا ستفعل الآن ؟.. لم ترسم شيئا منذ لطخت هذه اللوحة بالأزرق بهذا الشكل البدائي.. كأنها ممسوسة).
- صه.
يشير إلي بالسكوت تعلوه نظرة حادة غاضبة, ينتفض من مكانه.
- أنا اله الآن.. ألا تفهمين؟ ( بصوت عال وبأسلوب خطابي ) فككت شفرة ذاتي وعبرت لما ورائها.. تجاوزتكم انتم البشر.. خلقتها, أحاور روحها, ألا تسمعين؟ 
( بهمس ) تحدثني.. تحاول أن تشبهني وأحاول أن أشبهها.. هي حية , كالأرض, كالخشب, ككل المواد حولنا, كلٌّ له روح, ما علينا سوى أن نخاطبها بلغتها أن نكسب ثقتها كما فعل الخيميائيون.. الروح.. الروح زرقاء.. لطالما تخيلتها كذلك.. 
( ينفعل ) سأكسب ثقتها كي أكون جديرا أن تفتح لي نفسها لأطالع كل سطر فيها.. سنتوحد.. نعم نتوحد.
( أتتوقع منها أن تهبك إكسير الفن أو حجر الرسامين؟!)
بدأ يخلع ملابسه.
( مجنون )
تعرّى تماما أخذ يقفز ويتراقص كراقصي الباليه على قدم واحدة, شعره الأشعث الخفيف يحركه الهواء كالريش, بطنه المتدلية مثيرة للضحك تهتزّ ككيس مملوء بالماء.
يتمتم بكلمات أغنية ما لا اعرفها.. يتوقف كأنه يودّ إلقاء خطاب:
- القدر ليس مسألة حظ, انه مسألة خيار, ليس هناك ما يتوجب علينا انتظاره, بل ما يتوجب علينا إنجازه, فغما أن أنجز أو لا أنجز.
( صار هاملتا الآن )
- انه بريان يا جاهلة.
يرفع يديه وينظر إلى السماء مخاطبا:
- إن نفسي وقد انفصلت عن ذاكرتها.. تنفصل عن عالمك الرتيب المتوقع.. ترتحل عن المحتوى المألوف للفن.. تنزع أفكارها التي اختنقت في مهدها..
( ينظر للوحة )
تحررت من عقدها الغامضة..( مخاطبا اللوحة ) يا سريّ الخطير وذنبيّ الأخير.

( ذنب؟)
- أنا لا افهم معنى الخطيئة.. لست أؤمن بها, لكن قد تكون خطيئة أن يخلق الإنسان لوحة ويهجرها لأخرى دون.. دون..
يسكت.. يحدّق باللوحة, يسير باتجاهها بخطوات ثابتة بطيئة كالمنوم مغناطيسيا.
- أنا آتٍ إليك.










ايفـــان الدراجــي



0 comments: